شمبانيا ودبوس مشنقة: ما دلالات الاحتفال بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؟

فتح زجاجات شمبانيا في الكنيست، وبن غفير يضع دبوساً على شكل مشنقة. فما دلالات الاحتفال بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؟

  • شمبانيا ودبوس مشنقة: ما دلالات الاحتفال بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؟

لم يكن ما حدث داخل أروقة الكنيست الإسرائيلي في 30 آذار/مارس 2026، مجرد إجراء روتيني لإقرار سياسات إعدام الأسرى الفلسطينيين، بل بدا كأنه عرض مسرحي سريالي تداخلت فيه كل عناصر الفظاعة البصرية.

في لحظة مفصلية، انقلب الفضاء الذي يسعى إلى تقديم نفسه كمركز للتداول القانوني إلى ما يشبه الكولوسيوم الروماني؛ حيث لا يقتصر الأمر على سلب الحياة في الخفاء، بل يُحتفى بالموت علناً تحت الأضواء، وبين تصفيق الحاضرين.

إنها تجليات السياسات النخرية (Necropolitics) في أكثر صورها قسوة، وهو المفهوم الذي صاغه الفيلسوف الكاميروني، أشيل مبيمبي، لوصف سلطة الحاكم في تقرير من يعيش ومن يُدفع إلى الموت، وتحويل الفناء إلى أداة سياسية لإخضاع الشعوب.

في هذا السياق، لا يكتفي الاحتلال بممارسة القتل، بل يسعى إلى تحويله إلى مشهد استعراضي، وكأن السيادة تُقاس بقدرته على التحكم بالحياة والابتهاج بزوالها.

من الكولوسيوم الروماني إلى المشنقة كأيقونة للزينة

  • بن غفير يضع دبوس على شكل مشنقة دعماً لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
    بن غفير يضع دبوساً على شكل مشنقة دعماً لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

إن استحضار الكولوسيوم الروماني هنا يتجاوز حدود المجاز البلاغي ليصبح توصيفاً لآلية تحويل الألم إلى فرجة جماعية.

في روما القديمة، كان الدم المسفوك يشكل عقداً ضمنياً بين السلطة والجمهور، حيث تُستمال الجماهير عبر مشاهد العنف. واليوم، يعاد إنتاج هذا النمط بصورة مختلفة، إذ يتحول التشريع إلى مسرح، وتُقدّم حياة الفلسطيني كقربان سياسي لإرضاء جمهور اليمين المتطرف. لم يعد الأمر مجرد إجراء قانوني، بل مشهداً يُعاد فيه تمثيل طقوس الموت، كما كان المجالدون يُساقون إلى حلبات القتال لإثارة إعجاب الحشود.

وتبلغ عملية تجميل البشاعة ذروتها في تفصيلة تبدو صغيرة ظاهرياً، لكنها مشحونة بالدلالات: دبوس على شكل مشنقة استقر فوق سترة الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير. هذا الدبوس ليس مجرد إكسسوار، بل يمكن قراءته كبيان بصري مكثف يعكس بنية سلطة قائمة على الإقصاء.

لم يكن هناك وجوم يليق بثقل القرار، بل انفجرت القاعة بديناميكية احتفالية غير مألوفة في سياق يرتبط بالموت. بعد إعلان نتيجة التصويت، انطلقت موجة من التصفيق والضحك، وتُوّج المشهد بفتح زجاجات الشمبانيا.

حين تتحول أداة قتل إلى زينة، ينتقل المعنى من العقوبة إلى الرغبة في التشفي. تصبح المشنقة، في هذا السياق، رمزاً مُدجّناً يُعرض ضمن ما يشبه بروتوكول الأناقة السياسية، وكأنها وعد ضمني بالعنف مدمج في تفاصيل المظهر.

سيميائياً، يختفي الحد الفاصل بين القرار والتنفيذ، بين الخطاب والفعل، ليغدو الجسد الفلسطيني مساحة تُسقط عليها هذه الرموز كل أشكال الهيمنة.

شمبانيا الدم: الأبارتهايد الأنطولوجي وعولمة التوحش

  • بن غفير في الكنيست يفتح الشمبانيا احتفالاً بقانون إعدام الأسرى
    بن غفير في الكنيست يفتح الشمبانيا احتفالاً بقانون إعدام الأسرى

في اللحظة التي يُفترض أن يسود فيها الصمت والرهبة، حدث العكس تماماً. لم يكن هناك وجوم يليق بثقل القرار، بل انفجرت القاعة بديناميكية احتفالية غير مألوفة في سياق يرتبط بالموت.

بعد إعلان نتيجة التصويت، انطلقت موجة من التصفيق والضحك، وتُوّج المشهد بفتح زجاجات الشمبانيا. هذا التناقض يخلق مفارقة سيميائية لافتة، فالشمبانيا في الثقافة العامة رمز للاحتفال والفرح، لكن استخدامها هنا يحولها إلى أداة لإعادة تأطير الفعل، وكأن الابتهاج يعمل كآلية لتطهير الجريمة نفسياً.

هذا الاحتفال يعكس انفصالاً أخلاقياً عميقاً، إذ لا يمكن الضحك في حضرة قرار بالموت إلا بعد تجريد الضحية من إنسانيتها. وهنا تلعب سيميائية الابتهاج دوراً مزدوجاً: فهي تقتل الضحية رمزياً عبر السخرية والاحتفال، قبل أن تُقتل فعلياً عبر القرار. إن الضحك في هذا الإطار ليس مجرد تعبير عفوي، إنما فعل يحمل دلالة سياسية، يعيد تعريف الآخر بوصفه خارج دائرة التعاطف الإنساني.

استحضار الكولوسيوم الروماني يتجاوز حدود المجاز البلاغي ليصبح توصيفاً لآلية تحويل الألم إلى فرجة جماعية، حيث يُقدَّم الجسد الفلسطيني كقربان سياسي لإرضاء جمهور اليمين المتطرف.
 

وسرعان ما خرج هذا المشهد من حدود القاعة ليُبث عبر الشاشات ومنصات التواصل، حيث وثقته وسائل إعلام عالمية بالصوت والصورة. لم يكن ذلك مجرد نقل لحدث سياسي، بل عرضاً مكشوفاً لبنية عنف تُمارس علناً.

ومن خلال هذا التوثيق، يتجلى ما يمكن تسميته بالأبارتهايد الأنطولوجي، أي التمييز في أصل الحق في الوجود ذاته.

هكذا يفقد القانون طابعه الكوني، ويتحول إلى أداة انتقائية تُطبق على فئة بعينها، بينما تُمنح فئة أخرى حصانة ضمنية.

  • أسرى فلسطينيون داخل سجون الاحتلال
    أسرى فلسطينيون داخل سجون الاحتلال

أما ما يسمى بالمعارضة داخل هذا السياق، فيبدو أنه لا يعترض على جوهر الفعل بقدر ما يقلق من انعكاساته على الصورة العامة. إنها معارضة تسعى إلى تجميل الواجهة أكثر مما تسعى إلى تغيير المضمون. هكذا يتشكل صراع داخل المنظومة نفسها بين خطاب مباشر لا يخفي قسوته، وخطاب آخر يحاول تغليفها بلغة أكثر قبولاً.

في النهاية، يبقى مشهد الشمبانيا ودبوس المشنقة وثيقة بصرية مكثفة تعكس طبيعة اللحظة. إنه انتقال من خطاب إداري بارد إلى مشهد استعراضي، حيث يصبح القتل فعلاً معلناً يُمارس ويُحتفى به في العلن. صورة ستظل عالقة في الذاكرة، بوصفها لحظة تلاشت فيها المسافة بين موقع القرار ومشهد التنفيذ، بين المؤسسة والجلاد.

المصادر والمراجع

- أشيل مبيمبي (Achille Mbembe): «السياسات النخرية» (Necropolitics)، دراسة حول سلطة السيادة في إنتاج عوالم الموت.
- رولان بارت (Roland Barthes): «إمبراطورية العلامات» وتحليلاته في سيميولوجيا الرموز الثقافية والبصرية.
- تقرير مصور لقناة «Le Monde»: بعنوان "Israël adopte une loi instaurant la peine de mort pour les « terroristes » palestiniens"، يوثق بالصوت والصورة كواليس التصويت والاحتفال داخل الكنيست.
- وكالات الأنباء الدولية (رويترز / فرانس برس): تغطية جلسة الكنيست والتصويت على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بتاريخ 30 آذار 2026.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك