رحلة إلى ينابيع الحياة: بورفيري الكييفي مستكشفاً أسرار مدينة صور

كيف تحوّلت رحلة بورفيري إلى مدينة صور إلى شهادة حيّة على تاريخ المكان وذاكرته؟ ولماذا بدت مياه صور في نصّه أكثر من مجرّد ظاهرة طبيعية، بل ذاكرة روحية وحضارية مهدّدة بالاندثار؟

في منتصف القرن الــ 19، ووسط حمّى الأطماع الأوروبية الإستعمارية المتزايدة في الأراضي المقدسة، أرسلت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أحد أبنائها البارزين إلى الشرق. كان مقدراً لقسطنطين أوسبنسكي الكييفي، الذي رُسّم راهباً باسم بورفيري، أن يغدو في عداد المستشرقين أثناء أدائه مهمته الرسمية. 

وُلد بورفيري في عائلة كنسية متواضعة، لكن فضوله العلمي الفطري وتعلقه باللغات والتاريخ قاداه إلى أن يصبح عالم آثار ومتذوقاً للمخطوطات القديمة. بين عامي 1847 و1854، شغل بورفيري منصب رئيس أول بعثة كنسية روسية في القدس.

لكنه لم يقبع داخل أسوار المدينة المقدسة، بل جاب فلسطين وسوريا وسيناء مسجلاً كل ما يراه بعين فاحصة، مازجاً بين الفضول العلمي والروحانية العميقة. المقتطف الذي سنتناوله عن مدينة صور ونواحيها، والذي نُشر لاحقاً في الجزء الثالث من كتابه "قصة حياتي" (أكاديمية العلوم الإمبراطورية، 1896)، يقدم لنا نموذجاً فريداً لهذا المزج بين الدقة الميدانية والتأمل الروحي.

  • غلاف مجلة وزارة المعارف عدد تموز/يوليو 1855
    غلاف مجلة وزارة المعارف عدد تموز/يوليو 1855

في 13 و14 كانون الثاني/ يناير عام 1849، دوّن بورفيري تفاصيل رحلته من صيدا إلى صور. ما يميز هذا النص ليس فقط كونه وصفاً دقيقاً لبرك رأس العين ونبع حيرام في مدينة صور ومقام المعشوق المشرف عليها وقلعة شمع... بل كونه شهادة حيّة على لقاء بين عقل أوروبي شرقي مدرب على الملاحظة، وبين مشاهد وأشخاص وحكايات من بلادنا لم تتغير معالمها الجوهرية لقرون، ويسعى العدو الصهيوني اليوم إلى تدميرها ومسحها عن الخريطة.

بين ثلوج الجبال والخط الساحلي

  • مقام المعشوق المشرف على مدينة صور في النصف الأول من القرن 19
    مقام المعشوق المشرف على مدينة صور في النصف الأول من القرن 19

يفتتح بورفيري يومياته بمشهد آسر أثناء سيره على الطريق الساحلي، حيث تمتزج أمامه عناصر الطبيعة في تناقض بديع. من جهة، الجبال "مرشوشة بالثلج" في عز الشتاء، ومن جهة أخرى، البحر قبالته "يكتسي بلون أخضر زاهٍ".

ينهمر المطر فجأة، ويصفه الكاتب: "بدا وكأن دخاناً ينساب بسرعة على سطح الماء نحو الشاطئ ويُسوّده". هذا الحس الوصفي العالي يجعل من رحلته أدباً قبل أن يكون تقريراً علمياً. وقد دفع ذلك "مجلة وزارة المعارف الوطنية" إلى نشر مشاهداته ضمن ملحقها الأدبي في عدد تموز/يوليو 1855، أي قبل أربعة عقود من صدورها ضمن مذكراته. 

يتابع طريقه، ويعبر نهر الزهراني الذي غذّته أمطار الشتاء ففاض. ثم يتوقف الكاتب ليقدم تحليلاً أثرياً دقيقاً حول موقع سريبتا (الصرفند) القديمة، المدينة التي لجأ إليها النبي إيليا لدى أرملة فقيرة.

لم ير بورفيري في ممارسات سكان المنطقة مجرد خرافة، بل بقايا طقوس حضارية عميقة. يكاد يكون بورفيري أول من وثق أن قداسة ماء رأس العين كرمز للنعمة وفق المعتقدات.

يرفض بورفيري الرأي السائد الذي يضع المدينة على "اللسان الرملي" عند الشاطئ، ويجادل بأن الموقع الأصلي كان شمالاً عند "خليج صغير" تحميه الصخور، ويستند في حجته إلى بقايا أعمدة حجرية كانت تدعم سور المدينة، وإلى "تطابق الأسماء" بين سريبتا (صرفة) وبلدة الصرفند المجاورة، مما يدل على أن السكان المحليين نقلوا اسم مدينتهم القديمة معهم عندما انتقلوا.

هذا التحليل الأثري الميداني يظهر بورفيري كعالم آثار حقيقي، وليس مجرد زائر متأمل. يكتب بورفيري عن "الصرفند المباركة" بعاطفة: "هنا لدى الأرملة سما عبد الله النبي وصانع المعجزات إيليا. لا يُنسى بالنسبة لي أنه في كل مرة أمرّ بهذا المكان يبللني المطر، وكأنني بحاجة إلى تأكيد أنه هنا، بصلوات إيليا، تنفتح طاقات السماء". 

  • مدينة صور
    مدينة صور

بعد عبوره جسر القاسمية الحجري، يصل بورفيري إلى خان للمسافرين (يسميه "عين القنطرة")، وهنا نراه يفكر بصوت عالٍ: هل يتجه إلى قرية رأس العين ليدرس "آبارها الفوّارة" الغامضة، أم يواصل طريقه مباشرة إلى مدينة صور؟ 

وبدهاء المسافر الذي خبِر تقلبات الطقس في المشرق، يضع لنفسه "إشارة": إن توقف المطر عند مفترق الطرق، فسيكون ذلك إشارة إلهية ليزور الآبار. المطر يتوقف فعلاً عند مكان "الإشارة" (أي في محلة البقبوق - جل البحر حالياً). ينظر إلى الغرب: السماء صافية. ينظر إلى الشرق: الغيوم لا تزال كثيفة. يقول: "فكرت، فكرت، لم أتوصل إلى شيء، وأدرت رأس حصاني نحو القرية من دون وعي مني". لكنه ما إن يقترب من رأس العين حتى "ينهمر المطر من السماء مجدداً". فينظر "بشكل مائل إلى صور، ويربط على قلبه"، ويواصل طريقه مصمماً.

في رأس العين

  • إمرأة تحمل جرتها وفي الخلفية برك رأس العين
    إمرأة تحمل جرتها وفي الخلفية برك رأس العين

قرب القرية، يبيت في مضافة صغيرة للمسافرين، يصفها بقوله: "في إحدى الزوايا كومة من الطين، وفي الأخرى وجدنا بقعة جافة لنا مفروشة بحصيرتين عتيقتين". يستيقظ بورفيري عند الفجر رفقة مترجمه، ويتعرف إلى رجل عجوز وقور من سكان رأس العين، فيكون دليلهما.

هذا الشيخ هو أول ممثل للذاكرة المحلية يلتقيه الكاتب. يتسلقون معاً سلماً حجرياً إلى سطح طاحونة مجاورة، وهناك ينكشف أمامه مشهد سيغير مسار نصّه بأكمله، يقول: "رأيت ماءً جارياً يرتفع عن مستوى سطح الطاحونة بحوالي 5 أشبار، محصوراً في جرن حجري!". أي أنه يشاهد نبعاً مائياً قوياً يندفع إلى الأعلى وليس إلى الأسفل. دهشته صادقة، ويعترف: "لم أكن لأتوقع ذلك أو أتصوره بهذا الشكل وعلى هذا الارتفاع". يدرك أنه أمام ظاهرة طبيعية نادرة: "نبع يرتفع بفعل ضغط مائي جوفي".

هنا يبدأ فضاء الحوار المعرفي بين الكاتب و"العربي المرافق". يضع الأخير إصبعه في إحدى فتحات تدفق الماء، فيرتد إصبعه فوراً "بسبب اندفاع الماء". هذه التجربة الحسية المباشرة كانت خير دليل لبورفيري على وجود "أنبوب مخفي" وضغط مائي هائل.

ما يميز نص بورفيري ليس فقط كونه وصفاً دقيقاً لبرك رأس العين ونبع حيرام في مدينة صور ومقام المعشوق المشرف عليها وقلعة شمع... بل كونه شهادة حيّة على لقاء بين عقل أوروبي شرقي مدرب على الملاحظة، وبين مشاهد وأشخاص وحكايات من بلادنا لم تتغير معالمها الجوهرية لقرون، وتسعى "إسرائيل" اليوم إلى تدميرها ومسحها عن الخريطة.

يسأل الكاتب عن مصدر الماء، فيجيبه الدليل بحكاية محلية رائعة: "من نهر البقاع (الليطاني)، لأنهم يغمرون عصيهم في النهر هناك، وتظهر هنا". لا يسخر الكاتب من هذه الحكاية، بل يقول بإنصاف: "لا أصدق هذه الحكاية، لكني لا أستخف بها أيضاً، لأنه في الحكايات، كما في المعتقدات، هناك أكاذيب مشوبة بالصدق". وهذا الإنصاف للعقلية المحلية هو ميزة إضافية في نصه.

لا يكتفي بورفيري بالأسئلة، بل يجري عملية شبيهة بـ"التنقيب الموازي" عن بقايا جيولوجية: يلاحظ تلالاً محمرة على هيئة "جذوع"، فيتأكد من أنها "كَهْفِيَّات" (مترسبات) ترسبت على مدى قرون من تحت إلى فوق، مما يدل على أن المياه الجوفية كانت تحوي رواسب كلسية وطينية. وعندما يلفت انتباه الدليل، يؤكد هذا الأخير أن هذه الكَهْفِيَّات شوهدت أيضًا عند أقنية المياه حيث لا يزال الماء يَنِزّ منها. وهنا يوظف المعرفة المحلية كدليل ميداني لفهم التاريخ الطبيعي. 

  • رأس العين في النصف الأول من القرن التاسع عشر
    رأس العين في النصف الأول من القرن التاسع عشر

ولعل أطرف لحظات الحوار وأعمقها دلالة هي عندما يريد بورفيري حل لغز النبع الذي يعلو وينخفض. يشرح الشيخ: "أحياناً نغلق مسار اندفاع الماء عبر الفتحات الجانبية ونضغط إلى الأسفل، عندها ينبثق الماء من الأرض في عدة أماكن مختلفة".

وعندما يسأله عن الارتفاع العادي لمستوى الماء، يفتح الشيخ كفّ يده (شبر) ويظهر مقدار على "ربع أرشين" (نحو 18 سم) على ركبته. هذا التقدير البسيط، الحسي والمباشر، يغني الكاتب عن أي جهاز قياس معقد. 

يقول بورفيري: "لقد أثلج صدري الرد العاقل للشيخ العربي الرصين، وفهمت سر ينابيع الحياة". ثم يرفع بصره إلى الأفق ليجد التأكيد البصري لنظريته: كان جبل حرمون هناك مكللاً بالثلوج، مثل شيخ بثياب بيض، وكانت قمم لبنان تلوح من بعيد، مغطاة بالضباب الكثيف والثلوج والجليد.

 لم يقبع الكاتب داخل أسوار المدينة المقدسة، بل جاب فلسطين وسوريا وسيناء مسجلاً كل ما يراه بعين فاحصة، مازجاً بين الفضول العلمي والروحانية العميقة

المشهد أكد نظريته: الماء الذي يندفع بقوة من باطن الأرض هو نفسه ماء ذوبان الثلوج والأمطار الذي يتسلل عبر الشقوق والكهوف من الجبال البعيدة. ويقدم نظرية كاملة تعزو الفضل في هذه الظاهرة إلى أهل البلاد مظهراً إعجاباً صريحاً بالهندسة المحلية القديمة.

يكتب: "خمّن الفينيقيون أماكن هذه الروافد الجوفية، وثقبوا الصخور التي تغطيها... وأدخلوا فيها إما أنابيب خشبية أو حجرية لقطع تدفق المياه إلى البحر. ونتيجة لذلك، تدفقت التيارات الجوفية إلى الأعلى، وما إن حُصرت بين الصخور حتى خضعت للإرادة البشرية".

عرس الماء

  • بروفيري أوسبينسكي أواخر عمره
    بروفيري أوسبينسكي أواخر عمره

يدرك بورفيري أن فكرة "ماء الحياة" ليست مجرد وصف للظواهر الطبيعية، بل هي محملة بمعتقدات قديمة. يسأل العجوز عمّن بنى هذه البرك المدهشة، فيأتيه الجواب حاسماً: "بناها الملك العظيم إسكندر". يعرف الكاتب أن هذه الرواية غير دقيقة تاريخياً، لكنه لا يصحح للقارئ، بل يترك الحكاية كما هي، ويكمل سؤاله عن "الجامع أبيض الرأس" (مقام المعشوق فوق التل المشرف على صور) وقرية رأس العين التي تغذي بركها مدينة صور بالماء. 

ويتجاوز ذلك إلى توثيق "عادة غريبة لدى أهل صور": في أوائل تشرين الأول/أكتوبر تغدو مياه النبع (نبع حيرام داخل مدينة صور) عكرة، ولونها يقارب الأحمر.. فيأخذ الأهالي بضع جرار من مياه البحر يصبونها في مياه النبع، فيعود إليها صفاؤها بعد ساعات. ذلك التقليد كان عيداً محلياً شارك فيه جميع الأهالي بالموسيقى والغناء. كان عرساً حقيقياً للمدينة. (المبنى المكعب الشكل فوق نبع حيرام لا يزال قائماً قرب بوابة صور إلى اليوم، لكن هذا التقليد اندثر). 

يرى الكاتب أن هذه العادة "تذكار لالتحام مياه الطوفان في أعماق الأرض". ويربطها بعادات قديمة أوسع كانت سائدة في سوريا والجزيرة العربية وبلاد الرافدين. ولا يرى في هذه الممارسات مجرد خرافة، بل بقايا طقوس حضارية عميقة. يكاد يكون بورفيري أول من وثق أن قداسة ماء رأس العين (كرمز للنعمة وفق المعتقدات).

نحو الناقورة

  • غلاف الجزء الثالث من كتاب حياتي لبورفيري أوسبينسكي
    غلاف الجزء الثالث من كتاب حياتي لبورفيري أوسبينسكي

يتابع بورفيري طريقه جنوباً، يقول: "شغلتني كل هذه الأفكار بسرور في طريقي إلى إسكندرونة. وعند اقترابي من أطلال هذا الحصن (قلعة شمع أو شمعون الصفا)، المسمى على اسم الإسكندر الأكبر، قررت هذه المرة أن أتفحصه بدقة، على الرغم من أنني لم ألتقِ بعدُ بأحدٍ هناك يُسليني بقصص أو حكايات عن المنطقة. من بعيد، تبدو هذه الأطلال المطلة على البحر كأنها تلة خضراء هادئة. ولكن مع الاقتراب منها، تظهر بقايا مبانٍ مهدمة. أول ما يلفت انتباه المسافر عند الاقتراب هو نافورة، مصممة على شكل محراب عند قاعدة جدار الحصن. في الطقس الحار، لا تجفّ، ولكن في هذه المرة، تدفقت المياه بصخب من خلال فتحتين دائريتين في المحراب، واندفعت رغويةً إلى أسفل المنحدر نحو البحر المجاور". 

يتجول بورفيري في أطلال قلعة الإسكندر، التي جددها "ملك القدس بالدوين الأول عام 1116. القلعة كانت صغيرة، لكنها ذات فائدة عظيمة هنا. فقد دافعت عن صور وعكا، وحمت الطريق الرئيس الممتد على طول ساحل البحر بين هاتين المدينتين". 

  • فتاتان من صور وجرارهن أمام مدخل نبع حيرام في المدينة
    فتاتان من صور وجرارهن أمام مدخل نبع حيرام في المدينة

ثم يتوقف بورفيري عند نهر الحامول الشتوي، قبل أن ينهي مسيرته في نواحي صور، يقول: "توقفنا ساعة في خان الناقورة، وبعدما ارتوينا بما رزقنا الله به، وواصلنا المسير. من الصعب تسلق قمة الناقورة البيضاء، ومن الصعب النزول منها إلى سهل عكا. ويبدو هذا السهل مسحوراً ويمتد إلى ما لا نهاية. كنتُ منهكاً من حرارة الشمس، وبالكاد وصلتُ إلى عكا. لكنني على الأقل وجدتُ راحةً وطمأنينةً فيها".

اخترنا لك