تحسّباً للكوارث البيئية والنووية... هل النجاة للأثرياء فقط؟
في خضمّ حروب قد تنزلق إلى كوارث نووية، لماذا تبقى الملاجئ حكراً على الأثرياء؟ وهل باتت النجاة امتيازاً طبقيّاً لنخب تتحمّل هي نفسها فساد العالم؟
في ظلّ التحوّلات العميقة والمتعدّدة الأبعاد التي يشهدها النظام الدولي، من تصاعد النزاعات الإقليمية إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي وتسارع الأزمات البيئية، يبرز تحوّل نوعي في سلوك النخب المالية والسياسية في العالم، أو لعله انكشاف لحقيقة لم تكن ظاهرةً للعيان من قبل كما هي الآن.
هذا السلوك الذي تحوّل في رهانه المركزي من إدارة المخاطر الجماعية إلى تأمين النجاة الفردية، متصل كما هو ظاهرٌ بميلٍ نفسي عزّزه النمط الاقتصادي العالمي الدارج منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي على الأقل، وهو ميل إلى الفردانية في كلّ شؤون الحياة.
لقد تحوّل الرهان المركزي للنخب إلى الدوران حول الفرد في كلّ شيء، حتى في النجاة من الحروب والأزمات. هذا التحوّل يكشف انزياحاً من منطق الدولة الحديثة بما هي ضامن للأمن العامّ، إلى منطق التحصّن الخاصّ الذي يعيد تعريف البقاء نفسه كسلعة.
في هذا الإطار، وفيما يتكاثر الحديث عن احتمالات أن يؤول العدوان المفتوح على إيران، أو الصراع الكبير بين روسيا والغرب في أوكرانيا إلى خيارات مجنونة، تداولت وسائل إعلام غربية أنّ عدداً من مشاهير العالم، بدأوا على خطى آخرين قبلهم، بشراء ملاجىء تحميهم من مآسي ورعب "نهاية العالم".
هكذا عادت ظاهرة الملاجئ الفاخرة إلى البروز مجدداً بوصفها جنة محجوزة للأثرياء إزاء الخراب العظيم خارجها، وإلى سوق نجاة "راقية" كقطاعٍ اقتصادي متكامل. هذه الظاهرة تحمل دلالات سوسيولوجية عميقة تتصل بإعادة تشكيل العلاقة بين النخبة والمجتمع.
من الحماية العامّة إلى النجاة الخاصّة
-
تظهر الأحداث تراجع قدرة الدول على إدارة الأزمات المركّبة
في النظرية السياسية الكلاسيكية، تقوم الدولة على احتكار العنف المشروع مقابل ضمان الأمن. غير أنّ التحوّلات المعاصرة تشير إلى تآكل هذا الاحتكار، وتظهر الأحداث تراجع قدرة الدول على إدارة الأزمات المركّبة، بموازاة تزايد عدم الثقة في المؤسسات وصعود الفاعلين غير الدولتيين.
وتشير تحليلات صادرة عن "شاذام هاوس" ومؤسسة "كارنيغي" إلى أنّ الأزمات المتداخلة، من حروب، أوبئة وتغيّر مناخي، أدّت إلى ما يُسمّى بـإجهاد الدولة، حيث تفقد الدولة تدريجاً قدرتها على الاستجابة الشاملة. ما يخلق حالةً من الفراغ تتحرّك فيها النخب نحو خصخصة الأمن الفردي عبر شركات أمنية خاصة وبنى تحتية محصّنة، وملاجئ ذاتية الاكتفاء. وهو ما يتلخّص بما أشرنا إليه من تحويل الأمن من حقّ عامّ إلى سلعة نادرة لمن يمتلك القدرة على توفير ثمنها.
"النجاة" بوصفها سلعة تُشترى
-
ملجأ قيد الإنشاء من تصميم "Atlas Survival Shelters"
في أحدث تصريحاته لوسائل إعلامية غربية، أكد رون هوبارد، مؤسس شركة "Atlas Survival Shelters"، أنّ الاستفسارات حول الملاجئ تضاعفت بشكل كبير، مشيراً إلى أنّ زبائنه يشملون أثرياء ومديرين تنفيذيين، بل وحتى مسؤولين حكوميين.
وتحدّث هوبارد عن طلبات من أعضاء في إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من دون الكشف عن أسمائهم، فيما تتحدّث تقارير عن أسماء معروفة كمارك زوكربيرغ، وسام ألتمان، وريد هوفمان، وجيف بيزوس، وبيل غيتس، وغيرهم ممن يمتلكون عضوية في "شبكة الملاجئ الفاخرة" في جزر ومدن حول العالم.
وقال إنّ أسعار هذه الملاجئ تتراوح بين 20 ألف دولار للوحدات البسيطة، وصولاً إلى أكثر من 5 ملايين دولار للمنشآت الفاخرة القادرة على تحمّل الضربات الصاروخية وصولاً إلى التداعيات النووية.
تحوّل سلوك النخب من إدارة المخاطر الجماعية إلى تأمين النجاة الفردية، بما يعكس انزياحاً من منطق الدولة الضامنة للأمن العام إلى منطق التحصّن الخاص.
وتشير تقارير إعلامية أخرى أيضاً إلى ازدهار صناعة الملاجئ الفاخرة بوتيرة متسارعة، مدفوعةً بعوامل تصاعد التوترات الجيوسياسية في غير إقليمٍ من العالم، والقلق من الانهيارات المالية والاقتصادية، والتي تنتشر معالمها الواضحة، بموازاة التوترات المشار إليها، وبزخم الأرقام الكارثية التي تسجّلها الكثير من الاقتصادات في الغرب والشرق على حدٍ سواء، كما في اليابان ودول الجنوب الأوروبي وحتى في قلب أوروبا. إلى جانب المخاوف من الاضطرابات الاجتماعية الواسعة الناجمة عن أزماتٍ مستمرة، كالهجرة والبطالة وانعدام التناغم الاجتماعي على وقع التباطؤ الاقتصادي، وهذه حالة العديد من الدول في أوروبا الغربية.
هذه المعطيات المشحونة بالقلق، تظهر في موضوع الملاجئ التي لم تعد مساحة طوارئ تهدف إلى تأمين الحياة للناس، بل تحوّلت إلى مدن مصغّرة تحت الأرض مزوّدة بأنظمة ذكاء اصطناعي، وقادرة على الاكتفاء الذاتي لأشهر أو سنوات.
وتقدّم هذه الملاجئ التي تعتمد نموذج الاشتراك، خدمة العضوية المغلقة، إلى جانب خدماتٍ طبية ونفسية، وإدارة متكاملة للموارد، ما يعكس انتقالاً من مفهوم الملجأ، إلى مفهوم نظام الحياة البديل.
البنية النفسية للهاربين
-
بنى مارك زوكربيرغ مجمّعاً ضخماً في هاواي يحتوي على ملجأ تحت الأرض
يعمل الخوف من المجتمع، مهما كان مصدره، كمحفّزٍ إلى هذا السلوك، حيث إنّ النخب لا تخاف فقط من الكوارث الطبيعية أو الحروب، بل من الانفجار الاجتماعي والتمرّد الطبقي الذي بالنسبة إلى هذه الفئة، قد يطلق وحشاً يلتهم الامتيازات، ومن الممكن أن يلتهم حياة المترفين أيضاً.
وربما يلوح في هذا الفهم الذهني نموذج يشبه ممارسات الثورة الفرنسية، وما تضمّنها وتبعها من أحداث. وهذا مرتبط في دول الرفاه بتدفّقات اللاجئين والمهاجرين، وينعكس في النقاش العامّ تحت بند الدمج والتناغم الاجتماعي، إلى جانب خوف النخب من وصول حالة الانهيار في النظام الاقتصادي التي قد تدفع بأمواجٍ بشرية للبحث عن المسبّب، بينما ملف الكثير من النخب، أسود في هذا السياق. هكذا يصبح الملجأ أداة لحماية النخبة من العالم الذي ساهمت في تشكيله.
لكن الثروة تحمل أيضاً معها تنامياً في القلق الوجودي، حيث إنها كلما زادت، زاد معها الشعور بالهشاشة والخوف من فقدان الامتياز، والحاجة إلى العزل والانعزال في "نوادٍ" مغلقة لا يسمح فيها للعابرين من حالٍ إلى حال، وتبعاً لذلك، من مكانٍ إلى مكان. وهذا ما تصفه الأكاديميا بأنه "مفارقة الامتياز" Paradox of Privilege، حيث يتحوّل الامتياز نفسه إلى مصدر قلق دائم.
النخبة كمسبّب للأزمات
من منظور سوسيولوجي نقدي، لا يمكن فصل سلوك النخب عن دورها في إنتاج الأزمات، فهي في الاقتصاد العالمي مركز الثروة، وفي الوقت نفسه الأكثر ميلاً إلى دعم ومناصرة السياسات التقشّفية، وخصوصاً تلك التي تطال التقديمات الاجتماعية ومظلات الأمان الاجتماعي، وهي مصدر هشاشة الأسواق في ما تنتهجه من ممارسات في إطار نشاطها.
وهناك ميل على نطاق واسع في الدراسات التي تتركّز حول عدم المساواة، إلى تأكيد أنّ النخب تنحو باتجاه رفض الحلول المستدامة للتلوّث البيئي والتغيّر المناخي، واستنزاف الموارد الطبيعية التي هي حقّ لكلّ البشر، وفق مفهوم التنمية المستدامة، الذي تطوّر من خلال نضالات طويلة وصعبة للشعوب وللنقابات، وللقوى المدافعة عن الحقوق الجماعية.
لم تعد الملاجئ مجرد وسيلة طوارئ، بل تحوّلت إلى مدن مصغّرة تحت الأرض، مزوّدة بأنظمة متطورة وقادرة على الاكتفاء الذاتي، تعكس انتقال مفهوم النجاة إلى سلعة تُشترى.
وبما أنّ الاقتصاد العالمي يسير باتجاه تعظيم موقع التكنولوجيا، فإنّ النخب تدفع باتجاه تسريع الاستثمار والتطوير في سوق الذكاء الاصطناعي من دون أطر تنظيمية، وكذا باتجاه معاكس للجهود التي تسعى إلى تنظيم هذا القطاع وإبقائه في حدود المصلحة الإنسانية، وقولبته في أطرٍ بشرية أخلاقية، لا تقتصر على الربح، الذي تسمّيه هذه الفئة: النمو.
وقد تحوّل النمو في قاموس الاقتصاد العالمي في العقود الأخير إلى إلهٍ أرضيٍ يعبد من دون القيم التي راكمها البشر ودفعوا في سبيلها ملايين الأرواح، ما أدّى إلى إضعاف سوق العمل، وانتهاك مصالح العمال، الذين يقف عليهم عماد الاقتصادات كلّها. وهنا تتجلى مفارقة أخرى. النخبة تهرب في أوقات الأزمات من عالم ساهمت في جعله غير قابل للحياة.
الملاجئ كرمز طبقي
-
تتراوح تكلفة الملجأ بين 20 ألف دولار للوحدات البسيطة وصولاً إلى أكثر من 5 ملايين دولار
تعيد الملاجئ من هذا النوع إلى إنتاج الطبقية بصورةٍ مختلفة، وتعمّقها، إذ إنّ من يملك المال، هو الذي يُمكّن من امتلاك الحياة، بينما من لا يملكه، يترك لمصيره. ويؤدّي ذلك بدوره إلى تشكيل مجتمعين متوازيين ومنفصلين عن بعضهما البعض، الأول متوتر وهشٌ فوق الأرض، والأخر محصّن ومغلق، تحتها. وهذا يعيدنا إلى مفهوم الطبقة المنفصلة (Secluded Class) في علم الاجتماع الحضري.
في المقابل، تبقى الأغلبية في مواجهة مباشرة مع الأزمات مثل الحروب والانهيارات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والبيئية، لأنّ الفئات الأكثر عرضة للمخاطر هي الفئات الأقل دخلاً، والأقل قدرة على التعافي. ولا يتجلّى ذلك في أوقات بقدر ما يظهر في الحروب بوجهه القاسي والبشع، حيث تملك النخب خيار المغادرة أو الاختباء، بينما يبقى عامّة الناس غير قادرين على تحمّل الكلفة البشرية المباشرة.
تعيد الملاجئ الفاخرة إنتاج الطبقية بشكل أكثر حدّة، حيث يمتلك الأغنياء وسائل النجاة، بينما تُترك الأغلبية لمواجهة الأزمات وحدها.
هكذا تتحوّل الحرب إلى آلية فرز طبقي ينتج الدمار ويعيد ترتيب الطبقات، ويعمّق الفوارق في ما بينها، ويحدّد من ينجو، ومن لا يحقّ له النجاة بسبب انخفاض قدرته المالية. إنها الداروينية الاجتماعية الجديدة المعرّفة بمفهوم "البقاء للأغنى".
إنّ انهيار فكرة التضامن التي كانت تاريخياً محور اللحمة الداخلية في الحروب الكبرى، كما في الحرب العالمية الثانية مثلاً، تبدو اليوم في خطر كبير. ذلك أنّ تفكّك الروابط الاجتماعية، وصعود الفردانية القصوى وتراجع مفهوم المصير المشترك، ملامح تختزنها كلّها فكرة الملاجئ الفاخرة، التي تمثّل ذروة هذا التحوّل، من المسؤولية الجماعية عن النجاة، إلى مشروعٍ فردي مغلق.
هل تنجح استراتيجية الهروب؟
-
لا يمكن فهم ظاهرة الملاجئ الفاخرة بمعزل عن تحوّلات أعمق وأزمات متوازية ومتزامنة
رغم كلّ هذه الاستثمارات، تطرح الأدبيات النقدية عدة إشكاليات، منها على سبيل المثال استحالة العزل الكامل في عالم نظامه مترابط، يصعب فيه احتواء الانهيار الشامل. ثم إنّ الأنظمة المغلقة هشّة بطبيعتها، والملاجئ هنا تعتمد على التكنولوجيا والموارد، والبشر، الذي هم الحرّاس والمهندسون والعاملون لجعل هذا المكان آمناً وصالحاً للنجاة.
هذه كلّها عوامل قابلة للانهيار أيضاً. وإلى جانب ذلك، يخشى الأثرياء من تمرّد الحرّاس دائماً، ومن انهيار النظام الداخلي لفقاعتهم الآمنة.
إنّ الواقع الراهن، يشير إلى أننا أمام مفترق تاريخي حيث يتعمّق الانقسام الطبقي، بين نخبة محصّنة وأغلبية هشّة، أو السيناريو الآخر، وهو إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي عبر الضغط الذي يعيد الاعتبار إلى المشترك العامّ.
ولا يمكن فهم ظاهرة الملاجئ الفاخرة بمعزل عن تحوّلات أعمق وأزمات متوازية ومتزامنة، وهي الأزمة التي يشهدها مفهوم الدولة، وتلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، أو الأزمة الأكثر عمقاً في معنى المجتمع نفسه.