المجال العمومي للغواية البصرية: تلصص وافتراس!
المسافة بين الصورة الرقمية والبورتريه توضّح بجلاء، سطوة الفلسفة الجديدة المخادعة، وإسرافها في تسليع حياة الفرد، إذ تتلاشى الفروق بين تسجيل لحظة نوعية وتراكمية في المخزون الثقافي الجمعي، وموديل صامت في واجهة متجر.
-
بارميجانينو، "بورتريه ذاتي في مرآة محدبة"، 1524
لم تعد الغواية البصرية رهناً بلحظة سينمائية أو لقطة استثنائية في شريط مبهر، أو ما هو محفوظ في أرشيف الفوتوغرافيا لجهة "الافتراس والتلصص"، بحسب رؤية سوزان سونتاغ، إنما أضحت هذه الغواية مجالاً عمومياً ينطوي على هتك خصوصية الأنا والآخر كصيّاد وطريدة في تبادل محموم للأدوار.
هكذا، بما يشبه الحمّى، وبفضائل السوشيل ميديا، اقتحمت صور "سيلفي" ساحة الفضاء الإلكتروني كأحدث نسخة في تمجيد الذات، وتأريخ فردانيتها خارج الحشود.
مجهولون ومشاهير يلتقطون صوراً شخصية لأنفسهم في أوضاع مختلفة، بفضل تطوّر تقنيات الميديا وعدسات الهواتف المحمولة. الصورة هنا لا تشبه ما كان يحدث في الأمس لجهة توثيق لحظة استثنائية، إنما تجري صناعتها بوعي لتصديرها إلى الجموع.
"سيلفي" والعالم خلفي
ليست ظاهرة صور "سيلفي" التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي بغزارة، مجرد تسلية عابرة، بقدر ما هي تعبير عن ذات طاووسية تنطوي على هشاشة الكائن الهامشي، في محاولته تعويض خسائره الحياتية باحتلال واجهة افتراضية، تعزز مكانته المفتقدة واقعياً، بقصد أن يحصد إعجاب الآخر، وربما إثارة غيرته بكمائن الميديا.
هذا الطراز من الصور يطيح عملياً اليوميات الحقيقية لصاحبها ليستبدلها بحياة موازية لم يعشها بعمق، كما أنها لا تخص إلا صاحبها، بغياب التأثير الفعلي لهذا الشخص على حيوات الآخرين، فهو مجرد كائن افتراضي مجهول غالباً، أو أنه في أقصى الاحتمالات، كائن طارئ يفتّش لنفسه عن دور بوهم الصورة المصنّعة، فهو لا يكتفي بالتقاط صوره في الأماكن الاستثنائية التي قد تمنح هذه الصورة بعداً جمالياً، وإنما يتوغل في عمق الفضاءات الأخرى، كأن يلتقط لنفسه صورة وهو ممدّد في سرير مستشفى، أو في مطعم أو في طائرة أو إلى جانب تمثال لشاعر، أو مفكر، أو وهو يحتضن أحد المشاهير كنوع من المساواة الوهمية بينهما، لإضافة شحنة من التمجيد الشخصي والاستعلاء والمباهاة والتفوّق.
توطين النبرة الفردية
واقعياً، سيمضي الشخص المشهور إلى شأنه بمجرد انتهاء لحظة التصوير، حتى من دون أن يتعرّف إلى الشخص الذي التقط الصورة معه، بينما يظن الشخص المجهول أنه أضاف لحظة استثنائية إلى سيرته الشخصية الضحلة.
لعل انتشار هذه الظاهرة أتى عملياً من صعود نبرة الفردانية التي كرستها قيم عولمية، أطاحت الهويات المركزية لمصلحة الهويات الهامشية العارية، التي أوهمت الفرد في عزلته بأنه مؤثر في السياقات العامة، وما الصورة الشخصية إلا علامة على ذلك، ويعزّز هذا الوهم حجم الإعجاب الذي تحققه الصورة الملتقطة في فضاء الموقع الأزرق، متجاهلاً، في المقابل، استمرار عملية المحو التي تفرضها صورة شخص مجهول آخر في متاهة هذا الموقع وسواه.
إنها بمعنى آخر حرب تحطيم الأيقونات القديمة أو إزاحتها لمصلحة أيقونات محشوة بالقش، وتالياً، فإن حمّى "السيلفي" تتكشّف عن هباء اللحظة، وهشاشة الكائن، وتزوير الوقائع، ذلك أن الصورة هنا يجري تركيبها سلفاً، وليست نتاج مصادفة ما، أو أن تكتب سيرتك المتخيّلة بصرياً، بما ليس فيها، على عكس عشرات الأمثلة القديمة لبورتريهات تحمل تواقيع رسّامين تركوا دمغة واضحة في تاريخ الفن، أمثال: بول غوغان، وسيزان، وبيكاسو، وماتيس، وفان غوخ، ففي هذه البورتريهات قراءة فلسفية عميقة لأحوال رساميها.
هذا ما نجده، على نحوٍ خاص، في ألبوم الرسّامة المكسيكية، فريدا كاهلو، التي رصدت طبقات الألم التي كانت تعيشها خلال مرضها، المرض الذي أقعدها في السرير إلى آخر حياتها، ما جعلها تنفذ إلى ذاتها وأحاسيسها الداخلية تدريجياً لجهة تناوب العنف والحب والشهوة والجنون، وقد عزّزت رسومها الشخصية بنصوص شعرية تعبّر عما لم تتمكّن من ترسيخه في لوحاتها المدهشة.
الفلسفة الجديدة المخادعة
المسافة بين الصورة الرقمية والبورتريه توضّح بجلاء، سطوة الفلسفة الجديدة المخادعة، وإسرافها في تسليع حياة الفرد، إذ تتلاشى الفروق بين تسجيل لحظة نوعية وتراكمية في المخزون الثقافي الجمعي، وموديل صامت في واجهة متجر.
لن نتوقف عند ضحايا صورة "السيلفي"، مثل الشخص الذي حاول أن يصوّر نفسه بصحبة أحد الثيران الهائجة في ملعب لمصارعة الثيران فأودى بحياته، أو ذلك الشخص الذي طحنته عجلات قطار، وهو يتهيأ لالتقاط صورة لحظة مرور القطار فانزلقت قدماه نحو السكة وتناثرت أشلاؤه، من دون أن يتمكّن من إنجاز المهمة.
في المقابل، لن نستغرب أن تفوز كلمة "selfi" كأكثر كلمة استعمالاً في الأعوام الأخيرة، في قاموس "أوكسفورد"، الفردانية اليوم تتفوّق على ما عداها، فردانية متضخمة وسيرة شخصية هزيلة وجوفاء غالباً، إلى درجة ألا نعرف قريباً، هل صاحبها شخصية حقيقية أم أنها مجرد ألعاب "فوتوشوب" أم صنيعة الذكاء الاصطناعي؟
بانتظار موافقة غريتا غاربو
قبل هذا الزمن بعقود كتب وليم سارويان قصة قصيرة عن شخص هامشي يدعى " فيليكس أوتريا"، يوجه رسالة إلى النجمة الأميركية، غريتا غاربو، على أمل أن يقف إلى جانبها أمام الكاميرا ببطولة مشتركة بينهما كعاشقين.
أتت ثقته هذه من ظهوره في نشرة أخبار كانت تغطي إضراباً وأحداثاً للشغب، إذ وجد نفسه بالمصادفة وسط الحشود الغاضبة "لو أنكِ تابعتِ نشرة الأخبار بعناية فلن يمكنكِ إغفال وجودي لأنني ذلك الشاب الذي يرتدي بالطو صوف أزرق، والذي سقطت قبعته حينما بدأ الجري. هل تتذكرين؟ لقد استدرت عن قصد 3 أو 4 مرات كي يظهر وجهي في الفيلم، وأعتقد أنكِ شاهدتِ ابتسامتي. أردت أن أعرف كيف تبدو هذه الابتسامة في الصور المتحركة، ولا أحتاج للقول إنها كانت فاتنة فعلاً".
ويضيف في مكانٍ آخر من رسالته" لا أستطيع أن أصف لكِ مدى سعادتي بأدائي في ذلك اليوم على الرغم من الحادث الصغير الذي أبقاني في المستشفى لمدة أسبوع".
في الفضاء الافتراضي نرتطم كل يوم بنسخة من "فيليكس أوتريا" بوضعيات مختلفة تنطوي على خبل محقّق وأوهام لا تنتهي في تحقيق الشهرة. الآن اقتحم الساحة "مؤثرون"، وصانعو "بودكاست"، ومصورو حفلات الأعراس بوصفهم أصحاب الدمغة الأخيرة في صناعة صورة الألفية الثالثة.