تونس: سيرة مجتمع خرج من مكانه ولم يصل بعد
كلما أصبح التونسي أكثر حرية في اختيار حياته بات أكثر وحدة في تحمّل تبعاتها. كيف صنعت تحولات المجتمع التونسي فرداً خرج من عالم الجماعة من دون أن يتحرر تماماً من سلطتها؟
في "هلوسات ترشيش" للروائي التونسي الراحل، حسونة المصباحي، لا تبدو تونس بلداً مستقراً في جغرافيته، بقدر ما تبدو بلداً يهيم في ذاكرة أبنائه.
و"ترشيش"، الاسم الذي يقول المصباحي إنه كان الاسم القديم لمدينة تونس قبل الإسلام، والذي يستعيده عنوان الرواية، ليست مجرد إحالة أثرية. إنها البلاد حين تصبح طيفاً، ذكرى، ومكاناً لا يستطيع المرء الإقامة فيه تماماً ولا مغادرته تماماً.
بطل الرواية مسافر أبدي، يعود من كثرة الترحال أكثر غربة لا أقل، كأن السفر لم يحرره من المكان، بل كشف له أن المكان استقر في داخله. تلك الغربة بين هنا وهناك، بين زمن انقضى وزمن لم يولد بعد، هي ربما أفضل استعارة أدبية لفهم المجتمع التونسي الحديث نفسه.
ذلك أن تونس التي تتناثر شظاياها في روايات حسونة المصباحي ليست تونس الخرائط ولا تونس الخطاب الرسمي عن التحديث، وإنما تونس الذين دفعوا ثمنه من أطرافهم وحيواتهم الصغيرة: أبناء القرى، والمهاجرون، والمثقفون القلقون، والعاطلون، والنساء والرجال الذين اكتشفوا أن الخروج من المجتمع القديم لا يعني بالضرورة الدخول في مجتمع جديد.
حسونة المصباحي (1950 – 2025) نفسه يقول إن قصصه ورواياته خرجت من قريته ومن واقع بلاده وتاريخها، وإن تونس ظلت تسكنه حتى خلال سنوات الغربة. والأهم أنه يعترف بانحيازه المبكر إلى "المهمشين والمهملين والمنسيين والضائعين"، بعدما اكتشف أن الريف الذي تجاهلته الكتابة التونسية طويلاً، قادر على أن يكون مركز الحكاية لا هامشها. هنا يلتقي الأدب بالسوسيولوجيا على نحو لافت. فما فعله جان دوفينيو في "شبيكة"، حين دخل قرية تونسية صغيرة ليقرأ عبرها تصدعات المجتمع الريفي في لحظة التحديث، يفعله المصباحي بوسائل الرواية: ينصت إلى الذين لا يظهرون عادة في الروايات الكبرى للدولة. وقد تحولت "شبيكة" منذ صدورها إلى عمل كلاسيكي في علم الاجتماع لأنها كشفت، خلف السكون الظاهري للقرية، عن مجتمع بدأت بنياته القديمة تفقد قدرتها على حماية أفراده، وعن ريف تدفعه مركزية المدينة وإهمال السلطة شيئاً فشيئاً نحو الهجرة والاقتلاع.
وهو اقتلاع يعيد إلى الذهن ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، وعبد المالك صياد، في سياق مغاربي آخر، ب"الاقتلاع". وقد صاغ الباحثان هذه القراءة في كتابهما "الاقتلاع: أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر"، الصادر عام 1964، في سياق تاريخي مختلف تمثل في الجزائر إبان حرب الاستقلال، وبخاصة عمليات إعادة تجميع السكان الريفيين وتهجيرهم التي نفذتها السلطات الاستعمارية الفرنسية، وما أحدثته من تفكيك للبنى المكانية والاجتماعية والاقتصادية التقليدية.
-
حسونة المصباحي (1950 – 2025)
إنها لحظة تتفكك فيها الأطر المكانية والزمنية للحياة الريفية، وتفقد القيم القديمة مشروعيتها من دون أن يستطيع الاقتصاد الحديث أن يمنح الجميع موقعاً بديلاً. النتيجة ليست حداثة مكتملة، بل كائن اجتماعي يعيش بين عالمين، انخلع من الأول ولم يمتلك الثاني بعد. وهذا تحديداً هو ابن "ترشيش". إنه ابن دولة جعلت المدرسة والمدينة والعمل المأجور والتحرر الفردي علامات للتقدم، لكنها تركت وراء صعودها مناطق وأجساداً وذاكرات كاملة على حافة الطريق.
من هنا يمكن قراءة شخصيات المصباحي لا كحالات نفسية منفردة، بل كأعراض لتحول اجتماعي طويل: الريفي الذي يحمل قريته إلى المدينة، والمهاجر الذي يحمل تونس إلى أوروبا، والمثقف الذي اتسع وعيه وضاق عالمه، والفرد الذي يطالب بحريته بينما تستمر العائلة والجماعة والمقدس في السكن داخله.
بات ابن الفلاح قادراً على أن يصبح مدرساً أو موظفاً أو طبيباً، والمرأة دخلت المدرسة والجامعة وسوق العمل، والقرية التي كانت أفقاً كاملاً للحياة تحولت إلى نقطة انطلاق نحو مكان آخر. هكذا بدأت السيرة الفردية تنفصل عن السيرة العائلية. لم يعد الابن مضطراً إلى تكرار حياة أبيه، لكن التحرر من المصير الموروث خلق عبئاً جديداً: صار على الإنسان أن يصنع بنفسه مصيراً كان المجتمع يصنعه له.
حتى الجسد والجنسانية، اللذان جعلهما عبد الوهاب بوحديبة في كتابه "الجنس في الإسلام"، الصادر للمرة الأولى سنة 1975، مدخلاً لبحث العلاقة بين الجنسانية والمقدس والاجتماعي في المجتمعات العربية الإسلامية، يصبحان عند المصباحي ميداناً آخر للصراع بين ما يشتهيه الفرد وما تسمح به الجماعة.
لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا تقول روايات حسونة المصباحي عن تونس؟ السؤال الأكثر إزعاجاً هو: أيّ تونس أنتجت هؤلاء الغرباء وهم في قلب بلادهم؟ ذلك أن "ترشيش" ليست مكاناً ضائعاً في الماضي؛ إنها اسم أدبي لمجتمع قضى عقوداً يخرج من نفسه، من الريف إلى المدينة، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن البلاد إلى المنفى، ثم يلتفت وراءه ليكتشف أن ما تركه لم يمت، وأن ما قصده لم يكتمل. وفي هذه المسافة، بين الاقتلاع والوصول، يبدأ المجتمع التونسي الذي سنحاول قراءته في روايات حسونة المصباحي.
تقلبات الفرد: من ابن الجماعة إلى كائن العزلة
-
المقهى مكان مكتظ بالناس لكنه قد يجمع عشرات الحيوات المنفردة حول طاولات متجاورة
لم يولد الفرد التونسي من قطيعة مفاجئة مع الجماعة، بل تشكّل ببطء داخل تصدعاتها. كان المجتمع التقليدي، خصوصاً في الأرياف التي تستعيدها روايات حسونة المصباحي، يمنح الإنسان موقعه قبل أن يختاره: العائلة والقرابة والجيرة والأرض والدين والسمعة كانت ترسم حدود الذات وتحدد علاقتها بالآخرين.
لم يكن الفرد وحدة مستقلة بقدر ما كان جزءاً من شبكة كثيفة من الالتزامات والتبادلات والذاكرة. وكان اسمه الشخصي أقل أهمية أحياناً من اسم العائلة والجهة التي جاء منها. لم تكن الجماعة قيداً فقط؛ كانت حماية وذاكرة وضماناً ضد السقوط، تمنح الفرد مكاناً في العالم، لكنها تطالبه، في المقابل، بأن يظل داخل حدوده.
دولة الاستقلال خلخلت هذه المعادلة. فالمدرسة الحديثة، والتحضر، والعمل المأجور، والهجرة الداخلية والخارجية، وتراجع الاقتصاد الريفي، والتحولات القانونية التي مسّت بنية الأسرة، لم تغيّر شروط العيش فقط، بل غيّرت الطريقة التي يتصور بها التونسي نفسه.
بات ابن الفلاح قادراً على أن يصبح مدرساً أو موظفاً أو طبيباً، والمرأة دخلت المدرسة والجامعة وسوق العمل، والقرية التي كانت أفقاً كاملاً للحياة تحولت إلى نقطة انطلاق نحو مكان آخر. هكذا بدأت السيرة الفردية تنفصل عن السيرة العائلية. لم يعد الابن مضطراً إلى تكرار حياة أبيه، لكن التحرر من المصير الموروث خلق عبئاً جديداً: صار على الإنسان أن يصنع بنفسه مصيراً كان المجتمع يصنعه له.
لكن الجماعة لم تختف حين ظهر الفرد، وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات المجتمع التونسي عمقاً. فقد ضعفت قدرة العائلة والقرية والجيرة على تحديد مصير الإنسان، بينما ظلت قدرتها على الحكم عليه شديدة الحضور.
هكذا يستطيع الفرد أن يغادر القرية، لكن القرية لا تغادره؛ يستطيع أن يعيش في العاصمة أو في الخارج، فيما تستمر العائلة والسمعة و"نظرة الناس" في مراقبة اختياراته. المرأة التي حققت استقلالاً مادياً لا تتحرر بالضرورة من سلطة النظرة الاجتماعية، والرجل الذي يعلن استقلاله يظل مطالباً بأن يكون الابن والأخ والزوج والمعيل. هكذا لم تنتقل تونس من الجماعة إلى الفرد، بل صنعت فرداً هجيناً: يريد الاستقلال ويحتاج إلى الاعتراف، يتمرد على الجماعة ويحمل محكمتها داخله.
تسرب العنف إلى الحياة اليومية في صور أقل صخباً من العنف السياسي: توتر في العلاقات، خشونة في اللغة، نزاعات صغيرة، إحساس متزايد بالمنافسة، وانخفاض القدرة على احتمال الآخر. إنه عنف مجتمع يخشى أن تكون موارده أقل من طموحات أبنائه.
من قلب هذا التناقض تنشأ العزلة. تقلصت الأسرة، ضعفت الجيرة، فرغت قرى من شبابها، تمددت المدن، تأخر الزواج، وتراجعت قدرة العمل على توفير الاستقرار والترقي الاجتماعي.
في المقابل، صار الفرد مطالباً بأن ينجح وحده، وأن يجد عمله ويختار شريكه ويبني مستقبله ويتحمل مسؤولية إخفاقه. وهكذا انتقلت بعض أزمات المجتمع إلى الحياة الخاصة: البطالة تتحول إلى إحساس بالفشل، والعجز الاقتصادي إلى جرح في الكرامة، وتأخر الزواج إلى قلق شخصي، والهجرة إلى حل فردي لمشكلة جماعية. حتى المقهى يكشف هذه المفارقة: مكان مكتظ بالناس، لكنه قد يجمع عشرات الحيوات المنفردة حول طاولات متجاورة.
وهنا تكتسب روايات حسونة المصباحي كثافتها الاجتماعية. فالوحدة والضجر والحب والجسد والمقهى والشيخوخة والقلق ليست مجرد سمات نفسية لشخصيات روائية، إنما شقوقاً نرى عبرها تحولات المجتمع التونسي نفسه. شخصياته تقف في المسافة التي خلّفها انحسار العالم القديم وعدم اكتمال العالم الجديد: لم تعد الجماعة قادرة على ابتلاع الفرد، ولم يصبح الفرد قادراً على الاستغناء عنها.
لذلك لا تحكي هذه الروايات موت الجماعة، وإنما تحولها. كانت الجماعة تحيط بالإنسان من الخارج، ثم أخذت تستقر داخله في صورة ذاكرة وذنب وحنين وخوف من نظرة الآخرين.
وربما تكون تلك إحدى مفارقات تونس المعاصرةأنه كلما اتسعت مساحة الفرد، لم تختف الجماعة؛ صارت أكثر خفاء. وكلما أصبح الإنسان أكثر حرية في اختيار حياته، بات أكثر وحدة في تحمل تبعاتها.
تونس بعد الثورة: حين خرجت "هلوسات ترشيش" إلى الشارع
-
لم تعد أزمة نظام سياسي فقط بل أزمة ثقة في القدرة على صنع المستقبل
لم تكن الثورة التونسية خروجاً مفاجئاً من الصمت، بقدر ما كانت اللحظة التي ظهرت فيها، دفعة واحدة، تشققات مجتمع ظل طويلاً يخفي قلقه تحت صورة الاستقرار.
خرج إلى الشارع شباب الجهات الداخلية والعاطلون وأبناء الطبقات التي وعدتها المدرسة بالارتقاء ثم وجدت مسالك الصعود تضيق أمامها. وما كان يُعاش داخل البيوت والمقاهي بوصفه إخفاقاً شخصياً تحول، للحظة، إلى تجربة جماعية اسمها الظلم. بذلك استعادت تونس شيئاً من "ترشيش" حسونة المصباحي: بلاد يتحرك أبناؤها على هامش الأمكنة، مسكونين بإحساس غامض بأن الحياة الممكنة توجد دائماً في مكان آخر.
لم يكن الهامش عند المصباحي مجرد جغرافيا؛ كان موطن الذين ظلوا خارج الحكاية الرسمية للنجاح والتحديث. لكن الثورة التي أعادت للفرد صوته لم تستطع أن تمنحه مستقبلاً بالسرعة نفسها. تحررت الكلمات، تعددت إمكانات التعبير والمشاركة، وتغيرت علاقة التونسي بالسلطة والسياسة، فيما ظلت شروط الحياة اليومية أكثر مقاومة للتغيير. البطالة والتفاوت بين الساحل والداخل وهشاشة الطبقات الوسطى وانسداد الترقي الاجتماعي استمرت في تشكيل التجربة اليومية.
من هنا تغيّر معنى المستقبل نفسه: لم يعد وعداً مضمونا بالتقدم، لكن أصبح احتمالاً مفتوحاً على القلق. وشيئاً فشيئاً تحولت الهجرة من مغامرة فردية إلى مخيال جماعي؛ لم يعد السؤال دائماً كيف يمكن إصلاح البلاد، بل كيف يمكن العثور على حياة خارجها. البحر، في هذا السياق، لم يعد حداً جغرافيا، بل صار واحداً من أكثر رموز المستقبل حضوراً.
وهذا ما يجعل عالم المصباحي قريباً على نحو مقلق من تونس ما بعد الثورة. شخصياته تبحث غالباً عن مخارج شخصية حين يعجز العالم المحيط بها عن تقديم أفق مشترك: السفر، الحب، المقهى، الجسد، الذاكرة، أو الانكفاء على الذات. وبعد الثورة أصبحت هذه النزعة أكثر وضوحاً اجتماعياً. فعندما تضعف قدرة السياسة على إنتاج معنى مشترك، يتحول الخلاص إلى مشروع فردي. يتعلم الشاب لغة أجنبية لكي يغادر، تبحث الأسرة عن مستقبل أبنائها في مكان آخر، ويصبح النجاح مرادفاً للقدرة على الإفلات.
في الوقت نفسه يتسرب العنف إلى الحياة اليومية في صور أقل صخباً من العنف السياسي: توتر في العلاقات، خشونة في اللغة، نزاعات صغيرة، إحساس متزايد بالمنافسة، وانخفاض القدرة على احتمال الآخر. إنه عنف مجتمع يخشى أن تكون موارده أقل من طموحات أبنائه.
أما الديمقراطية، فقد دخلت هي الأخرى في قلب هذا الإرهاق الاجتماعي. لم يكن التعثر نتيجة نقص في الحرية وحدها، ولا دليلاً على نفور ثقافي من الديمقراطية، وإنما ظهر أساساً من الهوة التي اتسعت بين الوعود السياسية والتجربة المعيشة.
تعددت الانتخابات والحكومات والائتلافات، لكن الحياة اليومية لم تتغير بالقدر الذي انتظره الناس. وبمرور السنوات، فقدت السياسة شيئاً من سحرها الأول؛ تحولت من مجال للأمل إلى مشهد متكرر من الصراعات والمساومات والعجز عن الحسم.
-
تعددت الانتخابات والحكومات والائتلافات لكن الحياة اليومية لم تتغير بالقدر الذي انتظره الناس
ومع تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات، بدأ جزء من المجتمع يبحث عن الفاعلية أكثر من بحثه عن التمثيل، وعن الاستقرار أكثر من انجذابه إلى تعقيدات التعدد السياسي. هكذا انكمش ذلك الحماس الجماعي الذي صنعته الثورة، وعاد المواطن شيئاً فشيئاً إلى مسافته القديمة من السياسة.
لم تعد الأزمة، عندئذ، أزمة نظام سياسي فقط، بل أزمة ثقة في القدرة على صنع المستقبل. إذ بعد سنوات من الانتقال المضطرب، دخلت تونس في 25 تموز/يوليو عام 2021 مرحلة مؤسسية جديدة، حين أعلن الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت إقالة رئيس الحكومة وتعليق عمل البرلمان، قبل أن يُحل البرلمان لاحقاً.
وفي 25 نموز/يوليو عام 2022 أُقر دستور جديد عبر استفتاء، أعاد تشكيل النظام السياسي ومنح رئاسة الجمهورية صلاحيات أوسع مقارنة بدستور 2014. صار المجال العام أقل اتساعاً مما بدا عليه في اللحظة الأولى، وأصبحت الدولة أكثر حضوراً في تنظيم الحياة السياسية، بينما بدت الوسائط التقليدية، من أحزاب ونخب وتنظيمات، أضعف في إنتاج معنى جماعي مقنع.
وفي مقابل الحماسة التي جعلت الشوارع تمتلئ عام 2011، نشأ نوع من التعب السياسي: رغبة في أن تستعيد الحياة إيقاعاً مفهوماً، وأن تتوقف البلاد عن العيش في حالة انتقال دائم. وهنا لم تختفِ الديمقراطية دفعة واحدة؛ تآكل بريقها الاجتماعي عندما لم تعد مرتبطة، في المخيال اليومي، بتحسن ملموس في شروط العيش.
تغيّر معنى المستقبل نفسه: لم يعد وعداً مضمونا بالتقدم، لكن أصبح احتمالاً مفتوحاً على القلق. وشيئاً فشيئاً تحولت الهجرة من مغامرة فردية إلى مخيال جماعي؛ لم يعد السؤال دائماً كيف يمكن إصلاح البلاد، بل كيف يمكن العثور على حياة خارجها. البحر، في هذا السياق، لم يعد حداً جغرافيا، بل صار واحداً من أكثر رموز المستقبل حضوراً.
هكذا تعود "هلوسات ترشيش"، لا باعتبارها نبوءة عن تونس، وإنما صورة أدبية تساعد على فهم تيهها. مجتمع خرج من يقين قديم ولم يعثر على يقين جديد؛ عرف لحظة نادرة شعر فيها الفرد أنه جزء من "نحن" جماعية، ثم أخذت تلك الـ"نحن" تتفتت أمام الاقتصاد والهجرة والخوف والخيبة.
ما كان عند حسونة المصباحي حيرة شخصية أصبح مزاجاً اجتماعياً أوسع: الإنسان الذي لا يعرف هل يبقى أم يرحل، يثق أم يحذر، ينتظر أم يبحث عن مخرج منفرد.
تونس ما بعد الثورة ليست مجتمعاً بلا رغبات، بل آخر كثرت رغباته وندر اليقين بالطريق إليها. ولعل أعمق أزماتها ليست أنها فقدت حلم الديمقراطية بالكامل، وإنما أنها فقدت، تدريجياً، الثقة في أن السياسة وحدها قادرة على منح ذلك الحلم شكلاً لحياة مشتركة.
