في وداع سليمان منصور: الأرض ذاكرة

كيف حوّل سليمان منصور فلسطين إلى ذاكرة بصرية؟ ولماذا أصبحت لوحته "جمل المحامل" أيقونة فلسطينية؟

ترجّل صاحب "جمل المحامل"، لتفقد الكارتوغرافيا التشكيلية العربية برحيله أول من أمس الاثنين، أحد رواد حداثتها الفنية. إذ يُعدّ الفنان التشكيلي الفلسطيني، سليمان منصور (1947 – 2026)، أحد أبرز الأسماء المؤسسة في تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني الحديث، بعد مسار امتد منذ سبعينيات القرن الماضي، تاركاً وراءه تجربة تتجاوز حدود اللوحة بوصفها سطحاً للتصوير، نحو بناء منظومة بصرية تتداخل فيها الأرض والذاكرة والجسد والهوية والتاريخ. 

منصور المولود في بيرزيت والمتوفي في القدس في 24 آب/أغسطس 2026 عن عمر ناهز 79 عاماً، درس الفنون في "أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم" في القدس المحتلة بين عامي 1967 و1970، قبل أن ينخرط في الحياة الفنية الفلسطينية من موقع الفنان والمعلّم والمنظّم والمؤسس. 

هكذا تولى رئاسة "رابطة الفنانين الفلسطينيين" بين عامي 1986 و1990، وأسهم في تأسيس "مركز الواسطي للفنون" في القدس، ثم شارك في تأسيس "الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين". 

الفن، حين يدخل في صراع الذاكرة، يصير طريقة لكتابة الزمن كي يترك أثراً في الحاضر، وطريقة للحاضر كي يعيد مساءلة ما ورثه من غياب أمام كل انتكاسة واقتلاع وتهجير وخذلان.

تكشف هذه السيرة عن تصور سليمان منصور للفن باعتباره ممارسة ثقافية واجتماعية تتصل بإنتاج الصورة وبناء المجال الفني الفلسطيني في الآن نفسه، من دون فصل واضح بين العملية الإبداعية والانخراط النضالي، الذي سيصير ملمحاً بصرياً منطبعاً بنزعة المقاومة في جانب واسع من أعماله الفنية.

في هذا السياق، تتحدد أهمية تجربة سليمان منصور، جمالياً وفكرياً، في الطريقة التي نقل بها مفردات الحياة الفلسطينية من مجالها اليومي إلى مجال العلامة التشكيلية. الفلاح، والمرأة، وشجرة الزيتون، والبرتقال، والتطريز، والقدس، والقرية، والحجارة، والأرض، والثوب الشعبي وغيرها، تتحول جميعها في أعماله إلى مفردات تؤسس لنحو بصري قادر على إنتاج معنى يتجاوز حضورها المباشر. فهنا تعمل الصورة وفق منطق التحويل الرمزي، إذ يحتفظ العنصر المادي بملامحه الواقعية، ويكتسب في الوقت نفسه وظيفة دلالية مرتبطة بالذاكرة الجماعية. 

هكذا تصير شجرة الزيتون صورة للأرض واستمرارية الوجود، ويغدو التطريز الفلسطيني أرشيفاً بصرياً للهوية والتراث، فيما تتحول المرأة إلى حامل رمزي للخصوبة والأرض واستمرار الجماعة. أما البرتقال فيرتبط بذاكرة النكبة والأراضي الفلسطينية التي فُقدت عام 1948، بينما ترمز شجرة الزيتون إلى الأرض المحتلة عام 1967 وإلى التجذر والصمود.

"جمل المحامل".. القدس على الأكتاف

  • لوحة
    لوحة "جمل المحامل"

تتخذ لوحة "جمل المحامل"، المنجزة عام 1973، موقعاً مركزياً في هذا المشروع الذاكراتي، باعتبارها واحدة من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة البصرية الفلسطينية والعربية. إذ تجسّد شخصاً يحمل وطنه ويحتمل ثقله. 

ويُربط منشأ فكرتها بمشهد العتّالين في البلدة القديمة في القدس، حيث كان سليمان منصور يرى رجالاً كبار السن يحملون أثقالاً تتجاوز قدرة أجسادهم. وتنتقل هذه الملاحظة من الواقع إلى استعارة تشكيلية حاسمة، حيث صار العتّال حاملاً للقدس نفسها. 

وفي النسخة المعروفة، ينحني الرجل تحت ثقل المدينة، بينما تتخذ الكتلة التي يحملها هيئة قريبة من العين، وتظهر داخلها معالم القدس وقبة الصخرة.

حين يصبح المرئي مهدداً بالاقتلاع، تكتسب المحافظة عليه وظيفة سياسية وثقافية، ويصير الثوب المطرز وشجرة الزيتون والقرية والحجارة ومواد الأرض وسائل لتثبيت الذاكرة وحمايتها من الاختفاء.

وتقوم قوة هذه الصورة على اقتصاد العلامة وتركيز الكتلة البصرية الرمزية، أي القدس، في حيز مركزي من اللوحة، فوق ظهر الرجل وكتفيه. رجل واحد، ومدينة واحدة، وحركة جسدية واحدة تختزل شبكة واسعة من المعاني. 

يستحيل الجسد هنا إلى حامل جغرافي، وتتحول المدينة إلى حمل مادي، فيما تخرج القدس من كونها مكاناً مرئياً لتصبح حملاً وجودياً وقدسياً محمولاً عبر الزمن. 

أما الأرض، فتتحرك هنا داخل الإنسان، والإنسان يحملها معه أينما ذهب. لذلك اكتسبت اللوحة حياة مستقلة عن سياق عرضها الأول، وانتقلت إلى الملصقات والتداول الشعبي والبيوت والمخيمات والفضاءات الفلسطينية والعربية.

الأرض مادة للفن

  • تبلغ التجربة الطينية مستوى أكثر تركيباً في سلسلة
    تبلغ التجربة الطينية مستوى أكثر تركيباً في سلسلة "أنا إسماعيل"

مع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة سليمان منصور في لوحة "جمل المحامل"، أو قراءتها باعتبارها العنوان الوحيد لمساره. فقد اشتغل الفنان طوال عقود على بناء معجم بصري يتغير بتغير التجربة الفلسطينية وتحولاتها. 

تظهر في أعماله المرأة الفلسطينية، والفلاح، والأرض، والقرية، والمدينة، والشجرة، والموروث الشعبي، ثم تتسع لغته لاحقاً لتستوعب مواد وتقنيات ومفاهيم جديدة. ففي أعمال الطين خصوصاً، انتقل التراب من موضوع مرسوم إلى مادة فنية تحمل تاريخ المكان داخل بنيتها الفيزيائية.

كان منصور يصوغ طبقات الطين داخل إطارات خشبية، فتظهر التشققات والانكماشات والتصدعات الناتجة عن جفاف المادة. هنا يصبح الزمن جزءاً من العمل ذاته، فالتشقق يصير أثراً زمنياً، والمادة الأرضية تسجل في جسدها معاني الشتات والاقتلاع والانقسام.

وتبلغ هذه التجربة الطينية مستوى أكثر تركيباً في سلسلة "أنا إسماعيل" التي بدأها عام 1996. استخدم الفنان الطين لصياغة أجساد وملامح تبدو كأنها نقوش أو آثار مستخرجة من فضاء جنائزي. 

يستدعي اسم إسماعيل طبقات دينية وتاريخية وسيرية متعددة، بينما يسمح الطين بإقامة صلة مباشرة بين الجسد والأرض. يتحول العمل في هذه الحال نوعاً من الأركيولوجيا البصرية، حيث تستحضر المادة آثاراً غائرة في الذاكرة، ويظهر الجسد كأثر قابل للانمحاء والاستعادة في الوقت نفسه. 

ويرتبط كذلك بالنفي والهجران والتهجير والرحيل، في استحضار لقصة النبي إسماعيل وعلاقته بالأرض والمنفى. ويمكن قراءة هذا الارتباط بوصفه تعبيراً عن تجربة الإنسان المغترب عن مكانه، قسراً أو طواعية، والحامل لآثاره في ذاكرته وجسده.

يستحيل الجسد في "جمل المحامل" إلى حامل جغرافي، وتتحول المدينة إلى حمل مادي، فيما تخرج القدس من كونها مكاناً مرئياً لتصبح حملاً وجودياً وقدسياً محمولاً عبر الزمن.

وقد اكتسبت تجربة سليمان منصور بُعداً آخر خلال الانتفاضة الأولى، حين شارك، إلى جانب فيرا تماري، ونبيل عناني، وتيسير بركات، في تأسيس جماعة "الرؤية الجديدة"، التي تبلورت تجربتها بين عامي 1987 و1989. 

في هذا الإطار المقاوم، اتخذ اختيار المادة موقفاً جمالياً وسياسياً في آن واحد. فقد استُخدمت مواد محلية مثل الطين والقش والحناء والقهوة والشاي والأصباغ الطبيعية، ضمن مقاطعة المواد الفنية الإسرائيلية الصنع. واتخذت المادة بذلك قيمة تتجاوز التقنية، فالطين الفلسطيني يدخل إلى العمل باعتباره جزءاً من المكان الذي يتحدث عنه العمل، وتصبح عملية الإنتاج نفسها متصلة بسؤال الاستقلال الثقافي. وهكذا تلتقي المادة والموضوع والممارسة في بنية واحدة.

وضع هذا التحول منصور ضمن سياق أوسع من الفن المقاوم، مع خصوصية واضحة في طريقة اشتغاله. فالمقاومة عنده لا تظهر فقط في صورة البندقية أو الشهيد أو المواجهة المباشرة، إنما تظهر كذلك في حماية التفاصيل اليومية من الاختفاء. من الثوب المطرز، وشكل القرية، وشجرة الزيتون، والمرأة، والحقول، والحجارة، وأسماء الأماكن، إلى مواد الأرض نفسها، كلها عناصر تدخل في عملية تثبيت الذاكرة، لتصير ممارسة التصوير فعلاً إبداعياً لحفظ المرئي المهدد بالزوال. فحين يصبح المرئي مهدداً بالاقتلاع، تكتسب المحافظة عليه وظيفة سياسية وثقافية.

إرث يتجاوز حدود اللوحة

  • سليمان منصور
    سليمان منصور

لم يكن رحيل سليمان منصور رحيل فنان عادي، فقيمة منجزه تكمن كذلك في مساهمته في بناء المؤسسات وشبكات التلقي والتعليم في الأراضي الفلسطينية. كما امتدت معارضه من فلسطين إلى العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، وشارك في معارض نظمتها مؤسسات دولية، وحصل على "جائزة فلسطين للفنون البصرية" و"الجائزة الكبرى للنيل" في "بينالي القاهرة" السابع عام 1998، كما نال "جائزة اليونيسكو الشارقة للثقافة العربية" عام 2019، وحظيت تجربته باهتمام واسع من النقاد والدارسين والمقتنين والمتاحف.

لهذا تبدو تجربة سليمان منصور أقرب إلى بناء ذاكرة بصرية متحركة منها إلى إنتاج مجموعة من اللوحات ذات الموضوع الفلسطيني. لقد اشتغل على تحويل المكان إلى صورة، والصورة إلى علامة، والعلامة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى ممارسة ثقافية مستمرة. 

اشتغل سليمان منصور على تحويل المكان إلى صورة، والصورة إلى علامة، والعلامة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى ممارسة ثقافية مستمرة.

في هذا المسار تتجاور التجربة الجمالية مع التاريخ، والمادة مع السياسة، والجسد مع الجغرافيا، والفن مع الحياة اليومية. وجعل الفنان الصورة، رسماً ونحتاً، مجالاً لصراع الذاكرة، والمادة شاهدة على المكان، والممارسة الفنية وسيلة لصيانة علاقة الإنسان بأرضه، عبر ما يمكن للعين أن تراه وما يمكن للذاكرة أن تستعيده. 

ذلك أنّ الفن، حين يدخل في صراع الذاكرة، يصير طريقة لكتابة الزمن كي يترك أثراً في الحاضر، وطريقة للحاضر كي يعيد مساءلة ما ورثه من غياب أمام كل انتكاسة واقتلاع وتهجير وخذلان.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك