المعركة على المعنى: من يكتب رواية الحرب بين إيران وأميركا؟
كيف أصبحت الحروب الحديثة صراعاً على الرواية والمعنى؟ وهل حوّلت إيران الخوارزميات إلى ساحة حرب خفية تعيد تشكيل وعي الشعوب؟
في الحروب الحديثة، لا تُخاض المعارك على خطوط النار فقط، بل داخل الفضاء الذي تُنتَج فيه الروايات وتُعاد فيه صياغة الوقائع. فبين الأخبار العاجلة، والتصريحات المتدفّقة، والمنصات الرقمية التي تعمل بلا توقّف، يتحوّل الحدث العسكري إلى مادة خام لصراع موازٍ، هو صراع على المعنى وعلى الأحقيّة في تفسير ما يجري.
في هذا الصراع، لم تعد السيطرة مرتبطة بالحسم العسكري وحده، بل باتت مشروطة بالقدرة على توجيه الإدراك الجماعي وتشكيل الانطباع العامّ. فمن يتحكّم في إيقاع الرواية يتحكّم في طريقة فهم الحرب، بل وفي الحكم على نتائجها، حتى حين تُخالف تلك الرواية الواقع تماماً.
في خضمّ الحرب العدوانية التي تشنّها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران منذ 28 شباط/فبراير 2026، تُعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة الجمهور بالحرب.
ذلك أنّ التدفّق الهائل للمعلومات وسرعة تداولها ألغيا المسافة بين الجبهة والمُتلقّي، لكنهما في الوقت ذاته فتحا المجال أمام فوضى سردية غير مسبوقة، حيث تختلط الوقائع بالدعاية، والتحليل بالتعبئة، والصورة بالتصنيع الرمزي. فلم تعد المسألة متعلّقة بإخفاء الحقيقة بقدر ما أصبحت مرتبطة بإغراق الفضاء العامّ بروايات متضاربة، تفقد معها الحقيقة مركزيتها، ويُصبح المتلقّي عاجزاً عن الفرز بين ما حدث فعلاً وما يجري ترويجه كـ "حقيقة قابلة للتصديق".
ترامب ونموذج "النصر السردي"
-
يُقدّم دونالد ترامب نموذجاً مكثّفاً لما يمكن تسميته بـ"النصر السردي"
وسط هذا التحوّل، يُقدّم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نموذجاً مكثّفاً لما يمكن تسميته بـ"النصر السردي"، حيث تتحوّل الحرب إلى عملية مستمرة لإنتاج المعنى وإدارة الانطباع العامّ.
ذلك أنّ خطابه عبر مختلف الوسائط يقوم على الانتقال السريع بين إعلان "الانتصار الكامل" والحديث عن "إعادة التموضع"، بما يسمح بإعادة تفسير مجريات الحرب وفق الإيقاع السياسي للحظة. ضمن هذا النمط، تتراجع أهمية الوقائع الميدانية أمام القدرة على فرض الرواية الأولى، إذ يُصبح من يعلن النصر أولاً أكثر قدرة على توجيه إدراك الجمهور وتحديد كيفية فهم الحدث وتذكّره.
ويتخذ هذا المنطق ذروته في شخصنة الحرب، حيث جرى اختزال الحرب على إيران في صورة صراع مباشر بين ترامب والمرشد الإيراني الأعلى السيد الشهيد، علي الخامنئي، بما جعل اغتياله يُقدَّم كلحظة حسم نهائية وانهيار لمركز القرار الإيراني. غير أنّ المسار اللاحق للحرب كشف حدود هذا التصوّر، إذ لم يؤدِ ذلك إلى إغلاق المواجهة بقدر ما دفعها نحو مستويات أكثر تعقيداً. وهكذا بدا "النصر السردي" منفصلاً عن الواقع، لتتحوّل لحظة الاغتيال نفسها إلى بداية لحرب إقليمية مفتوحة.
ولا يعكس أسلوب الرئيس الأميركي "مُباشرتيّة" في الخطاب بقدر ما يكشف عن تقنية اتصالية مُمنهجة قائمة على تشويش المجال العامّ وإغراقه بسرديات متغيّرة، فتصير الحقيقة موضع ارتياب دائم.
ويبدو أنّ الهدف ليس إقناع الجمهور، إنما جعله عاجزاً عن التمييز، وتحويل الحرب إلى معركة مفتوحة على تشكيل الوعي تتجاوز المواجهة على الأرض (1).
في الحرب، لم تعد المسألة متعلّقة بإخفاء الحقيقة بقدر ما أصبحت مرتبطة بإغراق الفضاء العامّ بروايات متضاربة، تفقد معها الحقيقة مركزيّتها، ويصبح المتلقّي عاجزاً عن الفرز بين ما حدث فعلاً وما يجري ترويجه كحقيقة قابلة للتصديق.
لقد برز هذا المنطق بوضوح في الخطاب الأميركي المرتبط بالعدوان على إيران، حين جرى الترويج في أكثر من مناسبة إلى أنّ "الضربات دمّرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل"، قبل أن تتحوّل التصريحات لاحقاً إلى الحديث عن "أضرار كبيرة"، في وقت أشارت فيه تقديرات استخباراتية إلى محدودية النتائج الميدانية.
ويكشف هذا التباين كيف تُدار الحرب داخل المجال الإعلامي بوصفها معركة على التأويل، حين يُعاد إنتاج معنى الحدث بصورة متواصلة تبعاً للحاجة السياسية. وهو ما تصفه أدبيات الاتصال السياسي بـ"سيولة السرديات"، انطلاقاً من تطوير مفهوم ''الحداثة السائلة''، حيث تفقد الحقيقة استقرارها داخل التدفّق الإعلامي المتواصل، وتُعاد صياغة الوقائع بصورة دائمة وفق التوازنات الظرفية (2).
وقد وجد هذا النموذج الاتصالي بيئته المثالية في المنصات الرقمية، فلم تعد السرديات تنتشر بصورة متكافئة، إنما باتت تخضع لأنظمة خوارزمية تمنح الأولوية للخطابات الصدمية والسريعة والأكثر قابلية للتداول.
هندسة الإدراك في زمن الخوارزميات
-
بنت إيران استراتيجيتها المضادة باختراق الخوارزميات من زاوية مغايرة تماماً
لم تعد السرديات الحربية تنتشر بصورة متكافئة في زمن الخوارزميات. إذ أضحت تخضع لأنظمة رقمية تمنح الأولوية للخطابات المُثيرة والأكثر قابلية للتداول. وهو ما ينطبق على منصة "إكس" تحديداً، التي تحوّلت في عهد ترامب إلى ساحة حرب رمزية بامتياز، إذ تكفي تغريدة واحدة لإعادة تأطير حدث عسكري بأكمله قبل أن تتحقّق وسائل الإعلام من وقائعه. الأمر الذي يجعل من الخوارزميات فاعلاً غير مرئي في تحديد أيّ رواية تُهيمن على المجال العامّ وأيها تتراجع إلى الهامش، بمعزل عن أهمية الحدث الفعلية.
في هذا السياق، لم تعد نظرية "وضع الأجندة" (3) حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، فأصبحت موزّعة بين الفاعل السياسي وأنظمة المنصات الخوارزمية. علماً أنّ هذه الأخيرة لا تُنتج الخطاب بصورة مباشرة، إلا أنها تتحكّم في شروط ظهوره وانتشاره، عبر ترجيح محتوى معيّن وإخفاء آخر داخل التدفّق الهائل للمعلومات. ضمن هذا التحوّل، تبدو الخوارزميات كفاعل سياسي غير مرئي يعيد ترتيب النقاش العامّ وفق معايير التفاعل والانفعال والقدرة على جذب الانتباه، أكثر من ارتباطه بحقيقة الأحداث (4).
-
دونالد ترامب: أكاذيب وادّعاءات
ولعلّ أبلغ ما يكشف هذا التحوّل ما رصده مشروع "واشنطن بوست فاكت تشيكر" من أنّ ترامب أدلى بنحو 30,573 ادّعاءً كاذباً أو مضللاً خلال ولايته الأولى، بمعدل يقارب 21 ادّعاءً يومياً.
غير أنّ الأهم من هذا الرقم هو ما يعكسه من انتقال الخطاب السياسي من الإقناع إلى الإغراق، ومن بناء الحجة إلى تشبيع الفضاء العامّ بما يُعجز المتلقّي عن الفرز والتمييز.
انتقلت الحسابات الدبلوماسية الإيرانية من وظيفة التواصل الرسمي إلى إنتاج محتوى مصمم خصيصاً لاقتصاد الانتباه الرقمي، حيث تُصبح المشاهدة والتفاعل وإعادة التداول جزءاً من معايير القوة الرمزية داخل الحرب.
وقد أثبتت دراسات اقتصاد الانتباه أنّ هذا الإغراق ليس عشوائياً، بل يستثمر في محدودية الطاقة الإدراكية للمتلقّي. إذ كلما تضاعفت الروايات المتضاربة ضعفت قدرته على التشكيك فيها جميعاً، فيلجأ إلى الاحتكام لما يتوافق مع قناعاته المسبقة، لا ما تثبته الوقائع.
ويزيد هذا المشهد تعقيداً ما كشفته دراسة نشرتها مجلة ''ساينس'' عام 2018، أجراها باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من أنّ الأخبار الكاذبة كانت أكثر احتمالاً لإعادة النشر بنسبة 70%، وأنّ الأخبار الصحيحة احتاجت وقتاً أطول بنحو 6 مرات للوصول إلى 1,500 شخص، فيما بلغت الأخبار الكاذبة مستويات أعمق من سلاسل إعادة النشر بسرعة أكبر بكثير.
هذا الأمر يبدو أنه يمنح من يسبق إلى الرواية ميزة بنيوية لا تُعوَّض، إذ تترسّخ الانطباعات الأولى في وعي المتلقّي قبل أن يصله أيّ تصحيح، وحين يصله يكون قد فات أوانه.
وفي سياق الحرب تحديداً، تتحوّل هذه الديناميكية إلى سلاح استراتيجي، فمن يُطلق الرواية أولاً لا يكتفي بتشكيل الانطباع، بل يُحدّد المرجعية التي سيُقاس عليها كلّ ما يأتي بعده.
وفق هذا المنطق بالذات بنت إيران استراتيجيتها المضادّة، لا بمجاراة الإغراق الأميركي، إنما باختراق الخوارزميات من زاوية مغايرة تماماً، عبر محتوى يقوم على السخرية وثقافة الإنترنت بدلاً من الخطاب الرسمي.
رهانات الاستنزاف والمحتويات الساخرة
-
قوة النموذج الإيراني تكمن في خفة أسلوبه الساخر وابتعاده عن الجدّية الدعائية التقليدية
يشتغل النموذج الاتصالي الإيراني عبر منطق الزمن الطويل. إذ تُفهم الحرب باعتبارها عملية استنزاف ممتدة لا تُقاس فاعليّتها بقدرة الخطاب على إعلان الحسم، بل بقدرته على تثبيت صورة الاستمرار والبقاء رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية. لذلك تميل السردية الإيرانية إلى إعادة تأطير الصراع باعتباره مواجهة مفتوحة ومعارك استنزاف قابلة لإعادة التفعيل، لا حرباً تنتهي بإعلان الانتصار.
غير أنّ الجديد في هذه الحرب أنّ إيران لم تكتفِ بمنطق الصمود التقليدي. فقد أعادت صياغة أدواتها الاتصالية بما يتلاءم مع منطق المنصات والخوارزميات. هكذا انتقلت إيران من الخطاب العقائدي المستمد من ثقافة الشهادة والخطاب الثوري المرتبط بالثورة الإسلامية عام 1979، والذي بات محدود القدرة على جذب الأجيال الشابة الأكثر اندماجاً في الثقافة الرقمية المعولمة، إلى محتوى بصري سريع يقوم على السخرية السياسية وثقافة الإنترنت العالمية.
ويشير ما نُقل عن "معهد الحوار الاستراتيجي" في لندن إلى أنّ هذه الاستراتيجية تعتمد على "الميمز" والفيديوهات القصيرة والمضامين المولّدة بالذكاء الاصطناعي، بما يطمس الحدود بين الترفيه والدعاية السياسية التقليدية.
ويرى بريت شافر (5)، مدير عمليات المعلومات في المعهد، أنّ قوة هذا النموذج تكمن في خفة أسلوبه الساخر وابتعاده عن الجدّية الدعائية التقليدية، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على الانتشار داخل الفضاءات الرقمية عالمياً.
وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح في حسابات السفارات والقنصليات الإيرانية على منصة "إكس"، التي انتقلت من الخطاب الدبلوماسي الرسمي إلى أسلوب قائم على الاستفزاز الرقمي والتفاعل مع ثقافة الإنترنت.
ووفق المعهد نفسه، فقد حقّقت هذه المضامين مستويات مشاهدة أعلى بكثير مقارنة بالفترة السابقة على الحرب، وصلت في بعض التقارير إلى نحو 30 ضعفاً، خاصة في المحتوى الساخر من الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب.
لم تعد نظرية ''وضع الأجندة'' حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبحت موزّعة بين الفاعل السياسي وأنظمة المنصات الخوارزمية التي تتحكّم في شروط ظهور الخطاب وانتشاره عبر ترجيح محتوى معيّن وإخفاء آخر داخل التدفّق الهائل للمعلومات.
ولعلّ أبلغ مثال على ذلك الفيديو الذي نشرته السفارة الإيرانية في طاجيكستان، رداً على صورة نشرها ترامب تُظهره في هيئة المسيح، إذ أنتجت السفارة مقطعاً بالذكاء الاصطناعي يُظهر المسيح يقتحم المشهد ويدفع ترامب إلى حفرة من النار.
وحقّق هذا الفيديو انتشاراً واسعاً وفق بيانات التفاعل على منصة "إكس"، ليُصبح من بين أكثر المقاطع تداولاً بين حسابات السفارات الإيرانية خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
ويكشف هذا المثال كيف تحوّلت الحسابات الدبلوماسية من وظيفة التواصل الرسمي إلى إنتاج محتوى تتحوّل فيه المشاهدة والتفاعل وإعادة التداول معايير للقوة الرمزية، تتجاوز كونها أدوات للتواصل.
ويزيد هذا النموذج فاعليةً توسّعُ إعادة تدوير هذه المضامين من قبل مؤثّرين وصنّاع محتوى حول العالم، يُروّجون لسرديات مناهضة للهيمنة الغربية داخل محتوى يبدو ترفيهياً لا سياسياً، خاصة في "تيك توك" و"إكس". وهو ما يجعل الرسالة الإيرانية أكثر سيولة وانتشاراً، ولا سيما في بيئة رقمية تشهد صعوداً لأجيال شابة أكثر نقداً لبنى الهيمنة الدولية، وأكثر انفتاحاً على سرديات المقاومة، خصوصاً عقب حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، بما أعاد تشكيل بيئة التلقّي نفسها التي تتحرّك داخلها هذه الرسائل.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية مضاعفة حين ندرك أنّ "الميمز" الإيرانية لا تستهدف الرأي العامّ العالمي فحسب، إنما تتوجّه بشكل أكبر إلى الجمهور الأميركي الداخلي، مُوظِّفةً الانقسام السياسي الأميركي سلاحاً في الحرب الرمزية. وهو رهان لم يكن مجازفةً في الفراغ.
فقد كشف استطلاع لوكالة "رويترز" أجري بين 15 و20 نيسان/أبريل 2026 أنّ 60% من الأميركيين يرفضون الحرب إيران، وقد تُرجم هذا الرفض في تظاهرات اندلعت في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، ووصلت أيضاً إلى قلب المؤسسة العسكرية حين نظّم جنود قدامى احتجاجاً داخل مبنى الكونغرس في نيسان/أبريل 2026، أسفر عن اعتقال 66 شخصاً.
لا تنتهي الحرب إذاً حين تصمت المدافع، بل حين تستقر رواية واحدة في الذاكرة الجمعية وتُهيمن على تفسير ما جرى. وما تكشفه الحرب الدائرة اليوم أنّ ساحة المعنى باتت موازية لساحة النار، لا تابعةً لها.
ذلك أنّ الولايات المتحدة تمتلك التفوّق العسكري وتستبق إعلان الانتصارات. في المقابل، تشتغل إيران بمنطق مختلف تماماً، محوّلة الضعف إلى أداة سردية، وموظّفة السخرية حيث يعجز الخطاب الرسمي، فتصل حتى إلى جمهور لا يتابع الأخبار أصلاً.
وإن كانت حرب "الميمز" لا تحسم نتائج المعارك على أرض الواقع، فإنها تعيد تشكيل شروط الشرعية التي يُحكم بها على تلك النتائج. فالشعب الذي يضحك من قائد لا يثق به، والجمهور الذي يتعاطف مع "الطرف المُعتدى عليه"، يصعب تعبئته لدعم الحرب. ومن هنا، فإنّ من يكتب رواية الحرب ليس بالضرورة من يملك أكبر جيش، بل من يصنع المعنى الذي يتذكّره الناس بعد أن تنتهي المعارك وتُنسى الأرقام.
[1] دوجلاس كيلنر، "الفرجة الإعلامية وأزمة الديمقراطية: الإرهاب، الحرب، ومعارك الانتخابات"، روتليج 2016.
[2] زيغمونت باومان، "الحداثة السائلة"، منشورات بوليتي.
[3] ماكسويل ماكومبس ودونالد شو، "وظيفة وضع الأجندة لوسائل الإعلام الجماهيرية"، مجلة الرأي العام الفصلية، سنة 1972.
[4] جيسيكا تي. فيزل.، "وضع الأجندة عبر وسائل التواصل الاجتماعي: أهمية التعرض العرضي للأخبار والفرز الاجتماعي في العصر الرقمي"،2018.
[5] معهد الحوار الاستراتيجي، تقرير حول الاستراتيجية الرقمية الإيرانية والميمزات السياسية خلال الحرب، 2026.
