علّمني "سيّد القصر"
أغار لأنّ الحاج حسَن فهم معنى المقاومة قبل أن يرى الخرائط، قبل أن يعرف حجم التضحية فيما أنا وأمثالي تمرُّ أمامَنا آية "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" مرورَ الكرام فلا نؤمِن ولا نرى.
تفترسني غيرةٌ قاتلة من سُدَيف حمادة. أعترف أمامكم الليلة أنّي أغار من صديقي. ليس لأنه روى سيِّدَ القصر، بل لأنه ارتوى مِن أبي عليٍّ وتركني على قارعةِ العطَش.
ولذلك لن أقرأَ الرواية بعين الانتقاد بل بشوق الافتقاد، محاولاً أن أتنفَّسَها وأتنشَّقَها عبر الجبال والغابات والأودية، وأرقصَ معها تانغو المقاومةِ في الثلوج وأهمسُ "نهوندَ" عشقِها مع الرياح، وأحكي لغَةَ بطولتِها وصمتِها. وكي أثيرَ غيرةَ سُدَيف قرّرتُ أن أعشَقَ أبا علي.
من أسبابِ غيرَتي قدرةُ سُديف على تحويل الصمت إلى حكاية، والخطرِ إلى درس، والبردِ إلى حضور دافئٍ في الروح. أما أبو علي، فقوته لا تحتاج إعلاناً، وشجاعته تصنعُ من كلّ خطوة مواجهة، ومن كلّ نظرةٍ تقييماً للعالم. أعترف بأنه عليّ أن أولدَ 100 مرة شمشون قبل أن أمتلك نصفَ شجاعته.
لا أخفيكُم سرّاً بأنّي أغارُ أيضاً من الكهف. من قدرةِ ساكِنِه العبور من إيجارِ الخارج إلى ملكيةِ الداخل، من الضجيج إلى الصمت، من الكيان الاجتماعي الضيّق إلى الذات الفردية الفسيحة. فيه يواجه البطلُ الموتَ ليس بوصفه نهايةً، بل بداية. يواجه هشاشتَه، يعيدُ اكتشافَ قوته الداخلية، ويعيدُ تشكيلَ البطولة… ليست بطولةَ المعاركِ فقط، بل بطولةَ الإدراكِ والوعي.
في "سيِّدِ القصر" أدخلُ بوقارٍ إلى كلّ لحظةٍ صمتَ فيها أبو علي في مليتا جنوبي لبنان… في الغابات الكثيفة… في الأودية الضبابية… في الريحان… في عين بوسوار… في الرفيع… في عربصاليم… كلُّ الإقليمِ في الروايةِ يحمل ذاكرةَ أبي علي، وكلُّ صخرةٍ، وكلُّ شجرةٍ شاهدةٌ على إرادته.
علَّمني "سيِّدُ القصر" معنى جديداً للثلج حينما يلتصقُ بالجسد وللرياح حينَ تعودُ مهزومةً من هبوبِها على جدارِ العزيمة.
فصرتُ من أتباعِ صمودِ السيِّد ومقلِّدي قدرته على مواجهة الألم… ومزاولي حبِّه المخفي في كلّ فعل… صرت متماهياً مع صبره الذي يملأ الأمكنة… ومتقمِّصاً في حزنه الذي لا يُرى لكنه حاضر في كلّ نظرة، ومُكَرِّر لكلِّ حركةٍ، وكلّ كلمة لم يُلقِها.
ولذلك انتسبتُ للقوةِ التي تتشكّلُ بصمت… والشجاعةِ التي تنبثقُ عند الحاجة… فجذبتني قدرة أبي علي على الوقوف وحيداً، بلا شهودٍ، بلا تصفيقٍ، بلا انتِظارٍ لتقدير الموقِف.
في "سيِّد القصر" الصادر عن "دار المودة" في بيروت، لا يمكنك الصمود أمام غارة الدهشة تُشَنُّ عليك. الدهشة من الزمن الذي شاهدَه وشهدَ عليه أبو علي… كلّ يوم تجربة، كلّ لحظة اختبار، كلّ وِثاق انبثاق، وكلّ انتصارٍ بلا استعراض، بلا مجدٍ شخصي. مدهوشٌ من كلّ مواجهة شكّلت إرادته… من كلّ تجربة غيّرت قلبه ورفعت صوته الصامت فوق العالم. منجذِبٌ أيضاً وأيضاً إلى اللغة التي حمت صورة أبي علي… من السرد الذي نقل صمته… من الحكايات التي كشفت عن خطواته… عن قوته… عن صموده.
وبسبب غيرتي المَرَضيَّةِ أحاولُ أن أنتحلَ صفةَ أحدِ أنسباءِ أبي علي. أكتبُ كتابي على الرواية علَّني أتسلَّلُ الى بيتِ البطل… فأنا أعاني من عقدة نقصٍ نادرةٍ هي اكتفائي بالقراءة، دونما شعورٍ بالغربة… والبرد… والخطر… والإيمان… والإرادة. كلُّ هذه بِحاجةٍ إلى كهفٍ وبندقيةٍ وريحٍ وصخورٍ وشَجَر وأنا محاط بفخامة لا تفتحُ لي هذا الملكوت.
أعودُ إلى العقدةِ الأم. الغيرة. أغار من قدرةِ الجسد على حملِ الروح والروح على حمل الجسد، بينما أنا لم أحظَ إلا بالظلّ… بالكلمات… بالصفحات.
أغار لأنّ الحاج حسَن فهم معنى المقاومة قبل أن يرى الخرائط، قبل أن يعرف حجم التضحية فيما أنا وأمثالي تمرُّ أمامَنا آية "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" مرورَ الكرام فلا نؤمِن ولا نرى.
أغارُ من الإرادةِ التي صنعها أبو علي. إرادة لا تنتظرُ الثناء. لا تبحثُ عن شهرةٍ. تجعلُ الإنسانَ يرغب في أن يصبِحَ أعظمَ… أن يقف أمام المصاعبِ بلا خوفٍ… أن يتحمّل أكثر مما يمكن لأيّ قلبٍ طبيعيٍ أن يتحمّل.
وأغارُ من نفسي… لأنها مواليةٌ للحاج حسن أكثر مما تدين بولائها لي. هي تحاول اللحاق بركبِه لا بِرُكبي. تريدُ أن تكونَ جزءاً من شجاعته لا مِن جُبني. من صموده لا من انكفائي. من إيمانه لا مِن جحودي ومن وجوده لا من عدمي.
تفهمون أعزائي على ما أرجو غيرَتي من كلِّ لحظةٍ غابت عني… من كلّ خطوةٍ لم أقف فيها مع الحاج حَسَن… من كلّ صخرةٍ لم ألمسها معه… من كلّ تلٍّ لم أصعده إلى جانبه… من كلّ وادٍ لم أستمعْ إلى همسه في أرجائه.
أغارُ من البطل… أغارُ من الكاتب. أحملُ غيرتي الميؤوس من شفائها… وصمةَ عارٍ على قريحتي… وصخرةَ سيزيف كُتِبَ عليَّ أن أرفعَها إلى قمةِ السرقة… فأدفعَ ثمنَ تدحرجِها الأبدي إلى أسفلِ تأنيبِ الضمير.
وفي النهاية يبقى السؤال: هل أرادَ سديف حمادة أن يثير غيرتنا جميعاً أم أنه استهدفني فقط؟
غالبُ الظنّ بأنني أوّل المستَهدَفين. في ركنٍ هادئ من أحد المقاهي استفرَدَ بي سُدَيف وتلا على مسامعي الفصل الأوَّل من الرواية طالباً رأيي. كان سُديف مستفزاً. كان يعرفُ أنه سينال ولائي المطلق لأسلوبه لكنه أراد انتزاع اعتراف علني بذلك. استغلّها فرصةً الآن وقد اكتملت الروايةُ لأعترف له علنياً بأنه من كبار الروائيّين في لبنان علّني باعترافي هذا أشفى من غيرتي عملاً بمبدأ أنّ إخراج المكبوت يُذهِبُ العقدة.
هنيئاً لك صديقي العزيز سُدَيف على "سيد القصر" وهنيئاً لي شفائي العلني هذه الليلة.
والسلام