المثقّف والسلطة: صراع على المعنى

سبيل الخلاص من فوبيا المثقف يكمن في الانتقال من الاستبداد إلى الحريات حتى لو تم ذلك بشكل تدريجي. وهذا هو السبيل الوحيد إلى فك رقبة النظام المستبد من النهاية المحتومة.

  • "موت سقراط"، جاك لوي دافيد، 1787

عانى المثقف في الحكومات المستبدة من الرقابة والملاحقة تجاه ما يكتبه أو يجسّده من فنون. كما يتعرّض إلى مصير غير متوقّع إذا ما فكّر في مواجهة السلطة أو الكشف عن جرائمها وقمعها. وهذا ما عانى منه كثير من الكتّاب والشعراء والفنانين الذين اضطروا إلى هجرة بلدانهم أو السجن والإعدام.

هناك من يشكون من عدم قدرتهم في الوقت الراهن على الكتابة، لدرجة الشعور بفقدان بوصلة الكتابة، فقد فقدوا الاتجاه والمناخ العام الذي كانوا يعرفون أبعاده، والذي من خلاله يعرفون أين توجد الكتابة فيذهبون إليها.

كانت الكتابة توفّر مخرجاً من عالم نعرفه جيداً. الكتابة وفّرت البديل عن الحياة في مشهدها النهائي والمكتمل، أما الآن فليس هنالك شيء مكتمل، ولا يبدو في الأفق شيء نهائي، وما لا نعرفه يتكاثر ويزيح ما نعرفه تباعاً، والمطلوب ملاحقة هذا المجهول الحياتي والقبض عليه.

الحرية في هذا الواقع، كمقابل لسلطة الاستبداد والقمع، أضحت فائضة، إلا لمثقف مرتبك إزاءها، لأنها مطلقة (بعد زوال القطب المضاد لها). وحتى يستعيد المثقف بوصلته، يحتاج لاختبار الحرية خارج ثنائية (استبداد السلطة/ وتسامحها). عليه أن يزيح السلطة من رأسه تماماً، في جدلية الإبداع لديه.

مشكلة المثقف مع الحرية ليست سياسية، وإنما ثقافية، وهي في الإطار الثاني ليست مطلقة أبداً، ولها تخوم وحدود، والإغراء الدائم للخرق وزعزعة الصورة السائدة يأتي بالجدل مع استبداد الثقافة، أو ثقافة الاستبداد، فهي الأرسخ والأكثر غوراً.

مما سبق يمكن القول إنّ سلطة الرقابة على المثقف وإنتاجه ما زالت حاضرة، ولا يمكن لها أن تختفي، يمكن أن تتحوّل من شخص إلى آخر، وتتبدّى بأشكال وأزياء مختلفة، لكنها حاضرة وبقوة في مجتمعاتنا العربية. لذا فإنّ اختراقات المثقف للرقابة يجب أن تكون حذرة أيضاً، وعليه أن يمرر ما يريد قوله من دون أن يدرك (الرقيب!) ذلك، وهو في النهاية يملك (حرية) الاختيار بين ذلك أو أن يكون "استشهادياً" ليقول ما يريده من دون خشية من رقيب أو حسيب، أو اختيار منزلة بين المنزلتين.

من هنا يغدو الانتباه الشخصي حول هذا المناخ الجديد ليس أكثر من تفكير حول الثقافة، لأنّ التفكير داخل الثقافة هو من يقودها إلى النور ويؤسس مناخها الخاص.

** 

تعريف المثقف هو الإنسان الذي ينتج نقداً للدولة والمجتمع الذي يعيش فيه بهدف توجيهه نحو الأفضل. ومن أشهر تعريفات القرن العشرين هو للفيلسوف، أنطونيو غرامشي، حيث يقول: "إنّ جميع الناس مفكّرون"، ويضيف: "ولكن وظيفة المثقف أو المفكِر في المجتمع لا يقوم بها كلُ الناس". وهو التعريف الذي اعتمده إدوارد سعيد في كتابه (المثقف والسلطة).

هناك خيار واحد من عدة خيارات ربما، يأتي بديلاً عن الصوت الدعوي أو الهذياني للمثقف ذي النبرة الجادة الواثقة، حامل الحقيقة، والذي بدت نتاجاته، في مرحلة ما من تاريخها، فضاء مصمماً لحركته الحرة.

لذلك فإنّ السؤال الحقيقي ليس: متى يسقط الرقيب؟ بل: متى يسقط المعنى الذي يجعل الخضوع لمقصّ الرقيب أمراً طبيعياً؟ حين يستعيد الإنسان وعيه بأنه مواطن لا تابع، وصاحب حقّ لا طالب منحة، وذاتاً إنسانية لا مجرّد رقم في سجلات الدولة، تبدأ العلاقة بين السلطة والمجتمع في التغيّر. عندها فقط يمكن أن يعود النهر إلى النبع.

هكذا هي التجارب الدكتاتورية عبر التاريخ في كلّ بقاع الأرض. ما قامت دولة عسكرية فردية مستبدة، إلا وكان الفكر والثقافة والوعي أعداءها اللدودين، حيث يُصاب الحاكم المستبد بفوبيا المثقف، وتنتقل عدوى هذا الخوف إلى كلّ مفاصل الحكومة وكلّ البطانة ومجموعة المعاونين، فهؤلاء جميعاً يرتعشون فرَقاً من الرأي الجريء الصادق، ومن الفكر البنّاء، ومن حرية التعبير، ومن وسائل الإعلام المستقلة، لهذا يضع الحكّام المستبدون كلّ خبراتهم وقدراتهم للتصدّي للفكر المتحرّر، فتتم ملاحقة ومطاردة العلماء الأحرار، منهم من يُعدم أو يشرَّد أو يُنفى، وكثير منهم يتعرّض للتصفية والاغتيال لمجرّد أنه يفكّر بحرية، ويطرح رأيه الآخر على الملأ بما لا يتوافق وفكر الحاكم المستبد، هنا تشتعل فوبيا المثقف، وترتعش فرائص النظام كلّه، لتبدأ دورة جديدة من النظام الرقابي الحديدي ضد الرأي الحر والفكر البنّاء.

فسبيل الخلاص من فوبيا المثقف يكمن في الانتقال من الاستبداد إلى الحريات حتى لو تم ذلك بشكل تدريجي. وهذا هو السبيل الوحيد إلى فك رقبة النظام المستبد من النهاية المحتومة، فيما كان الأجدر ألا يعتمد هؤلاء الفرديون سياسة الخوف من الفكر البناء ولا يعزلوا شعوبهم عن العالم، ولكانت النتائج قد تغيّرت بسلاسة، مع الانفتاح الفكري المتدرّج ومعالجة الخوف من العقول الواعية.

 إنه درس لحكّام الحاضر، وللأنظمة السياسية التي تخشى الفكر وتعتمد العزل والتجهيل، وإثارة الضغائن بين مكوّنات المجتمع وطوائفه وأعراقه لكي يخلو لهم الجو لترتيب مصالحهم وتحصين عروشهم، إلا أنّ النهاية معروفة، فالعالم يتقدّم إلى أمام ولا عودة إلى الوراء مطلقاً، والاستبداد يندثر تباعاً، وفوبيا المثقف في طريقها إلى الزوال لأنه لم يعد يتواءم مع روح العصر، فما أمام الأنظمة الفردية وذات النزعة الاستبدادية وما أمام الشخصيات السياسية القيادية، مدنية كانت أو دينية، التي تطمح لتركيز السلطة وإعادة المجتمع إلى الخلف، سوى أن تعالج فوبيا المثقف التي تعاني منها، وذلك بالانسجام مع روح العصر، والإيمان بأنّ الحرية والتعدد ووحدة الحياة والاحترام هي القيم التي تحفظ حقوق الأطراف الحاكمة والمحكومة.

إنّ المطلوب لكي تستقيم معادلات الخطأ والصواب في الأمم والمجتمعات المتأخرة أن تعمد إلى قلب الطاولة أمام الاستبداد السياسي، وكذا الاستبداد الثقافي، وعليها في هذا المسلك أن تبحث عن كفاءاتها الوطنية بحثاً دقيقاً، وتصنّفهم إلى فريقين رئيسيين أحدهما الممالئون للسلطات السياسية المستبدة، وثانيهما أصحاب المبادئ الحقة ممن يكونون عادة على استعداد تام للتضحية بمصالحهم الخاصة فداء للمصلحة العامة، ولا يهابون من احتمالات التعرّض إلى هجمات أصحاب الحكم والنفوذ مباشرة أو الوقوع فريسة لتنمّر الشرائح المستفيدة من الطبقة السياسية الفاسدة فتسعى لإبراز هذا الفريق الأخير ودعمه مادياً ومعنوياً.

وهكذا، فإنّ خيارات الكتابة الجديدة ممكنة في أسوأ الظروف. إنّ أسوأ الظروف بالنسبة للمثقف، في قراءة ما، ليس البقاء تحت رحمة الديكتاتور، وليس الهرب منه، ليس أيّ شيء سوى تلك التي لا يستطيع المثقف تحت ظلها أن يكتب ويستمر في الكتابة.

اخترنا لك