بائع الكتب في غزة

بعد عقود من الاحتلال والحصار والحروب والإبادة، يخرج سمير منصور من بين الركام مجدداً، ليعلن أنه مستمر في مشروعه التنويري لأجل إيصال الصوت الغزي إلى العالم.

عمد الاحتلال خلال عقود طويلة إلى استهداف المثقفين والأدباء والنخب العاملة في المجال الإعلامي والفني، كما ظل يحاصر الكتب ويمنع إدخالها بشتى السبل، إلى درجة صار فيها تهريب الكتب يشبه تهريب المخدرات وربما أكثر خطورة. كما وصل الحال بالأدباء والكتاب إلى استخدام أسماء مستعارة لنشر القصص والروايات التي تتحدث عن واقع الحياة تحت نير الاحتلال في الصحف العربية، حيث ظل الاحتلال يمارس الاعتقال للنخب العاملة ومنعها من السفر، في محاولة يائسة لكتم الصوت الفلسطيني. 

وقد عانت غزة تحديداً من جراء ذلك الكثير، حيث تتوق إلى معارض الكتب، ورائحة الكتب التي غابت وباتت ترفاً في ظل الإبادة الحاصلة. 

ولأن الأمم لا يمكن أن تستسلم لأي احتلال، فإن المخيمات والقرى ظلت تقاوم بالكلمة، بالمنشورات والبيانات التنظيمية، بالقصائد والقصص، بالمجلات التي تصدر في لبنان وبلدان عربية أخرى، تطرق جدران الخزان لتوصل إلى العالم صوت المقهورين والمظلومين. 

كان من بين هؤلاء بعض دور النشر المحلية المتواضعة في حينه، مثل مكتبة سمير منصور، وكذلك مكتبة اليازجي، ثم لاحقاً مكتبة الهاني وغيرها من المكتبات التي شكلت دور الحاضنة للحالة الثقافية في قطاع غزة. 

اليوم، وبعد عقود من الاحتلال والحصار والحروب والإبادة، يخرج سمير منصور من بين الركام مجدداً، ليعلن أنه مستمر في مشروعه التنويري لأجل إيصال الصوت الغزي إلى العالم، من خلال نشر الأعمال الغزيرة الشابة، التي تضج بالحياة، وهي سابقة تفوقت على المؤسسة الرسمية المتمثلة بوزارة الثقافة، حيث قام الناشر منصور منذ سنوات عدة بتوقيع اتفاقيات مع الكتّاب الشبان الذين قضى بعضهم شهيداً في هذه الإبادة، ليقول للاحتلال إنه ماضٍ في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية، من خلال الأدب الذي سيظل هوية مهمة في حقب متعددة عاشها الفلسطيني في قطاع غزة خلال حقب مختلفة. 

وما زلت أذكر كيف قام الاحتلال إبان الحروب السابقة بتدمير المكتبة الوطنية في منطقة الكتيبة وسحقها بالكامل، رغم كونها مبنى ضخماً، كان معداً مسبقاً لاستقبال جميع الإصدارات الفلسطينية القديمة والحديثة. 

كما استهدف مركز ومؤسسة سعيد المسحال الثقافي للثقافة والفنون، لنصل لاحقاً إلى استهداف مكتبة سمير منصور وتدميرها بالكامل، حيث صارت الكتب مغمسة برائحة وطعم البارود، قتيلة في شارع الجامعة الإسلامية، تتناثر الأوراق وقد حملت قصائد نيرودا والبياتي والجواهري ودرويش، كتباً لغسان كنفاني بلا وجه، صفحات من أفكار غرامشي وكويلو وفوكنر وهمنغواي وبلزاك في الرمق الأخير، وروايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان وغيرهم. 

هكذا قام صديقي، الرجل المثقف غير المتعلم، سمير منصور، بالإعلان أمامي وأمام نخبة من أعلام الثقافة المحلية بأنه ماضٍ في مشروعه نحو صناعة الوعي والنهضة، وحمل الأمانة التي تقع على عاتقه كمثقف عضوي ملتزم بقضايا الأمة وحريص على إبراز أوجاع قطاع غزة إلى كل لغات الأرض من خلال نشر وترجمة الأعمال الفلسطينية الجديدة، لكتاب قطاع غزة المغمورين نتيجة الحصار والحروب، ونتيجة الفقر المدقع، وكذلك بسبب حالة التجاهل التي تتعرض لها الثقافة بشكل ممنهج للأسف، حيث إن ميزانية وزارة الثقافة لا تزيد على واحد في المئة من ميزانية السلطة الفلسطينية، على أعلى تقدير. 

وفوجئت قبل أيام باتصال من هذا الناشر الملهم، الذي تميز بجمال سحنته وروحه، ودماثة أخلاقه العالية، يخبرني أن ابنه محمد سمير منصور، قد انتهى من كتابة مادة أولى جديدة للنشر بعنوان "بائع الكتب في غزة"، والتي تتحدث عن حياة الناشر سمير عبد الرؤوف منصور، والمعاناة والحروب الخاصة التي خاضها في سبيل الدفاع عن الوعي والنهضة، وإنشاء دار نشر في ظل وجود الاحتلال الذي يقتل ويعتقل ويمارس كل أنواع الاضطهاد بحق الكلمة. 

ولأنني لم أقرأ الكتاب الذي صدر مؤخراً، كان لا بد لي ولغيري من أدباء قطاع غزة، الذين عرفوا معنى الحرمان، وذاقوا العلقم منذ نعومة أظفارهم في البحث عن كتاب يقرأونه أو دار نشر تهتم بهم، أن يشعروا بنشوة طباعة كتاب لزميل جديد لهم، خصوصاً أن الكاتب هو محمد سمير منصور، الذي كان لوالده الفضل الكبير في إبراز أصواتهم، حيث جاء سمير منصور كغيث من السماء، تبنى أعمالهم، وصعد بها إلى سدرة المنتهى، يقول للعالم: نحن هنا باقون، كلمة ومعنى، جسداً وروحاً، صوت الفلسطيني سيظل عالقاً في إطار القصيدة، كي يذكر كل الأحرار من أن هناك نماذج عظيمة مثل رفعت العرعير، ونور الدين حجاج، وهبة أبو ندى وآخرين، ما زالت وجوههم مطبوعة في مخيلتنا، وهم ينشدون القصائد، وينظمون الكلمات لتصير خيطاً معلقاً بين السماء والأرض، بها ندافع عن حقوقنا السليبة لعلها توقظ هذا العالم النائم. 

 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك