تفنيد ادّعاءات الحركة الصهيونية في كتاب "أساطير الصهيونية" لـ جون روز
يصف الكاتب محاولة بن غوريون تغيير ما جاء في التوراة لجهة تناسب السياسة التي يروّج لها مما يؤكّد إساءة استخدام الصهيونية للكتاب المقدّس، والفترة التاريخية التي يزعمون أنّ الكتاب المقدّس يتحدّث عنها.
-
تفنيد ادّعاءات الحركة الصهيونية في كتاب "أساطير الصهيونية" لـ جون روز
لا يتعلّق الأمر بالأساطير الميثولوجية المعروفة والتي شكّلت الإرث الثقافي الماضي لشعوب المنطقة، وإنما لتلك المزاعم التي ادّعتها الصهيونية والتي من كثرة تكرارها تثبّتت وكأنها حقيقة في أذهان المنتمين للديانة اليهودية. فالأسطورة وفق "جون روز" في كتابه "أساطير صهيونية" مفهوم ذائع الانتشار لكنه مزيّف وغير حقيقي والصهيونية مبنية على حشد من الأساطير، ويقوم بتفنيدها واحدة في إثر أخرى وهي التي اعتمدت عليها السياسات الصهيونية الاستعمارية وأيدولوجياتها، فقد صرّح بن غوريون بنفسه أنّ الأسطورة تصبح حقيقة إذا تبنّاها الناس وآمنوا بها بقوة، فهو يدّعي مثلاً أنّ الكتاب المقدّس فوّضه بإعلان "الدولة" اليهودية.
كما يستذكر المعاناة اليهودية المتعلّقة بأسطورة النفي المذكورة في الكتاب المقدّس والتي تعود إلى ما يقارب ألفي سنة ميلادية، والحقيقة أنّ وقت سقوط المعبد المزعوم في القدس سنة 60 ميلادية كان أغلب اليهود يعيشون خارج فلسطين.
فقد جاء في الكتاب المقدّس أنّ "مملكة داوود وسليمان" 1000 ق. م هي ذاتها مملكة إسرائيل الممتدة من نهر الفرات ببلاد الشام حتى تخوم سيناء في مصر متطابقة مع الوعد الذي أعطاه الرب للنبي إبراهيم، وقد حاول علماء الآثار البحث في أراضي فلسطين مدة طويلة من دون أن يحظوا بأيّ أثر لادّعاءاتهم الكاذبة" ، إذ إنّ بن غوريون ذاته صرّح "أنه ليس مهماً إذا كانت القصة تسجيلاً لحدث أم لا، لكنّ المهمّ أنّ هذا ما يعتقد به اليهود"، وذلك من خلال التلاعب بالأساطير لما يناسب الأطماع الصهيونية وخاصة عندما قالوا بأنّ الأسطورة تقارب التاريخ أو هي شكل من أشكاله.
فقد كان المذكور مؤمناً بالعلم والعلمانية وقد أنكر مركزية الدين في القومية اليهودية الحديثة وأنّ روابطها هي علاقة الشعب بأرض الوطن واللغة العبرية والرابطة المسيحية بالخلاص وقبل الخلاص يجب إعادة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة.
ورغم ذلك حاول استغلال لغة الكتاب المقدّس والإيمان المسيحي كي يبرّر استيلاءهم على أرض فلسطين في محاولة لاستثمار الدين في لعبته السياسية وهو المدّعي للعلمانية في تناقض صارخ وفاضح.
كان المفكّر "مارتن بوبر" وسواه من المفكّرين اليهود يتبنّون فكرة دولة للشعبين العربي واليهودي في تشاركيّة السلطة، وقد أدان مفكّر آخر أن تقوم الدولة بعمليات قتل للفلسطينيين في إثر مزاعم دينية وما يدّعيه بن غوريون بأنّ الفلسطينيين يعمدون إلى الإساءة بحقّ الأرض المقدّسة، وأنّ الأرض كانت جرداء إلى أن وفد العبرانيون الجدد، وقد وصفه "إسحق دويتشر" بأنه روح شريرة للشوفينية الإسرائيلية. فمن الواضح أنه في القرن التاسع عشر كانت هناك مساحات كبيرة من فلسطين عرفت الزراعة منذ وقت بعيد وأجيال بعد أجيال، وما المستوطنات الزراعية القليلة الموجودة إلا أراضٍ اشتراها اليهود من الملّاك العرب الغائبين.
ويصف الكاتب محاولة بن غوريون تغيير ما جاء في التوراة لجهة تناسب السياسة التي يروّج لها مما يؤكّد إساءة استخدام الصهيونية للكتاب المقدّس، والفترة التاريخية التي يزعمون أنّ الكتاب المقدّس يتحدّث عنها، فما يدّعيه بأنها إسرائيل القديمة أو "مملكة داوود وسليمان المتحدة" كان اسمها قبل ألفي عام في تلك الفترة "أرض كنعان"، والآثار التي تمّ اكتشافها كنعانية وليست إسرائيلية، والأهمّ أنه لم تسفر التنقيبات والأحفورات الأثرية عن أيّ دليل لوجود ما يثبت وجود داوود أو سليمان أو أيّ تاريخ إسرائيلي، وتمّ نفي فكرة أيّ عبور أو أيّ وجود لموسى أو إبراهيم أم يوشع وأيّ وجود لمملكة كبيرة.
تتجاهل الحركة الصهيونية المكوّن العربي الإسلامي في التاريخ اليهودي، كما تقوّض أسس المصالحة العربية واليهودية في إنكار للعلاقات الجيدة التي سادت في الماضي، فقد عملت الصهيونية على التضارب والبعد بين العرب واليهود رغم التاريخ المسالم الذي ربط بينهما في إسبانيا الإسلامية، فأثناء الحكم العربي في الأندلس كانت العلاقة بين اليهود والعرب في فترتها الذهبية، وهنا نتأكّد أنه ما من عداء تاريخي بين العرب واليهود كما تظهره الكتب الصهيونية الدينية الحالية التي زوّرت تاريخ اليهود عندما عادت لاستثمار "خرافة داوود وجالوت" ليتمّ إسقاطها على عداوة بين اليهود والفلسطينيين، ويبرّروا سرقة أراضي الفلسطينيين واضطهادهم.
كذلك عرف عن تعيين "يعقوب بن كلس" اليهودي وزيراً في الدولة الفاطمية كما وثّقتها وثائق الجميزا التي دوّنت أخبار الجماعة اليهودية في مصر، وعندما استولى الصليبيون على القدس ذبحوا اليهود والمسلمين فيها، وعندما حرّرها صلاح الدين بعد ذلك دعا اليهود للعودة إليها، وقد كان "فيلون السكندري" الفيلسوف اليهودي مشبعاً بالثقافة الهلينستية وهو وإن كان اعتبر فلسطين أرضاً مقدّسة لكنه لم يعتبر أنها الوطن، فالوطن وفق تعريفه "هو المكان الذي ولد فيه المرء وتعلّم في رحابه"، وقد صوّر الحج إلى معبد القدس باعتباره امتحاناً قاسياً يجبر المرء على التخلّي عن الوطن والعائلة والإقامة في أرض غريبة، ومنذ ألف عام كانت الجماعة اليهودية في الإسكندرية مندمجة بالمجتمع وقد خدم اليهود في مختلف مراتب الجيش الإغريقي الإسكندري إلى درجة أنّ اليهود المصريين تخلّوا عن العبرية والآرامية وأنتجوا أدباً باللغة اليونانية، وقد اعتنقت زوجات عدد من الدمشقيين اليهودية وكذلك في أنطاكيا.
تستند الصهيونية على مقولة نفي اليهود وتعتبرها خاصيّتهم المميّزة، حيث يشكّل مشهد عشرات الآلاف من اليهود يساقون خارج موطنهم في الشتات اليهودي المشهد المؤثّر لديهم في الوجدان اليهودي لشحذ الشعور وشحن الأحقاد.
الأسطورة الأخرى التي يسوّقون لها أنّ أرض فلسطين هي أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض، والحقيقة أنّ هذه المقولة منافية للحقيقة فشعب فلسطين موجود وقائم وتعرّض للتهجير والإبادة والطرد منذ أن حلّت العصابات الصهيونية وأتباعها فيها.
فمقولة أرض إسرائيل أسطورة دينية، فمنذ ألفي عام كان هناك ثلاثة أجزاء جغرافية بنت الصهيونية مزاعمها عليها وهي:
"السامرة ويهودا والجليل"
فالسامرة تكشف عن التصدّع في الادّعاء الصهيوني فهي ليست لها روابط مع "إسرائيل" الحديثة أو اليهودية الحديثة وهم ليسوا عرباً ولا إسرائيليين، وكان بينهم عداء في القرن الأول مع مملكة يهودا لأنهم يرفضون الاعتراف بمعبد القدس، وإنما مقر عبادتهم كان على جبل جرزيم، ويعارضون اليهود في أن تكون أورشليم مركزاً للعبادة، وسبق أن تعرّضوا لمذبحة بأمر من الإمبراطور الروماني "فيسباسيان"، أما الجليل فقد كانت محكومة بشكل منفصل عن مملكة يهودا كونهم مكتفين اقتصادياً وهم فلاحون مناطقهم خصبة وقد كانوا يوصفون بأنهم غير متعلّمين دينياً إلى درجة أنّ عداءهم لهم كان أشدّ من عدائهم مع الوثنيين.
كان اليهود أصحاب حرف وتجارة ومنهم جماعة من المرابين والصيارفة، وقد كانت حركة الإصلاح الديني اللوثرية تكنّ العداء الكبير لهم نتيجة منافسة التجار اليهود للتجارة المسيحية وخصوصاً استيراد الأقمشة.
ويرى "كارل ماركس" أنّ بقاء اليهود من عهد الرومان مبنيّ على دورهم الاقتصادي وتحوّلهم إلى طبقة من التجار، وهذا بحدّ ذاته كان حافزاً على اعتناق اليهودية، وقد كانت لهم مكانة مميّزة في العصور الوسطى ومنحوا مساحة من الحركة التي تقتضيها التجارة مما ساهم بزيادة ثرائهم، وكانوا في بعض الأحيان ضحية لبعض الحروب الصليبية التي قاوموها بالسلاح، إذ كانت تلك الحروب تعبيراً عن إرادة التاجر المسيحي لشقّ طريق إلى الشرق، وقد ازداد نشاط ازدراء اليهود في ألمانيا النازية نتيجة انحسار الديمقراطية، والمفارقة أنهم يذكرون حقّهم بالديمقراطية وينكرونها عن سواهم ويدّعون أنّ لهم الحقّ في الأرض وحدهم.
الحقّ التاريخي والديني بأرض فلسطين "وعدهم به إبراهيم الخليل" على حد زعمهم، وحقّهم بتقرير مصيرهم على حساب تهجير السكان الأصليين، والزعم القائل بأنّ فلسطين أرض بلا شعب تناسب مقولة شعب بلا أرض ومناسبة لإحلال هذا الشعب في تلك الأرض الفارغة، وخاصة مع الزعم القائل بأنها أرض أجدادهم مما يستدعي السؤال هل اليهود لا أرض لهم فعلاً وأنها كانت أرض قاحلة ومهملة؟
لقد مارس صانعو الخرائط الصهاينة تزييفاً كبيراً عندما قاموا بالتعمية على قرى الفلاحين الفلسطينيين، إذ يذكر أحد المفكّرين أنه في القرن التاسع عشر كان هناك نحو ثلاثمئة قرية في نابلس وحدها على طول السهل الساحلي من حيفا إلى يافا، وفي الغرب إلى عجلون والبلقاء وراء نهر الأردن في الشرق.
رمزية الزيتون تذكّر أهل فلسطين بزمن كانوا فيه أحراراً وليسوا تحت الاحتلال، وهذا يقوّض الفهم الاستشراقي بأنّ السكان من البدو الرحّل ويعيشون في الصحراء.
فقد اعترف كاتب يهودي شهير "احاد-هاعام" بعد زيارته لفلسطين سنة 1891 أنه من الصعب أن تجد أرضاً غير مزروعة بأيدي الفلاحين العرب، وقد تمّت إزاحتهم عن طريق شراء الأراضي بدعم من الحكومة العثمانية آنذاك، وبعدها نشأت حركة تحرّر وطني عندما هيمنت بريطانيا على أرض فلسطين وما تبعها من وعد بلفور السيّئ الذكر.
كذلك كان ضغط قياصرة روسيا على اليهود بموضوع التجنيد وتلقّي الجنود تعاليم الديانة المسيحية، وعندما اشتدّ ضغط الفلاحين على طبقة الملّاك حاولت هذه الطبقة توجيه الاحتقان ضدّ اليهود الذين كانوا مكروهين من القياصرة وكبار العسكريين إلى درجة التسهيل لقيام مجزرة ضدّهم، هذا الواقع هيّأ للتعاطف مع الفكر الصهيوني الناشئ وتشوّقهم لوطن بديل، وحتى الحركات التي تحمل بعداً اشتراكياً والتي تظهر بالشكل الخارجي بأنها ذات توجّه ماركسي ولكن كانت بالفعل تصبّ في مشاعر وسلوك معادٍ للعرب، وكانت الأموال تدفع لاستبعاد العمّال العرب من عملية الإنتاج لضرب إمكانية التقارب بين العمال العرب واليهود، وقد كان المنظّرون الأصليون للصهيونية وعلى رأسهم "تيودور هرتزل" قد حوّلوا الشعور بالعزلة الذي فرضته معاداة السامية إلى فضيلة.
لنأتِ إلى السؤال التالي هل هم شعب بلا أرض، ثمّة ثلاث طرق أمام اليهود؛ أوّلها الهجرة إلى أميركا، أو الهجرة إلى فلسطين وهناك فكرة التحرّر بالنضال لإسقاط حكم القياصرة، ورغم أنّ الثورة الروسية بشعاراتها ما يوفّر لليهود الحرية ولكنّ سنوات القمع الطويلة في الفترة الستالينية أعادت إليهم الشعور بأنهم منبوذون مما أسفر عن خروج نحو مليون منهم في إثر سقوط الاتحاد السوفياتي بالهجرة مجدّداً إلى فلسطين، فكلّ فئة منهم مهاجرة تنتمي إلى المكان الذي ولدت فيه بحكم تاريخها وولادتها فيه والدليل وجود أعداد كبيرة في أوروبا بقيت في أوطانها ولم تستجب للدعاية الصهيونية.
الرؤية الصهيونية للتاريخ أنّ اليهود في كلّ أصقاع الأرض جماعات لا حول لها ولا قوة ويتعرّضون للاضطهاد أينما حلّوا، ولا شيء سوى الدعوة للعودة إلى فلسطين بعد ثمانية عشر قرناً من المعاناة يمكن أن يوقف تلك المعاناة وفق "تيودور هرتزل"، متناسين حقيقة أنهم يبدّلون الأدوار من موقع الضحية إلى موقع الظلّام ويبنون حياتهم على حساب حياة ومستقبل شعب آخر هو الشعب الفلسطيني.