الهويّة ومهمّة فكّ الشعوذة الانعزالية

أن "تتهوّى" يعني أن تشترط لنفسك وضعاً انعزالياً داخل جماعة سياسية أو ثقافية أو دينية أو حتى لغوية. أما المجتمعات اليوم فتنخرط في أوضاع كوسموبوليتية وكونية، تعيد من خلالها تجميع شتاتها الثقافي واللغوي.

  • (هيبت بلعة بواب)
    (هيبت بلعة بواب)

في كلّ عقد يتجدّد السؤال عن الهوية، ويُفتح الحوار حول وظيفتها الراهنة، كما يُنظر إليها من مختلف الزوايا. فمسؤولية الدول القائمة في المشرق العربي، أو الهلال السوري الخصيب، قد تختلف وفقاً لمتطلّبات المرحلة وتحوّلات المجتمع، ما يقتضي التواصل مع الواقع وإيجاد حلول لمشكلاته، بدلاً من الدفع نحو مواجهات داخلية بين جماعات ترى كلّ واحدة منها نفسها "أمة مستقلة"، عوضاً عن تكريس مفهوم "المواطنة الحرّة".

لذلك فإنّ الكتابة في الشأن الهوياتي هي مشروع لتحرير العقل من الانسداد والدوغمائيات، كما يرى المفكّر والفيلسوف الجزائري، محمد أركون، في كتابه "قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟". 

وهي، في هذا المعنى، كتابة تحريضية ضدّ الدوغما، تهدف إلى تفكيك هيمنة الشعوذة الفكرية الانعزالية بتشكّلاتها الأيديولوجية داخل المجتمع.

ويتقاطع ذلك مع ما طرحه عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، الذي حاول تقديم تفسير واضح لمفهوم علم الاجتماع والفعل الاجتماعي، وصولاً إلى تحديد الفعل الاجتماعي وآثاره تحديداً علمياً. وقد عرّفه بأنه "سلوك إنساني هادف يمنحه الفاعل معنى ذاتياً، سواء كان هذا المعنى كامناً أم واضحاً". 

وعمّم فيبر هذا المفهوم على مختلف أشكال السلوك الاجتماعي للفرد الفاعل، الذي اعتبره وحدة التحليل الأساسية في المجتمع. 

محاولات تسطيح الوعي الجمعي

إنّ البحث عن خصائص الهوية الحضارية ودورها في صنع وحدة الحياة داخل المجتمع يقتضي طرح أسئلة محورية حول موقع النظام القائم في المجتمعات المتعدّدة، كمجتمع سوريا الطبيعية، في هذا التوقيت المنفتح على شتى الاحتمالات.

فهل سيتمكّن هذا المجتمع من نحت أسئلته ومفاهيمه الجديدة؟ أم إنّ النمطية التي فرضها النظام القائم في الإقليم السوري على التفكير وأنماط المعيشة ستبقى سارية، بما يؤدّي إلى إبقاء الأفكار معلّبة وقولبة أدوار النخب، إلى درجة لا يعود معها مجال للتبصّر المعرفي والإدراك الذهني لما تتطلّبه الهوية من معالجات جريئة على المستويات الفكرية والاقتصادية والحقوقية والاجتماعية والسياسية؟

قد تختلف الظروف والتحدّيات، لكن ثمّة مبادئ وقيم تضيف إلى حياة الإنسان، ويستحيل تجاهلها أو إيجاد بديل منها، مهما تقدّمت وسائل الإنتاج وتطوّرت التكنولوجيا. ومهمة المجتمع، بالدرجة الأولى، هي الدفاع عن تلك المبادئ، وكشف المساعي الرامية إلى تسطيح الوعي الجمعي من خلال تضخيم الشعارات العنصرية أو المذهبية أو الدينية.

وبهذا المعنى، فإنّ القيمة المتحكّمة في مشروع الكتابة عن الهوية هي قيمة إنسانية، غايتها تحرير العقل من ضغوط التحيّزات الهوياتية، ومن تحكّمات المخيال المحرّض على الكراهية.

المكاسب التفكيكية ترف فكري

من الغباء الوجودي الاعتقاد بأننا، بممارستنا السياسية والاجتماعية الحالية، قد بلغنا مرحلة التأسيس للمجتمع الحرّ.

"إنّ كلّ المكاسب التفكيكية لجيل فوكو، من تفكيك الذات والإله والمعرفة والسلطة والقانون والسيادة والحرية، هي ترف فكري لا يمكن أن يعني شعوباً لم تصبح مجتمعات بعد، فحيثما توجد نزعات هووية لا يمكن أن تندلع معارك تفكيكية"، راجع فتحي المسكيني في كتابه "الهجرة إلى الإنسانية: هل ينبغي الدفاع عن الدولة؟"، مؤسسة هنداوي.

بعد الحرب العالمية الثانية، تنبّه الألمان إلى أنّ كوارثهم الوجودية، ومعوّقات تقدّمهم، وخطاياهم التقليدية، تنبع من مشكلاتهم الهوياتية. فقد كان الألماني النازي البائس يريد أن يثبت للعالم أنه قوي، وينحدر من أصول آرية نقية، ويتمتع بفرادة "البسماركي" المتعالي و"اللوثري" الخالص.

وحين تتجانس الإثنية مع التعصّب الديني، تنتجان حدساً جافاً وصقيعاً عنصرياً. وقد استخدم الألمان النواة والتقنية والآلة الاقتصادية لطحن البشرية والذات من أجل حلم هوياتي عنصري لم يتحقّق، ولن يتحقّق.

وكذلك هو الشأن لدى بعض القوميين العروبيين والعلمانيين، وحتى الملحدين، وجماعات الرفض من أجل الرفض، والأقوام الذين ينامون فوق أسرّتهم التاريخية العتيقة، ودعاة النضال التروتسكي والرؤية الشيوعية الكابوية. إنه مزيج من العقائد السياسية والثقافية واللائكية والسلفية، يمتطي صهوة ساخنة من بالونات الاختبار الأيديولوجي.

ما لم يفهمه الحفاة العراة الذين انتقلوا إلى أقاصي الدنيا وما وراء البحار، ونقلوا معهم هواجسهم ونفاياتهم القبلية ومشكلاتهم العشائرية وحروبهم ومآزقهم الهوياتية إلى الغرب، هو أنّ هذا الغرب غسل يديه من مشكلاته الوجودية، ولم يعد مستعداً للالتفات إلى الوراء.

لن ينصت إلى من يذكّره بحفره وكبواته وثقوبه القروسطية، حيث عشعش الظلام والبوم. ولسان حاله يقول: من لا يقبل بهذه الحضارة، فليعد القهقرى إلى المغارات وعصر كهوف "كرومانيوم".

وعندما تمعن النظر فيمن حولك، وهم يتدافعون بسلبية، ويتقاتلون، ويسحق بعضهم عظام بعض، سباً وشتماً وتشفّياً وإقصاءً ولعناً يومياً وتكفيراً، وصولاً إلى القتل التافه، وغالباً القتل على الهوية الطائفية أو العرقية أو تحت ذرائع قدسيّة، فإنك تتساءل: من أجل ماذا تحدث هذه الصورة السريالية المأساوية العقيمة؟

هل الهدف أن تثبت هويتك أو حضورك "الهووي"؟ أم تشنّجك الأيديولوجي العقيم، وتصحّرك الفئوي الضيّق، وفكرك القبلي الرجعي، على حساب ذاتيتك الحضارية؟

هذه الذاتية هي التي تجمع الجميع حول أهداف وغايات وطنية وقومية وإنسانية، لا حول غايات الإسراف العرقي والطائفي السخيف. ولا يمكن بلوغ ذلك إلا بالعودة إلى مصادر الذات وفق فهم عقلاني دقيق.

الأسئلة الملعونة

حدّد الباحث سامي عبد العال، في مقالته "الأسئلة الملعونة في الثقافة العربية"، 3 أمور تتعلّق بطرح الأسئلة:

1  - تجاوز الاستفهام لمعطيات طرحه بحثاً عن معرفة أوسع

فالسؤال يرمي بدلالته نحو المستقبل، في حين أننا نعيش أيامنا قطعةً قطعةً، بلا انتظار ولا ادخار زمني إبداعي للغد. فهل توجد دولة عربية، في زمن الدواعش والإرهاب المعولم، تعرف مستقبلها؟

2-  خطورة المسار الذي يسلكه السؤال حين يذهب بعيداً

فالسؤال يحاول البحث عن المجهول والأسرار الخفية للأنظمة المتباينة معرفياً وسياسياً واجتماعياً. وفي الثقافة العربية تنقطع الأسئلة طويلة الأمد، لأنها تهدف غالباً إلى التبرير الآني للأوضاع القائمة، لا إلى تجاوزها.

3 - وجود سلطة متوجسة دائماً من الأسئلة

فالسلطة تقلق من احتمالات النشاط المؤثر للأسئلة، وما أكثر التوجس من أي استفهام يسبب إحراجاً عاماً أو خاصاً. وهذا يفسّر كثرة السلطات في واقع لا يعرف إلا الغلبة والقسوة، من السياسة إلى الأخلاق، مروراً بالدين وغيره.

لا شكّ في أنّ النزعات الهوياتية أو الهووية، المذهبية منها والعرقية، حالات خطيرة تهدّد المجتمع المدني وتطوّره. فأن تركن قاطرتك الحضارية في مرأب القبيلة والجماعة والعشيرة ومجتمع الملة المنغلق والأسرة النبيلة والنسب العريق، هو ضرب من الخبل المناقض للحداثة.

إنّ غول الهوية الطائفية والعرقية يهدّد الآفاق الاقتصادية والسياسية والثقافية. وليس الخطر في الفرادة والانتماء في ذاتهما، بل في الاستغلال والتوظيف الأيديولوجي والحزبي والسياسي المشبوه لهذه الانتماءات، بما يؤخر حركة المجتمع، ويُبقينا في مرحلة ما قبل الحداثة وما قبل الديمقراطية.

وكلّ ما فعلته الدولة العميقة التي تدّعي الوطنية هو إفساد العلاقات السياسية من خلال استثمارها السفيه لمفهومي القبيلة والعشيرة.

أن "تتهوّى" يعني أن تشترط لنفسك وضعاً انعزالياً داخل جماعة سياسية أو ثقافية أو دينية أو حتى لغوية. أما المجتمعات اليوم فتنخرط في أوضاع كوسموبوليتية وكونية، تعيد من خلالها تجميع شتاتها الثقافي واللغوي، بفضل قراءات واعية لفلاسفة التنوير وما بعده، في حين لا يزال عالمنا السوري والعربي يعيش صراعه الهووي العنصري الأخير.

اخترنا لك