جداريات طهران: قوة ناعمة في مواجهة أميركا و"إسرائيل"
كيف تروي جداريات طهران تاريخ الثورة والمقاومة والحروب عبر رموز فنية موجَّهة إلى الداخل والخارج؟
لا تقتصر السياسة في مدينة مثل طهران على المنابر والخطابات الرسمية، بل تمتد إلى الشوارع والميادين الكبرى. هناك حيث تتحول الجدران إلى مساحة سردية مفتوحة، حيث تُرسم الروايات السياسية والرموز الثقافية بلغة بصرية يفهمها الجميع.
في هذه المدينة التي يزيد سكانها على 9 ملايين نسمة، تنتشر اليوم جداريات ضخمة تحمل رسائل سياسية وثقافية تتعلق بمقاومة العدوان الأميركي – الإسرائيلي.
هذه الجداريات تأتي في كثير من الأحيان كجزء من خطاب سياسي وثقافي أوسع يعكس رؤية إيران للصراع مع واشنطن وتل أبيب. هكذا تتحول المدينة إلى ما يشبه معرضاً مفتوحاً للفن السياسي، تصبح فيه الجدران صفحات يكتب عليها الفنانون روايتهم ورؤيتهم.
مساحة للتعبير السياسي
-
من اقتحام السفارة الأميركية في طهران
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، التي أنهت الملكية البهلوية، بدأت الجدران في المدن الإيرانية تتحول تدريجياً إلى مساحة للتعبير السياسي. فمع تغير النظام ظهرت موجة واسعة من الجداريات التي حملت شعارات الثورة وصور شخصياتها ورموزها. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الجداريات جزءاً من المشهد الحضري الإيراني.
تشير دراسات عن الفن الحضري في إيران إلى أن الجدران في طهران تحديداً، تحولت منذ تلك المرحلة إلى لوحات أيديولوجية تعكس الخطاب السياسي للدولة. كما شاركت مؤسسات رسمية وبلديات ومجموعات ثقافية مختلفة في إنتاج هذه الأعمال الفنية. ومع مرور الزمن، لم تبق هذه الجداريات ثابتة، بل تغيرت موضوعاتها تبعاً للأحداث السياسية. فقد تناولت الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم حروب أميركا و"إسرائيل" في الشرق الأوسط، وصولاً إلى المواجهة المستمرة مع واشنطن وتل أبيب.
مدينة تكتب قصتها على الجدران
يمكن لمن يتجول في شوارع طهران أن يقرأ تاريخاً كاملاً من الصراعات والتحولات السياسية بلغة الفن. فكل جدارية تحكي قصة: عن الثورة والحرب، أو عن فلسطين والمواجهة مع الغرب.
ولعل أقدم الأمثلة عن هذا الفن السياسي بعد الثورة ظهرت على جدران السفارة الأميركية في طهران، وكانت تحمل شعارات مثل "الموت لأميركا" وصوراً صريحة للعلم الأميركي مزيناً بجماجم بدلاً من النجوم، ومثل تلك الجداريات الشاهقة بدأت تغطي جدران ساحة فلسطين وميدان انقلاب (الثورة) في طهران، ملقيةً رسائل مناهضة لــ "إسرائيل"، وازدادت قوة معانيها في السنوات الأخيرة بعد استخدام قصة النبي موسى لإدانة الدولة اليهودية وإظهارها كقوة ظالمة، حيث أن تماهي إيران مع النبي موسى انطلق من المعنى الأخلاقي واللاهوتي.
في طهران تتحول الجدران إلى مساحة سردية مفتوحة، تُكتب عليها الروايات السياسية والرموز الثقافية بلغة بصرية يفهمها الجميع.
ذلك أنها دولة تتبنى المقاومة وتتحدى القمع، لاسيما مع اقتباس عبارة "مرة أخرى سيغرق الفرعون" من إحدى خطب المرشد الأعلى الشهيد السيد، علي خامنئي، وكان ذلك قبل فترة وجيزة من العدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران في 13 حزيران/يونيو/ 2025، في إشارة إلى أن "إسرائيل" هي فرعون قمعي على اعتبارها النموذج الأبرز للسلطة غير الشرعية، بينما تتولى إيران دور موسى كصوت نبوي يواجه الطغيان، وزاد من قوة الجدارية احتوائها على نص عبري تحذيري: "ابحثوا عن مأوى تحت الأنقاض".
بهذا المعنى، لا تقتصر هذه الأعمال على كونها لوحات فنية، بل تتحول إلى وثائق بصرية تعكس طريقة فهم المجتمع والدولة الإيرانية للصراع في الشرق الأوسط.
الرَّدّ الحاسم
في زمن تتنافس فيه الدول على السيطرة على الروايات الإعلامية، تبدو جدران طهران وكأنها تؤكد حقيقة بسيطة: في بعض المدن، لا تُكتب السياسة في الكتب ولا تُفنَّد في الأخبار فقط، بل أيضاً على الجدران، ومن أمثلة ذلك جدارية "الرد الحاسم" في ساحة انقلاب التي تعكس مشهداً جوياً متخيلاً لحاملة طائرات أميركية مدمَّرة، تظهر الطائرات المقاتلة محطَّمة على سطحها، بينما تتناثر جثث الجنود في كل مكان، والنقطة الأكثر وقعاً درامياً في اللوحة هو تدفق الدماء من سطح السفينة إلى مياه البحر، لتشكل نمطاً يحاكي خطوط العلم الأميركي، مع شعار باللغتين الفارسية والإنجليزية يختصر الموقف: "من يزرع الريح يحصد العاصفة".
وفي ساحة انقلاب ذاتها وُضِعت جدراية تصور سماءً تتقاطع فيها صواريخ مضيئة، فيما تقف شخصية مقاتل بملامح صارمة في مقدمة الصورة، وخلفه علم إيران، وفي أسفل الجدارية عبارة فارسية تحذر من أن أي اعتداء على إيران سيواجه برد حاسم.
وهناك في إحدى الشوارع الرئيسية القريبة من طهران، تظهر جدارية لافتة تصور خريطة لفلسطين التاريخية، تتوسطها قبة ذهبية، تتلاشى حولها ألوان علم إسرائيل تدريجياً في الخلفية، وكأنها تتفكك أو تذوب داخل اللوحة.
وأيضاً إحدى الجداريات التي تحمل رمزية كبيرة حُدِّدَت فيها أهداف في قلب "إسرائيل" وانتصب أمامها مجموعة من الصواريخ الإيرانية وزر الإطلاق وكتب في أعلاها باللغة الإنجليزية "أنت تبدأ ونحن نُنهي".
"الشيطان الأكبر"
ومن الجداريات الشهيرة في طهران تلك التي برزت في أثناء الانتخابات الأميركية الأخيرة، وكتب عليها باللغة الفارسية "أميركا هي الشيطان الأكبر"، وبعدها كتبت جملة تحذيرية باللغة العبرية موجهة للإسرائيليين وهي: "سوف يرميكم الشيطان الأكبر مثل المنديل المستعمل".
وبعد اغتيال المناضل يحيى السنوار في 19 تشرين الأول/أكتوبر2024، نشرت في طهران جدارية كتب فيها: "سيستمر طوفان السنوار"، وأتبعت بجملة باللغة العربية: "ما لنا إلا إحدى الحسنيين"، في إشارة إلى النصر أو الشهادة.
وفي 2 تشرين الأول/أكتوبر2024 بعد الرد الصاروخي الإيراني على "إسرائيل"، برزت لوحة كتب عليها باللغتين الفارسية والعبرية جملة: "بداية نهاية صهيون".
لم تعد الجداريات مجرد فن، بل أصبحت وثائق بصرية تعكس طريقة فهم المجتمع والدولة للصراع، وتعيد صياغة الرواية السياسية في الفضاء العام.
وهناك جدارية أثارت اهتماماً إعلامياً وهي لوحة ضخمة تحمل كلمة "خيبر" بخط عربي كبير، في إشارة إلى المعركة التاريخية في التراث الإسلامي. في الجدارية يظهر مقاتل يحمل سيفاً تقليدياً بينما تتصاعد خلفه ألسنة اللهب، في مشهد يربط بين الرمزية التاريخية والصراع المعاصر مع "إسرائيل".
أما جدارية "الشرق الأوسط بلا هيمنة" التي نُصِبَت في أحد الطرق السريعة الرئيسية في طهران، فتصور خريطة للشرق الأوسط تحيط بها شعوب المنطقة، بينما يظهر في السماء طائر سلام ضخم، لكن في أسفل اللوحة، هناك يد تضع أكماماً بألوان العلم الأميركي وهي تحاول الإمساك بالخريطة، قبل أن تتكسر تحت ضغط الأيدي المرفوعة من شعوب المنطقة.
قوة ناعمة
رغم الطابع السياسي الواضح لهذه الجداريات، إلا أن كثيراً من الباحثين يرون أن الفن الحضري في طهران يتجاوز مجرد الدعاية السياسية. فهو أيضاً جزء من القوة الناعمة التي تستخدمها الدول للتأثير في الوعي الجماعي.
الفن العام، بطبيعته، يتميز بقدرته على الوصول إلى جمهور واسع. فالجداريات لا تحتاج إلى متحف أو تذكرة دخول، إنها موجودة في الفضاء العام، يراها المارة يومياً. ولهذا السبب، كثيراً ما استخدمت المجتمعات حول العالم الجداريات كوسيلة للتعبير السياسي أو الاحتجاج أو التضامن.
وتشير الدراسات في مجال الفن السياسي إلى أن الجداريات تمتلك قدرة خاصة على نقل الرسائل الرمزية المعقدة بطريقة بسيطة ومباشرة، ما يجعلها وسيلة فعالة في بناء السرديات الجماعية داخل المجتمعات.
وراء الجداريات في طهران يقف فنانون محترفون يعمل بعضهم بالتعاون مع مؤسسات رسمية وعلى رأسها بلدية طهران، بينما يطور آخرون أساليبهم الفنية الخاصة.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بفن الجداريات في إيران الفنان الإيراني، مهدي غدیانلو، الذي يُعرف بأعماله الضخمة المنتشرة في طهران ومدن أخرى حول العالم. وقد أنجز أكثر من 100 جدارية في دول عدة، مستخدماً أسلوباً بصرياً يجمع بين الواقعية والخداع البصري.
الفن الحضري في طهران يتجاوز الدعاية، ليصبح أداة من أدوات القوة الناعمة التي تؤثر في الوعي الجماعي وتنقل الرسائل المعقدة بصورة مباشرة وبسيطة.
وهناك الفنان حسين خسروجردي وتعد أعماله من أوائل الجداريات التي أرست الهوية البصرية السياسية لإيران، وأيضاً الفنان علي رضا إقاجاني بلوحاته التي تمجد رموز المقاومة وتعلن عداءها الصريح للولايات المتحدة، إلى جانب مجموعة فناني "مركز الفنون البصرية" التابعة للحرس الثوري وفنانو منظمة "الباسيج".
تبدو جداريات طهران أكثر من مجرد أعمال فنية. إنها نصوص سياسية مرسومة في الفضاء العام، تحاول صياغة رواية بصرية للصراع في الشرق الأوسط، ووسيلة للتعبير عن المواقف السياسية، بحيث تصبح اللوحات الضخمة جزءاً من الحوار العام حول قضايا المنطقة. وهكذا، بينما تتغير الأخبار يومياً، تبقى هذه الجداريات شاهداً بصرياً دائماً على الطريقة التي ترى بها إيران الحرب مع "إسرائيل" والولايات المتحدة.




