سيرة الحاج عبد القادر: عقلنةٌ عَمَلانيّةٌ مُجرّدةٌ بعاطفةٍ مَحذوفة

إنّ إتقان الأستاذة عقيل وحرصها على انسيابية العمل البحثي العلمي - المحفوف بمخاطر التحيّز وغلبة المشاعر كونها ابنة المعنيّ - مَكّنها من تجاوز حواجز الفكر الذاتي.. وقد تجلّى ظهور بصمتها الخاصة الفكرية والعلمية في محتويات الكتاب .

  • سيرة الحاج عبد القادر: عقلنةٌ عَمَلانيّةٌ مُجرّدةٌ بعاطفةٍ مَحذوفة
    سيرة الحاج عبد القادر: عقلنةٌ عَمَلانيّةٌ مُجرّدةٌ بعاطفةٍ مَحذوفة

كتاب "سيرة الحاج إبراهيم عقيل" هو الأوّل من نوعه كوحدةٍ واحدةٍ تجمّعت في عقلِ وفكر الأستاذة زهراء عقيل كأفكارٍ مترابطةٍ، متناسقةٍ، متتابعةٍ ومتصاعدة - في الحقبات التاريخية للقائد الكبير "عبد القادر" دينياً، علمياً، روحياً، فلسفياً وعسكرياً - وتبلورت جملاً متسمةً بالسهل الممتنع، الواضحة المعالم والمفاهيم، البسيطة والواضحة لغوياً، والمُفعمة باليقين؛ ما يجعلها لقمةً سائغةً سهلة الهضم على معدة العقول جمعاء.

فمن كان في مقام الشهادة، بانَ في شدّة الوضوحِ بمعالم شخصيته، وملامحها، ومميزاتها، وخصائصها البارزة في الإنجازات العظيمة أمام الأعداء قبل التلاميذ، والأبناء، والمناصرين، والأصدقاء؛ فما عسى الكاتبة أن تفعل لكي تجعلها شخصيةً لغزيةً، معقدةَ الطباع، صعبةَ الفهم على القرّاء؟! فلو فعلتْ، لكانت خرجت من فلك بطل الكتاب الحقيقي صانعةً شخصيةً وهميةً، حقيقيةً باسمها فقط، خياليةَ السماتِ والخواص والصفات، مسببةً إسقاطاتٍ وهميةً، واستدلالاتٍ متشعّبةً ومغلوطةً عن رسم الهوية الواحدة والوحيدة للفرد.

أولاً: في ما يختص بالأسلوب الأدبي واللغوي للكتاب، عمدت الكاتبة إلى اعتماد الأسلوبين الأدبي والعلمي معاً، مازجةً بين دقائق التفاصيل العلمية وموضوعيتها من الأسلوب العلمي، بقالبٍ معدوم الرتابة بجاذبية معانيه وبلاغة مفرداته. هذا الأسلوب يُطلق عليه "الأسلوب العلمي المتأدب"، إذ برزت خصائصه بإجلالٍ ناهضٍ داخل مسيرة القائد في بنية الكتاب؛ بدءاً من المقدمة كشبّاكٍ للفصول، ثم تتابع الفصول مع تماسك فقراتها، وترابطها، وتسلسلها المنطقي الفكري في إبراز مفهومٍ عام تتلاقى فيه كل شعوب الأرض بمسيرتها؛ كالنشأة، وتطور أحداث حياتها، وصيرورتها البائنة نتائجها في حياة الأشخاص وتأثيرها في الدول والمجتمعات. ثم تنتقل بعدها إلى المفهوم الخاص المتميّز لكل إنسان، والمانحِ فرادةَ المفهوم العام بمكنوناته عبر التباين، والتفاوت، والتناقض، والخلاف، والتخالف، والتنوّع، والفرق.

من هنا، جميع الناس تنشأ، وتعمل، وتتعلّم، وتختبر، وتُنجز، وتُعلّم، وتستشهد؛ ولكن هناك فلكٌ خاص للنفس البشرية في الوجود يجعل الأحداث، والإنجازات، والتحوّلات تضع سلّم البراعة والتفوّق في شتّى المجالات أو المجال الواحد ضمن رُتبٍ، ومراحلَ، ومَدى، ومقاديرَ، ومعارجَ مُتفاوتة. الجمل المفتاحية في مقدمة الكتاب والفصل الأول منه المتعلقة بالوجود، والعقل، الإيمان، والموهبة، والعلم، والفلسفة، ورد مثولها وأثرها في الفصل الثاني.

إنّ إتقان الأستاذة عقيل وحرصها على انسيابية العمل البحثي العلمي - المحفوف بمخاطر التحيّز وغلبة المشاعر كونها ابنة المعنيّ - مَكّنها من تجاوز حواجز الفكر الذاتي وعبور أفخاخ شخصنة الموضوع على مزاج الرغبة وأهداف التوظيف. وقد تجلّى ظهور بصمتها الخاصة الفكرية والعلمية لمحتويات الكتاب من خلال الخصائص التالية:

 دقة المعلومات: الحفاظ على صحة الحقائق العلمية والمصطلحات من دون تحريف.

 الجمال اللفظي والمسحة الجمالية: استخدام صور خفيفة ومحسنات بديعية غير مبالغ فيها لإمتاع القارئ.

غياب العاطفة الجارفة: لا يطغى الانفعال الذاتي على الموضوعية الأساسية للنص.

الملاءمة: تبسيط الأفكار لتناسب إدراك المتلقي وتجذب انتباهه.

مخاطبة العقل: الاعتماد على الحجج والأدلة المنطقية مع غياب العاطفة الذاتية البحتة.

هذا العمل الدؤوب أعطى الكتاب مصداقيةً عالية، ودقةً ووضوحاً، وقدرةً على التعميم، وقابليةً للتكرار والتحقق من قبل الآخرين بمواد الكتاب.

ثانياً: تفسير صيرورة البشر كخلائق في الوجود ضمن الاستراتيجية الإلهية. الخلائق تعمل على تطوير الذات والنفس والروح، ولكنها لا تستطيع معرفة مستقبل صيرورتها إلاّ عندما تنجز مرحلةً من المراحل، أو تقوم بجردة للمراحل بعد فترة وجيزة من الزمن. لا يستطيع الإنسان عيش فراديته إلاّ من خلال اكتشافها من الآخرين عبر المعاطاة، والافتتاح، والتأقلم مع الجميع بدراسة المميزات والخصائص لسبل التعاون والتعامل.

الله الخالق لكل شيء وضع العقل والروح في المراتب الأسمى؛ فبنور الله في كلامه تتفتح آفاق البصر والبصيرة على العالم المادي الملموس لكيفية تنظيمه وإقامة العدل والعدالة والإنصاف فيه بالأدوار المتعددة والمواهب المتنوعة. هناك محاور ثلاثة ظهرت في هذا الكتاب القيّم:

المحور الأول: الرؤية الكبرى، وتندرج تحتها نقطتان أساسيتان:

بداية الكون: تبدأ الخطة الاستراتيجية الإلهية الكبرى من إعلان الاستخلاف في الأرض كما في الآية الكريمة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

شمولية القوانين: لا تعتمد هذه الاستراتيجية على القوانين المادية الملموسة فحسب، بل تهيمن عليها قوانين وسنن معنوية وروحية غيبية من يمتلك مفاتيحها يضمن نجاح مشاريعه الحياتية والحضارية.

المحور الثاني: استلهام كلمة الله في السنن والوجود والشرائع والتطور. يدعو هذا المفهوم المفكرين والقادة إلى دمج السنن الربانية ضمن أدوات التخطيط الاستراتيجي البشري لاسترداد الدور الحضاري، وذلك عبر:

الإيمان والتقوى: التخلص من المقاصد الدنيوية البحتة وإخلاص النية.

الصبر والمصابرة: اعتماد النفس الطويل والجهاد المستمر لحماية المكتسبات والتمكين.

التوازن النفسي: استخدام الخطط القرآنية لمواجهة الأزمات وإدارتها بروح متفائلة (كما في سياق سورة يوسف وسورة الشرح).

المحور الثالث: التموضع الاستراتيجي الإلهي في حياة البشر والخليقة. يتوازى هذا المفهوم في الثقافات الدينية المختلفة مع فكرة أن الله لا يمنح البركات عشوائياً، بل يضع الإنسان في مواقع ومواقف محددة (حتى لو بدت صعبة أو متواضعة في البداية) لتأهيله وتدريبه لأدوار قيادية كبرى مستقبلاً، مثلما حدث مع الأنبياء والشخصيات التاريخية (كيوسف الصديق، وداود، ودانيال).

هذه المحاور الثلاثة تُضيء محاور الفصل الثاني بكل مكوناته ومكنوناته. فالإنسان موجودٌ بوجود الآخرين لكي يتغيّر، ولكي يتغيّر يجب أن يسهم في تطوير الآخرين وتغييرهم؛ فالقائد الفعلي هو الخادم الأمين على خليقة الله كوديعة. لا وجود لكائن بشري مادي يتحوّل ليُصبح ما لم تحوّله الروح بارتقائها نحو الهدف الأسمى، وهو المولى تعالى الذي يوحي ويُغدق كل شيء على عباده.

الارتقاء الروحي يجعل الإنسان يفهم أن كل شيء من عند الله، وهو موجودٌ بفعل الأمانة على الكون. "أنا جاهزٌ للامتحان، وللتفكير، وللإنجازات، وللتحوّل والتحويل بقدرة الله والاتكال عليه؛ إذاً أنا موجود". وهل من طريق سهلة من دون امتحان؟! وأين يكمن الإنجاز من دون تجارب؟! وأين يتخفى التميز؟! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110). الأمة الخيّرة والمميزة تسعى بما منحها الله من قوةٍ وصبرٍ ويقين لكي تتطور وترتقي إلى خالقها.

فالله هو السكينة والطمأنينة والمكسب الأعلى، وليس مع الله خسارةٌ البتة. التوحد حول هذا المفهوم يجعل أكبر جبال الشر سهلة الاجتياز بيسر وسهولة. فالله ينكشف أكثر فأكثر أمامك ليُريك طريق النصر والثواب؛ فالله هو الملهم وليس العدو. كلمة الله تكليف يتحول إلى الفناء الفاعل الميداني: لا انسحاب، ولا تراجع، ولا تقوقع في الميادين. التسليم لله أمرٌ في غاية السمو الفكري والارتقاء الروحي.

الجهاد هو الطريق الذي يُجسد كل المعرفة، والإيمان، والصدق، والمصداقية، والاتكال الفعلي على الله. الجهاد ليس التفرّج بعيداً مع كلام فارغ، بل مواجهة فعلية وحتمية مع الظلم. النمو هو نموّ حضاري، وفكري، وعسكري، وإنساني، وروحي. المستقبل هو حصيلة البناء التراكمي من خبرات، وآلام، وتجارب، وامتحانات؛ فهو ليس وليد الثانية واللحظات. مشروع الظهور يُهيئ له الإنسان عبر مسيرة طويلة وكادحة لكي تتسنى الظروف المؤاتية له.

الأمل دائماً موجود في الإنسان بتحويل البلاء إلى رحمة مخفية عبر العقل والروح والصلاة؛ فالشرير يعمل بدافع الضعف والذنب والمرض، بينما عباد الله تتكل على نور الله وجبروته.

ما شرحته صاحبة العمل هو عقلنة عملانية بعاطفة محذوفة؛ حيث تكلّمت عن قائد وليس عن أب لكي تتملكها العاطفة. فهل يُمكن تفسير أبعاد الحاج عبد القادر الإنسانية، والروحية، والنفسية بغير ذلك! شخصٌ فعل للوطن وللإنسان ما لم يكن ممكناً فعله من أي إنسان آخر ما لم تتوفر فيه هذه المميزات الممنوحة من الله بفعل عمله كخليقة أمينة على كون الخالق.

اخترنا لك