في المصحّ الكبير
في آخر الليل رأيت العالمَ مهرّجاً عجوزاً يضعُ مساحيقَ الفرح على وجهٍ متعفّنٍ يتساقط.
-
العميان يقودون العميان، 1568، بيتر بروغل
هذا الصباح
أعلنتِ الشمسُ إفلاسَها،
وأصدرتِ السماءُ بياناً رسمياً
تنفي فيه وجودَها.
أما الحقيقةُ
فمفقودةٌ منذ زمن،
لكنَّ السلطاتِ تؤكدُ
أن البحثَ عنها جارٍ
في أقبية المصحِّ الكبير.
دخلتُ،
فلم أجدْ سوى مصحٍّ هائلٍ
تتدلّى من سقفه نجومٌ من قصدير.
في الممرّات
كانت الساعاتُ مربوطةً بالسلاسل،
والزمنُ مريضٌ نحيلٌ
يتجوّل بثوبٍ أبيض،
يكتبُ على الجدران "كلُّ شيءٍ بخير"،
ثمّ يبكي.
كان الناسُ يسيرون
ورؤوسُهم تحت آباطهم،
ملفوفةً بجرائد الأمس،
كي لا تُزعجهم الأفكار
أو تهربَ نحو الحقيقة.
والشوارعُ داخل المصحّ
تؤدّي واجبَها الوطنيَّ بدقة،
تقودُ الجميعَ
إلى المتاهة ذاتها.
في الطابق الأعلى
كان الخوفُ مديرَ المؤسسة:
مكتبٌ واسع،
أختامٌ كثيرة،
يوقّعُ معاملاتِ الرعب
ويمنحُ الكوابيسَ إقامةً دائمة.
وفي القاعة الكبرى
جلس الناسُ في صفوف طويلة،
كلُّ واحدٍ يحملُ قفصاً صغيراً
وفيه نسخةٌ مذعورةٌ من نفسه.
وفي داخل كلِّ قفصٍ
كان ينعقدُ برلمانٌ من المخاوف:
خوفٌ يقترحُ التأجيل،
وخوفٌ يطالبُ بلجنة تحقيق،
بينما القلقُ — الرئيسُ الأبديُّ —
يفوزُ بالتزكية كلَّ مساء.
أما اللغةُ
فكانت جثةً أنيقةً،
يضعون عليها العطور
ويربطون عنقها بربطة حرير،
ثم يسحبونها إلى المنابر
لتلقي الخطب.
وفي نشرات الأخبار
انتصرتْ كلُّ الجيوش،
وربحَ كلُّ الساسة،
وازدهرَ الاقتصادُ،
بينما الأرصفةُ ممتلئةٌ
بوجوهٍ تشبهُ الهزيمة.
كلُّ شيءٍ
كان له نسخةٌ مزوّرة:
الشمسُ، الحبُّ، العدالةُ،
حتى الحزنُ صار موظفاً حكومياً
يحضرُ ويغادرُ في الموعد.
وفي آخر الليل
رأيتُ العالمَ مهرّجاً عجوزاً
يضعُ مساحيقَ الفرح
على وجهٍ متعفّنٍ يتساقط،
يصعدُ إلى المسرح
ليعلنَ بثقةٍ مخيفة
أن الأمورَ تسيرُ على ما يرام.
وحين صفّقَ الجمهورُ،
سمعتُ المبنى كلَّه يتنفّس،
وسمعتُ الأرضَ تضحكُ
ضحكةَ جلّادٍ عجوز
اكتشف أن السجناءَ
باتوا يحرسون زنازينهم بأنفسهم.
ومن نافذةٍ مكسورة
نظرتُ إلى البعيد:
لا طريق،
ولا مدينة،
ولا فجر.
فقط متاهةٌ لا نهائيةٌ من الأبواب،
خلف كلِّ بابٍ باب،
وخلف كلِّ بابٍ مرآة،
وخلف كلِّ مرآة
وجهٌ يشبهني
يسألُ السؤالَ ذاته:
هل ضللنا الطريق؟
أم أنّ الطريقَ هو الذي ضلّنا؟
ومن شدّةِ الضباب
لم أعدُ أعرفُ
هل نحنُ نبحثُ عن النجاة،
أم أننا فقط
نبحثُ عن طريقةٍ أكثر أناقة
للوصولِ إلى القاع.