رحيل قاسم زبيدة: اليمن يودّع شيخ المنشدين
رحل المنشد والأديب اليمني، قاسم زبيدة، الصوت الذي جمع بين الأصالة والعراقة والتنوّع والجمال والإتقان، ليودّع اليمن برحيله علماً من أعلام الفن والثقافة والإبداع.
لم يكن قاسم زبيدة (1951 – 2026) بالنسبة لليمنيين مجرّد صوت جميل يصدح بأعذب الألحان، بل قامة فنية أضافت إلى النشيد اليمني روحاً نابضة بالحياة، وظاهرة فنية لا تُقاس بمعايير الأصوات العادية، إنما بقدرتها على جعل الإنسان يستحضر جذوره وتاريخه في آن واحد.
كان زبيدة حارساً للذاكرة، وجسراً للتواصل بين الموروث الثقافي الضارب في القِدَم والأجيال المتعاقبة التي كان يمكن أن تضيع منها خيوط تلك الذاكرة لولا جهده.
وخلال مسيرته الحافلة بالعطاء، ظل زبيدة يحمل في صوته إرث أمة تقاوم التجريف وترفض التلاشي أمام رياح العصر. وفي أدائه وإنتاجه، تجلّى التزام واضح بحرمة اللغة والفصاحة والجزالة، كما قدّم في شخصيته نموذجاً للمثقف العضوي والمناضل القومي المتجذر ثقافياً في هموم مجتمعه ووطنه وقضايا أمته.
هكذا أنشد المديح النبوي والقصائد الدينية والعروبية بألوانها الحُمينية والفصيحة، ولم يحصر تجربته في النشيد الصنعاني، فامتد إلى الألوان التهامية والحضرمية واللحجية والتعزية والصوفية، وكتب لليمن وفلسطين ومصر وغيرها.
موهبة استثنائية
-
قاسم زبيدة (1951 – 2026)
وُلد قاسم زبيدة في مدينة صنعاء القديمة، فكانت مسرحه الأول الذي تشكّلت فيه موهبته وشغفه. فيها تلقّى بدايات التعليم في المِعْلامة، قبل أن يلتحق بمدرسة نُصير، وهناك تعمّقت علاقته بالقرآن واللغة والإنشاد، بما منح أداءه طابعاً لغوياً وروحياً خاصاً.
وتؤكّد مصادر مطلعة على تجربة الفنان الذي رحل أمس السبت، أنه بدأ مشواره مع الإنشاد في طفولته، وأنه تتلمذ وتأثّر بعدد من كبار المنشدين والقرّاء، وفي مقدمتهم الشيخ محمد حسين عامر.
ولعل تلك البدايات تركت أثرها العميق في ذاكرة زبيدة وشخصيته، فظل حتى أيامه الأخيرة يرى أنّ الإنشاد ليس مجرد أداء صوتي جميل، بل رسالة تقوم على فهم اللغة ومعاني الكلمات قبل إطلاقها بالصوت. من هذا المنطلق، دافع زبيدة عن الإنشاد الرفيع بوصفه فناً يحتاج إلى معرفة باللغة، وإحساس بالمعنى، وأمانة في حمل الكلمة.
الانتماء الروحي للغة والفن جعل زبيدة محارباً للابتذال، داعياً المبدعين باستمرار إلى التمسّك بالأصول الأدبية واللغوية.
هذا الانتماء للغة والفن معاً جعله محارباً للابتذال، وداعياً دائماً إلى التمسّك بالأصول الأدبية واللغوية. من هنا أيضاً جاء حرص زبيدة على نقل الفن اليمني إلى خارج حدود البلاد، فكان من مؤسسي "جمعية المنشدين اليمنيين" عام 1989، وأول رئيس لها، وهي الجمعية التي أدّت دوراً مهماً في صون التراث الإنشادي اليمني ونشره عربياً.
ففي مصر، كانت الجمعية من أوائل من أدخلوا الإنشاد اليمني إلى دار الأوبرا المصرية، كما امتدت مشاركات زبيدة وفرقه إلى فرنسا، حيث عُرضت صور له في "معهد العالم العربي" في باريس. كما شارك منشدون من جمعية المنشدين في مهرجان بالأردن عام 2002، حين كانت عمّان عاصمة للثقافة العربية.
شاعر وأديب
-
عُرف قاسم زبيدة بنتاج شعري وأدبي متنوّع
حظي قاسم زبيدة خلال مسيرته بإعجاب واسع، ومُنح ألقاباً كثيرة رآها محبوه منصفة لمكانته، منها "بلبل المنشدين" لعذوبة صوته ورهافة حسه الموسيقي، و"شيخ المنشدين اليمنيين" اعترافاً بمكانته المرجعية في هذا الفن، و"عميد الإنشاد اليمني" تقديراً لدوره الريادي في بناء صرحه المؤسسي وتطوير أدواته. وهو، إلى جانب ذلك، أديب يُنشد، لا منشداً فحسب.
ظل زبيدة يحمل في صوته إرث أمة تقاوم التجريف وترفض التلاشي أمام رياح العصرية القاسية، وفي أدائه وإنتاجه التزاماً بحرمة اللغة والفصاحة والجزالة.
وقد عُرف الراحل بنتاج شعري وأدبي متنوّع، من بينه ديوان شعري غير مكتمل دُوّن منه 192 قصيدة، كما صرّح في حوار سابق له، إلى جانب مؤلفات نثرية من أبرزها: "قبس من المورد الأعظم في سيرة الرسول الأكرم"، و"الإنشاد في اليمن" وهو مخطوط، و"الاعتراف".
كما عُرفت له إصدارات صوتية منها: "الزفة الصنعانية"، و"موشحات"، و"مشارب"، وغيرها من الأعمال التي بقيت حاضرة في الذاكرة الإنشادية اليمنية، فضلاً عن تخميسه قصائد كلاسيكية (أي إضافة أشطر جديدة إلى قصيدة قديمة)، من بينها "أبدأ بمن ذكره حلالي" و"يا رحمن عبدك دعا في سحر"، وهي أعمال لا يزال عدد من المنشدين اليمنيين يتداولونها وينشدونها حتى اليوم، بحسب شهادات وردت في النص الأصلي.
رحيل مدرّس وعالم ومثقف
-
صلاة الجنازة على جثمان قاسم زبيدة
في 16 أيار/مايو 2026، رحل قاسم بن علي زبيدة عن عمر ناهز 75 عاماً، تاركاً حزناً في الوسطين الثقافي والفني، ولا سيما في أوساط الإنشاد اليمني.
وقد نُعي بكلمات عبّرت عن حجم الخسارة، فيما شُيّع جثمانه في صنعاء بعد الصلاة عليه في الجامع الكبير، ووُري الثرى في مقبرة الحمزة.
وبعث كلاً من رئيس المجلس السياسي الأعلى في اليمن، مهدي المشاط، والقائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء محمد مفتاح، برقية عزاء ومواساة إلى أسرة الفقيد وآل زبيدة كافة، أشادوا فيها بمناقب الراحل "الذي يعدّ من عمالقة الإنشاد اليمني والعربي".
أما وزارة الثقافة والسياحة في اليمن فأكدت في بيان أنّ الساحة الإبداعية العربية والإسلامية فقدت برحيل زبيدة "قامة استثنائية ومدرسة إنشادية فريدة تتلمذت على يديها أجيال متعاقبة من كبار المنشدين"، مشيرة إلى أنّ الراحل "مثّل حضوراً ثقافياً متميزاً طوال عقود من الزمن وصنع بصمة خالدة لا يمكن نسيانها في المشهد الثقافي".
من جهته، وفي حديث مع "الميادين الثقافية"، وصف، طه عامر، رفيق دربه، المنشد قاسم زبيدة بـ"الأسطورة"، قائلاً إنّ زبيدة جمع التراث من أنحاء اليمن ولقّنه لتلاميذه. وأضاف "درسنا على يديه الإنشاد، وتعلّمنا على يديه اللغة العربية، ونهلنا من إبداعه. لقد خسرنا برحيله الكثير، بل خسرت البلاد نبراساً ورجلاً عظيماً من عظماء اليمن".
لم يكن قاسم زبيدة في اليمن مجرّد صوت جميل يصدح بأعذب الألحان فقط، بل كان قامة فنية أضافت للنشيد اليمني روحاً تنبض بالحياة، وظاهرة فنية لا تُقاس بمعايير الأصوات العادية، بل بمدى قدرتها على جعل الإنسان يستحضر جذوره وتاريخه في آن.
من جانبه، قال علي محسن الأكوع، إنّ رحيل زبيدة "يمثّل رحيل أمة، بل رحيل مدرّس وعالم ومثقف"، مضيفاً، بصفته رئيس "جمعية المنشدين اليمنيين"، أنّ قاسم زبيدة كان من المنشدين المخضرمين الذين استطاعوا توثيق كثير من ألحان الإنشاد اليمني لأكثر من 4 عقود.
حرص قاسم زبيدة على تصدير الفن اليمني خارج الحدود السياسية لليمن، فكان من مؤسسي جمعية المنشدين اليمنيين عام 1989، وأول رئيس لها.
ويرى الأكوع أنّ زبيدة ومن معه من المخلصين في الجمعية أثبتوا أنّ اليمن، بعاصمته التراثية وبكلّ محافظاته، يمتلك كماً هائلاً وزخماً كبيراً وموروثاً إنشادياً لا مثيل له في الأرجاء العربية.
ويرثيه المنشد محمد الدرم قائلاً: "خسر اليمن اليوم أديباً وعالماً في الأدب والشعر، وأحد أعمدة هذا الصرح الإنشادي الكبير، فقد كان من المنشدين الأوائل الذين أحيوا هذا التراث الجميل والعظيم والعريق الذي ستتداوله الأجيال".