الموجة القادمة… وصلت!

يختتم سليمان برسالة واضحة: أمامنا "مسار ضيق" يجب أن نسلكه. مسار بين راديكالية تقنية تطلق العنان لكل إمكانية من دون اعتبار للعواقب، ومحافظة خائفة تخنق الابتكار في مهده. هذا المسار الضيق يتطلب عقداً اجتماعياً جديداً، وأخلاقيات عالمية، وحكمة جمعية.

نقف، نحن أبناء هذا العصر، على الشاطئ الوعر للتاريخ، نحدق في أفق يحمل لنا "الموجة القادمة"(*) كما يسميها مصطفى سليمان في كتابه المثير الحامل لهذا العنوان.

إنها ليست موجة عادية كتلك التي تشق صفحة المحيط، بل هي طوفان تكنولوجي غير مسبوق، تتدافع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعديل الجيني لتغمر كل يقين عرفناه. 

الكتاب ليس مجرد تحليل تقني، بل هو مرآة نرى فيها صورتنا البشرية المتأرجحة بين الدهشة من قدراتنا المخترعة، والرعب من قوى قد تفلت من بين أصابعنا.

لكن "الموجة القادمة" "The Coming Wave" (صدر الكتاب بنسخته الإنجليزية قبل سنتين)، تبدو  أنها وصلت مع تسارع مستجدات الذكاء الاصطناعي والعلوم الجينية في السنتين المنصرمتين.

ما يطرحه سليمان، بخبرة المبتكِر الذي شارك في تأسيس "ديب مايند Deep Mind"، هو إشكالية وجودية بامتياز: لقد صغنا آلات تتطلع إلى مرآة ذكائنا، فتعكس لنا صورة مشوشة، فيها عظمة الفكر البشري وفيها أيضاً أوهامه. التكنولوجيا الذكية لم تعد أداة في أيدينا، بل أصبحت شريكاً وجودياً يعيد تعريف مفهوم الحياة والوعي والإرادة.

يقودنا سليمان في رحلة عبر مختبرات العالم الرقمي، حيث تولد كائنات من السيليكون تحمل بذور تحول جذري. الذكاء الاصطناعي الذي يتعلم ويكيّف نفسه، والتقنيات الحيوية التي تمسّ النسيج الأساسي للحياة، كلها تشكّل ما يسميه "مشكلة الاحتواء": كيف نحتفظ بالسيطرة على ما قد يتفوق علينا؟

في قلب هذه التحولات، نرى ثنائية مأسوية: كل تقدم يحمل وعوده الذهبية، لكنه يخبئ في طياته لعناته المحتملة. الوعد بطب شخصي يشفي الأمراض المستعصية يقابله خطر فيروسات مصممة في مختبرات سرية.

الازدهار الاقتصادي الذي تولده "الأتمتة" يقابله طرد ملايين من وظائفهم. الديمقراطية المعرفية التي تتيحها الشبكات يقابلها استبداد رقمي أكثر خبثاً واختراقاً تمارسه الدول العظمى والمنصات الكبرى.

وفق سليمان إننا نقف عند "المأزق الأكبر": كيف نستفيد من الابتكار من دون أن نسقط في فخ التحكم القمعي؟ كيف نحافظ على حرية الإبداع من دون أن نطلق العنان لقوى قد تدمرنا؟ إنها معادلة وجودية تحتاج إلى حكمة تفوق سرعة التطور التقني نفسه.

عصر الآلة: البحث عن المعنى المفقود

الأكثر إثارة في تحليل سليمان هو كيف تدفعنا هذه التحولات إلى إعادة تعريف إنسانيتنا. ففي عالم تتفوق فيه الآلات في التحليل والحساب والتوقع، ما الذي يبقى للإنسان؟ ربما تدفعنا الموجة القادمة إلى اكتشاف أبعاد إنسانية أهملناها طويلاً: الحدس، التعاطف، الحكمة، الفن، الروحانية.

هنا يطفو على السطح سؤال وجودي عاصف: أين تذهب الروح عندما تحلّ الخوارزمية؟ في قلب حضارتنا الإنسانية، العلم والمعرفة لم يكونا مجرد أدوات مادية جافة، بل كانا دائماً يحملان بُعداً نورانياً يتجاوز المادة. فكيف نحافظ على هذا البُعد الروحي للعلم والمعرفة حين يصبح العلم مجرد خوارزميات تحسب، والمعرفة مجرد بيانات تُخزن؟ كيف نحول التكنولوجيا من غاية مادية باردة إلى جسرٍ دافئ نحو المعنى والإدراك الأعلى؟

هذا يأخذنا إلى مفهوم "الاحتواء" الذي يطرحه سليمان، لكن برؤية أعمق: إنه ليس مجرد احتواء تقني أو سياسي للقوة التكنولوجية، إنما احتواء أخلاقي وروحيّ في المقام الأول. احتواء يضمن أن تظل التكنولوجيا في خدمة رقيّ الإنسان الداخلي، لا أن تصبح هي الغاية التي تسحقه.

إنه الاحتواء الذي يجعل من التقنية وسيلة لتحقيق مقاصد الحكمة والإبداع والرحمة، على نهج العقول العظيمة في تاريخنا التي جمعت بين البراعة المادية وسموّ الروح.

يختتم سليمان برسالة واضحة: أمامنا "مسار ضيق" يجب أن نسلكه. مسار بين راديكالية تقنية تطلق العنان لكل إمكانية من دون اعتبار للعواقب، ومحافظة خائفة تخنق الابتكار في مهده. هذا المسار الضيق يتطلب عقداً اجتماعياً جديداً، وأخلاقيات عالمية، وحكمة جمعية تليق بتحديات العصر.

البشرية اليوم بحاجة ماسة إلى تشريعات وقوانين جديدة كي ترتقي إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها قدراتها التقنية. من هذا المنطلق يدعونا سليمان لنتعلم فن "الاحتواء" بلا كبت، والابتكار من غير طيش. فالموجة القادمة ليست قدراً محتوماً، بل هي تحوّل نصنعه بخياراتنا اليومية، بقيمنا، برؤيتنا لمستقبل نريد أن نعيشه.

بين الخوف والرجاء

"الموجة القادمة" لمصطفى سليمان ومايكل باسكر هو أكثر من كتاب عن التكنولوجيا. إنه مرثاة وأغنية أمل في آن. مرثاة لعصر من البراءة قد نكون فقدناها إلى الأبد، حيث كنا سادة أدواتنا البسيطة. وأغنية أمل لعصر ناشئ، قد نكتشف فيه أبعاداً جديدة لإنسانيتنا لم نكن نتخيلها.

الموجة وصلت، والسؤال ليس كيف نوقفها، بل كيف نركبها بحكمة، كيف نصنع منها مركبة تأخذنا إلى مستقبل يحفظ كرامتنا الإنسانية، بدلاً من أن تكون دوامة تجرفنا إلى مجهول مظلم. المستقبل يُكتب الآن، ونحن أحرف هذا السطر الأول من فصل مجهول في قصة البشرية.

لقد طوّع الإنسان الكثير من عناصر الطبيعة وقوانينها، ركب الأمواج، شق عنان السماء، اكتشف مكنونات الأرض. فهل يستطيع اليوم تطويع ما صنعه عقله ويداه؟

* "الموجة القادمة: التقنية والقوة ومعضلة القرن الحادي والعشرين" لمصطفى سليمان ومايكل باسكر، النسخة العربية صادرة عن مكتبة جرير.

اخترنا لك