عبد العزيز مخيون في "بدون ذكر أسماء": بائع "البسبوسة" مرآة لمصر؟
كيف تحول بائع "البسبوسة" في "بدون ذكر أسماء" إلى مرآة لتحولات المجتمع المصري في الثمانينيات؟ ولماذا بقي أداء الراحل عبد العزيز مخيون من أكثر أدواره حضوراً في ذاكرة المشاهد؟
منذ المشهد الأول، أسر مسلسل "بدون ذكر أسماء" المشاهد المصري بأجواء بلده في ثمانينيات القرن الماضي، المطبوعة بقدر كبير من الحنين، ليعيش تفاصيل الحياة اليومية في تلك الحقبة. ويتوالى بعد ذلك ظهور الشخصيات واحدة تلو الأخرى، كما رسمها الكاتب والسيناريست، وحيد حامد، في عمل عدّه عدد من النقاد من أكثر الأعمال جرأة في الدراما المصرية خلال العقد الثاني من الألفية.
في المسلسل الذي عُرض لأول مرة في رمضان عام 2013، نتعرف بداية إلى شخصية الابن عاطف، التي يجسّدها أحمد الفيشاوي، وقد دفعه عنفوان الشباب وطموحه إلى التمرد، معلناً عصيانه على معادلة الأب القائمة على السلامة، لينطلق متحرراً من القيود، وساعياً إلى الترقي.
في المقابل، قدّم محمد فراج شخصية "رجب الفرخ"، أحد أبناء الهامش الذين يحاولون انتزاع فرصة للحياة وسط عالم لا يمنح فرصاً مجانية لأحد، ليظهر فراج قدرة لافتة على الإمساك بالتحولات النفسية للشخصية من دون مبالغة أو انفعال. لذلك بدا حضوره منسجماً مع عالم السيناريست وحيد حامد، الذي يعتمد على شخصيات تشبه الناس في تناقضاتها وضعفها وأحلامها.
أما روبي، فقدمت أحد أكثر أدوارها نضجاً، مجسدة شخصية الفتاة المتشردة بكل تفاصيلها، من حركة اليدين التلقائية إلى طريقة نطق الكلمات، وصولاً إلى ذلك الإدغام الخفيف لحرف الشين، بما بدا جزءاً أصيلاً من البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها الشخصية.
حين كتب حامد التاريخ وجسّده مخيون
-
لقطة من مسلسل "بدون ذكر أسماء"
يتتابع ظهور الشخصيات حتى يقف المشاهد أمام "عمّ ربيع"، بائع "البسبوسة" الذي جسّده عبد العزيز مخيون، في واحد من أكثر أدواره اكتمالاً ونضجاً. رجل بسيط يمثل نموذجاً للمصري الذي استطاع النجاة عبر العصور من استبداد مقيم وفساد مستشر؛ لم يهزم السلطة، لكنها لم تهزمه أيضاً، بصلابته التي تتوارى خلف هشاشة ظاهرة.
جسّد مخيون هذه الهيئة باقتصاد شديد في التعبير، فجعل من نظراته المترددة، وانحناءة كتفيه، وإيقاعه الهادئ في الحركة والكلام، أدوات تكشف عالماً داخلياً مثقلاً بالحسابات والخوف والمسؤولية. إنه نموذج لرجل يزن كل خطوة، لأنه يعرف أن الخطأ قد تدفع ثمنه أسرته التي يكافح من أجلها.
نسج وحيد حامد شخصياته بقدر كبير من الحرفية، فجاء لكل منها منطقها الداخلي، ولكل قرار جذوره في البيئة الاجتماعية والسياسية التي تنتمي إليها، وهو ما منح العمل صدقه، بعيداً من التنميط أو المباشرة.
وعلى مستوى السيناريو، اعتمد وحيد حامد بناءً تراكمياً، تتقدم فيه الأحداث بهدوء، بينما تتكشف طبقات الشخصيات وصراعاتها تدريجياً، لتبدو النهايات امتداداً طبيعياً لما سبقها.
أما الحوار، فجاء مكثفاً ودقيقاً، يحمل وظيفة درامية تتجاوز تبادل الكلمات والعبارات إلى الكشف عن ملامح المجتمع في تلك الحقبة، بكل تناقضاته وعيوبه. وتمثلت جرأة العمل، في جانب منها، في أنه لم يكترث كثيراً بخدش نوستالجيا قد تكون أحد مواطن الجذب الرئيسية لدى المشاهد.
حمل عنوان "بدون ذكر أسماء" دلالة واضحة؛ فمنذ حلقاته الأولى، أوحى المسلسل بأن ما يقدمه مستمد من وقائع وتحولات عاشها المجتمع المصري، وإن جاءت الحكايات من دون ذكر أسماء.
ويرى كثير من النقاد أن المسلسل كان من الأعمال الجريئة في الدراما المصرية، لاقترابه من ملفات نادراً ما طُرحت بهذا الاتساع على الشاشة. فقد رسم صورة درامية لعلاقات القوة داخل الدولة، ولتشابك السياسة بالاقتصاد والإعلام، ولآليات إنتاج النفوذ والفساد في عصر الرئيس الأسبق الراحل، حسني مبارك، كما أضاء على شبكات المصالح التي حكمت تلك المرحلة، من خلال رؤية فنية ابتعدت، إلى حد كبير، عن المباشرة.
وحمل عنوان "بدون ذكر أسماء" دلالة واضحة؛ فمنذ حلقاته الأولى، أوحى المسلسل بأن ما يقدمه مستمد من وقائع وتحولات عاشها المجتمع المصري. فالحكايات تبدو حقيقية في جوهرها، وإن جاءت من دون ذكر أسماء.
وسواء اتفق المشاهد مع هذه القراءة أم اختلف معها، فإن العمل فتح باباً واسعاً للنقاش حول مرحلة مفصلية من التاريخ المصري، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز الأعمال الدرامية في العقد الثاني من الألفية.
بين الحكاية الإنسانية والرؤية السياسية
-
عبد العزيز مخيون (1946 - 2026)
وعن العمل الدرامي، يقول رامي المتولي، الناقد الفني ومبرمج الأفلام في "مهرجان القاهرة السينمائي"، إنه يتصور أن "بدون ذكر أسماء" من أكثر الأعمال صدقاً في تقديم تلك الفترة الممتدة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث رصد التحولات السلبية التي لحقت بالمجتمع بقدر من الحياد.
ويضيف المتولي أنه رغم الطابع السلبي الذي غلب على ما جرى من تغيير في المجتمع حينها، فإن نهاية المسلسل أبت إلا أن تبث روح الأمل والتفاؤل.
ويبدي المتولي إعجاباً بمعالجة وحيد حامد، مشيراً إلى أنها اختلفت عن معالجاته لأعمال أخرى، مثل مسلسل "الجماعة"، الذي انشغل أكثر بالكشف عن تفاصيل ومعلومات تاريخية ربما كانت غائبة عن المشاهد. في حين اعتنى "بدون ذكر أسماء"، من وجهة نظر المتولي، بالتحولات الاجتماعية التي مرّ بها المجتمع المصري، إلى جانب أبعادها السياسية.
ويضيف أن العمل استطاع بذلك أن يوازن بين الحكاية الإنسانية والرؤية السياسية، فلم يكن هدفه إدانة السلبيات بقدر ما كان مهتماً بإبراز الكيفية التي تعامل بها المصريون مع ما لحق بمجتمعهم من تغيرات مهمة في تلك المرحلة.
لم يهزم "عمّ ربيع" السلطة، لكنها لم تهزمه أيضاً، بصلابته التي تتوارى خلف هشاشة ظاهرة، وبقدرته على النجاة في عالم لا يرحم الضعفاء.
وعن بناء الشخصيات، يرى المتولي أن حامد قدم شخصيات بالغة التماسك، تمتلك دوافعها ومنطقها الداخلي، وهو ما جعل المشاهد يرتبط بها عاطفياً، حتى عندما مرّ بعضها بتغيرات عنيفة وسلبية جاءت، في رأيه، مبررة درامياً.
ويؤكد المتولي أن شخصية "عمّ ربيع"، بائع "البسبوسة" التي قدمها الراحل عبد العزيز مخيون، تمثل أحد المحاور الأساسية في العمل، فهي، بحسب وصفه، تجسد المصري الذي يتمسك بقيمه ومبادئه في مواجهة موجة جارفة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
-
روبي في لقطة من مسلسل "بدون ذكر أسماء"
ويرى المتولي أن حامد رسم هذه الشخصية ببراعة، وجعل منها نقطة مركزية ترد إليها كثير من شخصيات العمل، حتى يقف المشاهد على مدى تأثرها بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ومن وجهة نظر الناقد الفني المصري، كان مخيون هو الأنسب لأداء هذا الدور؛ إذ منحت خبرته الواسعة وموهبته الشخصية عمقاً إنسانياً اتسم بالانضباط والتوازن. وفي رأي المتولي، استطاع مخيون أن يحافظ على هذا الأداء على امتداد العمل الدرامي.
استطاع وحيد حامد أن يوازن بين الحكاية الإنسانية والرؤية السياسية، فجاء العمل مهتماً بإبراز الكيفية التي تعامل بها المصريون مع ما لحق بمجتمعهم من تغيرات عميقة في تلك المرحلة.
وتتفق مع هذا التقييم الناقدة الفنية وعضو المكتب الفني لمهرجان أسوان، أمنية عادل، معتبرة أن تألق مخيون لم يكن مفاجئاً بالنظر إلى مكانته بين أبرز الممثلين المصريين، رغم أن معظم أدواره اتسمت بالطابع التراجيدي، بينما كانت ملكاته التمثيلية تؤهله للتحرك في مساحة أوسع كثيراً.
وتضيف أن الممثل الراحل قدم هذا الدور بفهم بالغ لشخصية "عمّ ربيع" وتحولاتها، ولطبيعة الحقبة التاريخية التي تدور فيها الأحداث، وهو ما انعكس في تفاصيل أدائه للدور.
نص محكم وأداء تمثيلي رفيع
-
السيناريست وحيد حامد
أما الناقد الفني وعضو مجلس إدارة "جمعية النقاد المصريين"، خالد عبد العزيز، فيرى أن جرأة العمل لم تتمثل بالأساس في طرحه السياسي، إذ عُرض بعد عامين فقط من ثورة يناير 2011، حين كان هامش الحرية ما زال قائماً.
ويؤكد أن تميزه الحقيقي تمثل في تشريحه للمجتمع المصري خلال تلك المرحلة الدقيقة، ورصده الكيفية التي استوعب بها المصريون ما لحق بمجتمعهم من متغيرات.
ويشير عبد العزيز إلى أن هذا النوع من التأريخ الدرامي تحقق عبر التركيز على الشخصيات بما حملته من أبعاد إنسانية، ليمثل كل منها جانباً من هوية المجتمع، مضيفاً أن تطور الشخصيات وتقدم السرد أتاحا المزج بين الحكاية والتأريخ من دون الوقوع في المباشرة، وهو ما منح العمل خصوصيته.
جسّد مخيون هذه الهيئة باقتصاد شديد في التعبير، فجعل من نظراته المترددة، وانحناءة كتفيه، وإيقاعه الهادئ في الحركة والكلام، أدوات تكشف عالماً داخلياً مثقلاً بالحسابات والخوف والمسؤولية.
وعن أداء عبد العزيز مخيون لدور "عمّ ربيع"، يرى خالد عبد العزيز أن الفنان الراحل نجح في التوحد مع الشخصية بكل تفاصيلها، مقدماً نموذجاً للمواطن المصري الذي يرصد ما يدور حوله ويفرز ما يراه، لكنه لا يصدر عنه إلا ما ينجيه من عوادي الدهر. وهو، في رأي عبد العزيز، ما منح شخصية "عمّ ربيع" خصوصية جعلت استعادة المسلسل تقترن بتذكر أحد أبرز أدوار مخيون.
ولعل هذا الحضور اللافت لعبد العزيز مخيون، إلى جانب البناء الدرامي الذي نسجه وحيد حامد، يفسر استمرار حضور "بدون ذكر أسماء" في ذاكرة المشاهد.
وبين إشادات النقاد وتفاعل الجمهور على امتداد السنوات الماضية، يواصل المسلسل مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال التي تناولت تحولات المجتمع المصري في ثمانينيات القرن الماضي، مستنداً إلى نص محكم وأداء تمثيلي رفيع رأى نقاد أنه أسهم في ترسيخ مكانته ضمن أبرز الإنتاجات الدرامية في العقد الثاني من الألفية.
