عبء اللغة
إن اللغة العربية، لغة القرآن ولغة أهل الجنة في عرف المسلمين، باتت غريبة حتى في بيتها، يتشدق أبناؤها بلغات أخرى لإثبات ثقافتهم وثرائهم، كأن العربية عبء على أصحابها.
ليلة البارحة، لم يتوقف ابني أسامة عن ندب الحظ الذي أوصله إلى سويسرا، إذ ما زال يعاني من كونه بحاجة لوقت كي يتعلم اللغة الفرنسية التي يتم تقديمها هنا على حساب المواد العلمية الأخرى ولا سيما أننا قادمون جدد إلى هذه البلدة، إلى جانب وجود معلمة – للأسف - لا تجيد التعامل مع المهاجرين، حيث يشعر بأنه غريب عن محيطه، رغم الذكاء الشديد والحنكة والدبلوماسية التي يتمتع بها.
ورغم أنني حاولت إقناعه بأن العمل هو نهاية أي عملية تعليمية، فالجامعات والمدارس أدوات لإنضاج العقل البشري من أجل تحقيق الغايات الكبرى، بالوصول إلى فرص عمل تليق بالإنسان وما يتناسب مع إمكاناته وشغفه، لكنه رغم ذلك قد يضطر بالذهاب أحياناً نحو مسارات مختلفة، قد لا تتناسب مع تلك الرغبات أو القدرات، وذلك من أجل لقمة العيش، لأننا لا نملك ترف "دراسة الجدوى" هنا لنختار الأنسب، بل الُمتاح.
وهنا – كعادتي - لا أتوقف عن طرح الأسئلة، التي ترهق عقلي وتجعل الشيب يزداد مع كل سؤال يدفعني نحو مزيد من الإحباط. إذ أنظر إلى لغتي الأم وفي قلبي وجع عظيم: لماذا يجب أن أتحدث لغة أخرى غير العربية؟ لماذا لا يتحدث بلغتي العالم، وليس بالإنجليزية؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً: لمَ نهاجر؟ لماذا نترك بلادنا ونهرب نحو بلاد استعمرتنا لعقود طويلة؟ وهنا أقصد العربي بوجه عام... ثم ألا تتحمل الأنظمة الشمولية مسؤولية هذا التهاوي والسقوط؟ وما هو دور الشعوب أمام هذه العبودية المقنعة؟ بل ما هو دور النخب التي تسترزق من تلك الأنظمة لأجل تحقيق بعض الانتصارات الهلامية، فيما تُترك الأنظمة تمارس بلطجتها ضد الهوية القومية والوطنية العربية، منشغلة بقضايا هامشية.
لقد كانت اللغة العربية بالنسبة لي كإنسان عربي فلسطيني هي الأداة الأساس، رغم دراستي لتخصص اللغة الإنجليزية في الجامعة، والمشاركة في المؤتمرات العالمية للتحدث بها، فأنا أفكر وأحلم وأهذي بلغة الضاد.
واللغة بالنسبة لي ولغيري، ليست مجرد وسيلة اتصال، بل مهنة ورأس مال حقيقي أحمله معي أينما ذهبت، هي زادي لأجل حفظ الذاكرة والهوية، ورغم ذلك فإن عائلتي مضطرة اليوم لتعلم لغة أخرى كي تحصل على عمل جيد وقدرة على التواصل مع المجتمع والمؤسسات وصولاً إلى الحديث مع الجيران.
ولعلي في هذا السياق، وقبل الخوض أكثر في هذا الموضوع، أود توضيح أن تعلم اللغات شيء مهم، وكما يقول نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم أن من تعلم لغة قوم أمن مكرهم، ليس هذا فقط، بل إن النهضة تبدأ بالتواصل الإنساني مع الآخر، لغة وديناً ومذهباً وفكراً ومنهج حياة، فمن تعلم لغة قوم استطاع أن يحظى بالتجارة والبناء والنهضة، فكيف يأتي البناء من دون اندماج، وكي يمكن فهم الآخر وصقل الاختلاف من دون تعلم اللغات، لكن مُرادي هنا ألا يكون ذلك على حساب لغتنا الأم.
ولعل اللغة العربية مؤخراً انحدرت لتصبح لغة رثة، ضعيفة بضعف أصحابها الذين باتوا يتسولون الأمن والكرامة والحرية، فهل يمكن أن تقوى اللغة؟ أظن الإجابة تتمحور بالتأكيد حول قوة وتأثير أهلها في العلوم والفنون والآداب والفلسفات التي يمكنها اختراق جدران أي ثقافة أخرى صلبة.
اليوم أبنائي ومثلهم الكثير ممن اضطر آباؤهم للهرب من الموت أو الاضطهاد أو بحثاً عن حياة كريمة أو فرصة عمل تليق بإمكانات أصحابها، يدخلون نظاماً تعليمياً مختلفاً، وممارسة ثقافة مختلفة قد تختلف جملة وتفصيلاً عن المعايير التي نشأ عليها آباؤهم وأمهاتهم، من أجل تحقيق الاندماج، ومع هذا الاندماج تأتي اللغة الجديدة والمناهج المختلفة وطرق التعليم المبتكرة والعلاقات الاجتماعية المتنوعة، التي رغم كل إيجابياتها إلا أنها تأتي رغم أنوفهم، لأنهم اضطروا للهرب من واقع مرير عايشوه، للوصول إلى برّ الأمان، أو ربما السراب.
ربما يقوم النظام التعليمي هنا على حماية الطفل وإعطائه الوقت كي يتكيّف ويندمج، لكن الزمن يصبح عبئاً على الأسرة التي تريد أن تبصر أبناءها وهم يتقدمون خطوة بخطوة، وليس العكس.
وأمام معضلات اللغة: أين استثمارنا في الترجمة؟ أين حضورنا في البحث العلمي العالمي؟ أين المؤسسات الثقافية العابرة للحدود؟ كي نثبت لأنفسنا أولاً وللعالم لاحقاً أننا نستحق الأفضل، نؤثر ونتأثر، عامل متغير وآخر مستقل، وليس كما نظرت المعلمة إلى العربي، من أنه مهاجر يشكل عبئاً على دولتها.
علماً أن معظم - إن لم يكن جميع - البلدان الغربية تقوم بعمل زمالات ثقافية وأدبية وفنية، لكن نادراً ما نجد دولة عربية تفعل ذلك، لأن ميزانيات وزارات الثقافة العربية وكذلك وزارات التعليم، لا تقوم بتوفير الحد الأدنى من كرامة ونهضة المعلم والمثقف والمتعلم على حد سواء، وقد أشرت لهذه القضية عشرات المرات.
عدا عن انفصال التعليم العربي عن سوق المعرفة العالمي، الأمر الذي يشكل معضلة في الاعتراف الدولي ببعض الشهادات والخبرات العربية كما جرى مع ابني البِكر، حيث تم رفض شهادته وقبوله في الجامعات السويسرية لأن شهادته فلسطينية.
اللغة عزيزي القارئ، ليست لغة المؤسسة، بل لغة القلب والذاكرة، وهذا يضعني أمام سؤال جديد: كيف لابني المولود حديثاً أن يتعلم العربية؟ وهل سيهتم بالكتابة بهذه اللغة، طالما أن المجتمع يكتب بلغة أخرى؟ وهل سنهتم نحن، "أي الأسرة"، بتعليمه كتابة الحروف العربية، وقد أهملها أهلها وصار الأجنبي في عرفهم - أي الأنظمة الشمولية العربية - هم الأجدى والأجدر بالحصول على فرص العمل والرواتب العالية لأنهم يحملون جوازات سفر أجنبية؟ "أي عقدة الأجنبي".
أخشى أن الأمر سيصل بالجيل الذي كنا نحلم أن يرث اللغة العربية إلى أن يرث لغة أخرى مختلفة، متجاهلاً لغة الأب والأم، بحثاً عن عالم مختلف، ومع هذا الاختلاف، لن يهتم كثيراً بمفردة "الوطن" التي قد تعني له وطناً جديداً اندمج معه ونسي هويته وثقافته التي جاء بها أسلافه.
وقد يمر على شريط الأخبار لاحقاً بما يجري لأبناء شعبه كأنهم شعب آخر... فمن المسؤول عن كل هذا العبث؟ وأين دور الحكومات والأنظمة من اللغة ودعم حضورها؟ أين حركة الترجمة؟ أين الابتعاث ونشر الثقافة العربية إلى العالم؟ ومع الثقافة نشر الأفكار والمواقف والمعضلات والإشكالات التي يواجهها بعض البلدان أو الأقاليم، كما يجرى الآن مع القضية الفلسطينية وجنوب لبنان وغيرهما من البلدان العربية.
إن اللغة العربية، لغة القرآن وأهل الجنة في عرف المسلمين، باتت غريبة حتى في بيتها، يتشدق أبناؤها بلغات أخرى لإثبات ثقافتهم وثرائهم، كأن العربية عبء على أصحابها، حتى المحال والمؤسسات باتت تحمل وجوهاً جديدة، في تحديث يعمد إلى إزهاق روح اللغة الأم، الفصيحة أو الفصحى، لصالح لغات يصنعها المستعمر، ويعيش في رحابها المازوشي متلذذاً بهذه الهزيمة النكراء.
