صمت المثقف الإمبريالي.. الحياد الزائف

لا يمكننا تجاهل أنّ هناك مثقّفين يحاولون المقاومة من الداخل، أو يستخدمون لغة رمزية أو يعملون ضمن مساحات ضيّقة لتقليل الضرر، لكنهم للأسف قلّة.

  • انجلينا جولي عند الجانب المصري من معبر رفح
    أنجلينا جولي عند الجانب المصري من معبر رفح

ما زلت أذكر الموقف الذي صدمتني فيه صديقتي ذات مرة، عندما قرّرنا توجيه رسالة إلى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، حول إعادة العمل على إجلاء الفلسطينيين من قطاع غزة، بعد تعطيله للقرار بسبب حادثة الطالبة نور عطا لله. إذ قالت لي صديقتي إنّ استنادي إلى مقولة فولتير قد لا يكون مناسباً، لأنها تعني اعتدادي بما كتبته نور أو غيرها من الفلسطينيين، حيث كتبت له انطلاقاً من مقولة فولتير الشهيرة: "إنني على استعداد لأن أدفع عمري ثمناً لمن يخالفني الرأي، أن يبوح برأيه"، كمقدّمة لتلك الرسالة التي أثارت حفيظة صديقتي الفرنسية، لأدرك جيداً أنّ ازدواجية المعايير باتت واضحة بشكل علني، بما يخالف أحلام وأقلام الأدباء والمفكّرين الذين تشدّقنا بما كتبوا، لأجل إرساء الحوار والبناء في مجتمعاتنا الشرقية.  

وهنا كان لا بدّ من السؤال عن دور النخبة الغربية في لحظات التحوّل الكبرى، إذ لا يُقاس المفكّر أو الأديب أو الفنان بما يعرفه، بل بما يقوله ويختار ألّا يقوله؛ فكيف يمكن فهم صمت قطاع كبير من المثقّفين الأميركيين والأوروبيين تجاه سياسة الولايات المتحدة، تحديداً في عهد دونالد ترامب، إزاء قضايا إنسانية عظيمة مثل الإبادة في قطاع غزة، وكذلك انتهاك سيادة فنزويلا وما يجري في السودان وغيرها؟ وهل يمكن شرعنة هذا الصمت أو القبول به؟ ثم ألا يمكن اعتباره تواطؤاً غير أخلاقي وشكلاً جديداً من قبول البلطجة الناعمة؟

ولكي نفهم المثقّف الغربي، فإننا يجب أن ندرك تماماً أنه جزء من منظومة جامعة، إعلامية أو بحثية أو غير ذلك، يرتبط بشكل أو بآخر بمصادر تمويل، وكذلك يعيش تحت ضغوط سياسية، وربما شبكات نفوذ ومصالح شخصية أكبر من النظريات والمثل التي تغنينا بها نحن العرب، كلما احتفلنا بترجمة عمل فكري أو أدبي.

في هذا السياق يصبح الصمت أحياناً استراتيجية بقاء وليس تعبيراً عن قناعة؛ بما يشبه الحالة العربية؛ فالخوف من خسارة الوظيفة أو التمويل أو التعرّض لحملات التشهير، قد يدفع ببعض المثقّفين الغربيين إلى تبنّي لغة حذرة، أو الامتناع الكامل عن اتخاذ موقف صريح تجاه القضايا التي تخصّ دول "العالم الثالث"، خصوصاً القضايا التي تتعلّق بالسياسات الخارجية للولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية وكذلك "دولة" الاحتلال الإسرائيلي. 

ولعلّ الإشكال الأعمق يظهر في الخطاب الثقافي الذي ينمّ عن ازدواجية المعايير، حيث إنّ كثيراً من المفكّرين والمثقّفين والأدباء لا يتردّدون في إدانة الأنظمة المعادية للولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا مثلاً، مستندين إلى المراجع القانونية ولغة حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما يتراجع الصوت نفسه أو يختفي، حين يتعلّق الأمر بمعاناة المدنيين في قطاع غزة، أو بالمآسي الإنسانية المستمرة حتى اللحظة في السودان، وهنا يتحوّل الصمت إلى اختبار أخلاقي، يفقد فيه الخطاب الإنساني مصداقيّته، لأنه لا يخضع لمنطق العدالة، بل منطق القوة. 

ولعلّنا بتنا نبصر تحوّل المثقّف الغربي، لا العربي فقط، من ناقد للسلطة إلى أداة لتبريرها، حتى وإن احتفظ بلغة ناعمة، مليئة بالمصطلحات المعقّدة التي تخفي أكثر مما تظهر، أكاديمية كانت أو بحثية أو حتى أدبية. 

والسؤال مرة أخرى: هل الصمت تواطؤ؟ وهل كلّ تواطؤ يبدأ بالصمت؟ فكما سبق وقال مارتن لوثر كينج: عند المواقف الأخلاقية، الحياد لا ينصر الباطل، لكنه يخذل الحقّ. فهل صرخ الأدباء والفنانون من قبل في المواقف الأخلاقية تجاه ما جرى في فلسطين والعراق والبوسنة وغيرها من بلدان العالم؟ اللهم إلا فئة قليلة جداً. 

لذلك فإنه من المؤكّد أنّ المثقّف بات متواطئاً عندما امتلك المعرفة الدقيقة بالسياق الذي تتعرّض له البشرية تجاه قضية مصيرية كثيرة، وأدرك حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها بشر مثله، إذ رأينا مواقف أنجلينا جولي مؤخراً تجاه الأطفال والأبرياء، وهي استثناء جميل في الوعي العالمي، من دور النخبة تجاه الإنسانية، لكن السؤال: لماذا لا تنتقد الفنانة التي نحبها دور الاستعمار الرأسمالي تجاه السيطرة على مقدّرات الشعوب واستعباد البشر وتدمير هوياتهم وبيوتهم وأجسادهم بكلّ الترسانة المصنوعة غربياً؟ أليس ذلك للاعتبارات آنفة الذكر؟ 

ربما، في المقابل، لا يمكننا تجاهل أنّ هناك مثقّفين يحاولون المقاومة من الداخل، أو يستخدمون لغة رمزية أو يعملون ضمن مساحات ضيّقة لتقليل الضرر، لكنهم للأسف قلّة، ربما لا تكاد تُذكر أمام الكمّ الهائل من النخب الموجودة في القارة العجوز والولايات المتحدة. 

باختصار، لقد أصبحت - في ما يبدو - بلدان الديمقراطية الفضفاضة، أكثر شمولية من الأنظمة الكلاسيكية العربية بشكل مقنّع، وبات دور المثقّف أن يعيد ترتيب الاستعمار بالصمت أو من خلال استخدام تلك المصطلحات الناعمة، أو عبر بلطجة التعقيد الذي يُستخدم لتبرير الواضح، بلطجة السخرية من القيم... وهنا بكلّ تجرّد يمكن القول إنّ المثقّف الغربي لم يعد بريئاً، رغم اليقين من أنه يعيش أزمة عميقة بين وظيفته وضميره، وبين انتمائه الإمبراطوري وادّعائه الإنساني، وبين الخوف من الإقصاء والرغبة في الحقيقة، كما المثقّف العربي أيضاً. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك