القاع الاجتماعي ومصائر المهمَّشين في رواية "الدوار الجنوبي"
-
القاع الاجتماعي ومصائر المهمَّشين في رواية "الدوار الجنوبي"
على خطّ سير حافلة "الدوار الجنوبي"، والتي استعارها مفيد عيسى أحمد كعتبة نصّيّة أولى عنوانًا لروايته "الدوار الجنوبي" الصادرة عن "محترف أوكسجين"، تتحرك شخوص العمل؛ حيث يفكّك الكاتب عوالمها الداخلية وتاريخها، قوتها وضعفها، عنجهيتها وخوفها، في عدسة سردية تلتمس فترة الثمانينيات كمساحة زمنية كثّف فيها تاريخ الناس وتحولاتهم في تلك الفترة.
وتحت ضغط الاستبداد والهيمنة لجهةٍ تتمتع بالسلطة والنفوذ والمال، يرزح ركّاب باص "الدوار الجنوبي" متنقلين بين أعطيات السلطة وجحيمها؛ فمن يصيبه نعيمها لا يأمن على نفسه من الخطر المحدق، ولا يعرف متى تدور الدوائر وتنقلب عليه الرؤوس الحامية لمن نُصِّبوا أسيادًا على البشر بالحديد والنار. لا يعلم المرء ماذا يُسرّون أو يُضمرون في زمنٍ لا يخضع لنظامٍ أو قانون، في محاولةٍ لرؤية المجتمع على مساحة زمنية من القرن الماضي عبر مظلة الواقع السياسي في تلك الفترة، وتحديدًا مرحلة تغوُّل "قوات السرايا" وما عُرِف أثناءها بـ "رجال المعلّم"، وما تلاها من صراع الأخوين على السلطة؛ حيث عمّ البطش والعنف والقسوة حيال كل ما يمرّ تحت سطوتهم. والناس بين خوفٍ وتدجين يحكمها إحساسٌ ملتبس تجاه ذوي السلطة: الكره لحدّ الموت، والإعجاب المشوب بالخوف. فحول قصر "المعلّم" اجتمع التقنيون والمهندسون والبساتنة وحتى المغنّون، في صورةٍ مختزلة عن مجتمعٍ يُطوَّع أفراده لخدمة جهةٍ تلوّح بالمال والموت في تفاصيل معروفة للقاصي والداني.
يحاول الكاتب في تصويره لفئات المجتمع التأكيدَ أن الفوارق بين أفراد المجتمع طبقية لا طائفية؛ فهو يلامس حدود الطوائف من دون التصريح بها، ويكتفي بالإشارة إلى جذورها الريفية والطبقية حيث حالة الخوف والعداء المضمر، وتكون مطيةً سهلة قابلة للاستغلال. ولكن -مثل أي مجتمعٍ متخلف- تُرفَع لافتة الطائفية لتغلّف كثيرًا من أماني الفقراء الذين كانوا وما زالوا حطبًا لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وفي تفكيكه لتوزُّع وتقسيم العمل، رصد ما ورثه المجتمع من أزمانٍ غابرة، وتحديدًا ممَّن كان مرتبطًا بالدولة العثمانية في إحدى مراحل التاريخ، محاولًا رصد تاريخ العائلات التي استفادت من علاقتها بسلطات ذلك الزمن؛ فمن كان يعمل "بصّاصًا" لحسابها صار وتطوَّر وأصبح من كبار التجار؛ مثل شخصية "الحاج صبحي". وبالمقابل، كان هناك إقصاءٌ لبعض الفئات من العمل بالتجارة أو الاستقرار بالمدن، وكان احتكار التجارة سمةً مميزة لقاطني المدن خاصة، وكأنها صيغةٌ ملغومة تُفهَم من دون تصريح: "العسكر لكم والاقتصاد لنا"، التي جرت كصيغةٍ مختزلة على لسان "المعلّم توفيق". برزت هذه الحالة عندما حاول أحد طلبة الجامعة العمل لدى تاجرٍ في السوق ، وكيف رفضه وحاصره مجتمع التجار، حيث لم يبقَ لبعض الفئات القادمة من الريف المهمَّش سوى أن تكون مخبرةً لدى الجهات العليا أو تعمل في ركاب السلطات الحاكمة؛ وهذه صفةٌ تغلغلت مع انسداد أفق العمل لدى هذه الفئة في حلولٍ مجحفة، بين أن يبقوا في قراهم المهملة التي تفتقد إلى أدنى أولويات الحياة، وبين أن يعملوا تحت سلطة زعيمٍ ما. وحيث يتمكن الجاهل البسيط من سلطةٍ ما، يتحول فائض العنف لديه إلى قوةٍ هوجاء لا يعرف أين يصرفها؛ كما جسّدتها شخصية "عساف" الذي يطلق الرصاص أكثر مما يتكلم ليتحول إلى مجرمٍ هاربٍ في ما بعد.
ومن خلال شخصية الراوي "المهندس حسن" وعلى لسانه -في تتبّعه لحيوات الشخصيات التي يأتمر بأمرها من الأعلى والتي يعمل معها وتأتمر بأمره- ظهر لنا عالم قصر "المعلّم" من الداخل، وعلاقاته وتحالفاته مع زعاماتٍ محلية تُصاغ بالمصالح والقوة، وأناس يحكمهم بالجبروت والخوف؛ حيث لكلمته أمرٌ مطلق غير قابلٍ للعصيان أو التلكؤ، والويل والثبور لمن يخالف أو يخطئ أو ينسى. وهو -وإن كان لا يعجبه هذا الجو- إلا أن ضيق ذات اليد، وتقلّص سبل العيش، والعائد المادي الذي يتأمل الحصول عليه؛ جعله يصمت مراقبًا ما حوله بحياديةٍ تامة.
في الأبواب الخلفية للمجتمع تجتمع المفاسد كلها؛ حيث العهر والجريمة والفساد. يرصد الكاتب كل شخصيةٍ وامتدادها الاجتماعي وتشابكها مع سواها؛ فرجال "المعلّم" الذين بسطوا أساليبهم في التجارة السوداء والتهريب تجمعهم شخصية العاهرة "الجوجانية"، التي تتدرج في المهنة لتصبح "بترونة" كبيرة تشاركهم أرباحهم ونزواتهم. ولكن لكل شخصيةٍ جوانبها المتلونة، خاصةً لجهة تعلقها بشخصية "الفحل" -إحدى الأذرع الضاربة للمعلّم- الذي تعلقت به ودخل إلى أعماقها؛ شخصيةٌ رغم كل القوة والسطوة والنجاح الظاهر، بقيت مساحةٌ معتمة داخله تفيض باللاجدوى، تدخله في حالة صمتٍ متوترٍ غير مفهوم إلى أن قضى في أحد السجون ولم يعرف بنهايته أيّ إنسان، على خلفية صراع قطبَي السلطة آنذاك. كذلك حال الفتاة البريئة القادمة من الأحياء الفقيرة على أمل الحصول على وظيفةٍ ما لصداقةٍ تجمع والدها بالمعلم، وكيف تتحول إلى لعبةٍ رخيصة - وخاصةً إذا كانت على مسحةٍ من الجمال- فهي جاهزةٌ للاستهلاك الجنسي وما عُرِف عن "المعلّم" بنزواته ومغامراته النسائية، ولكن ضحاياه تُرمَى كعلبة مشروبٍ فارغة مصيرها في حاويات القمامة.
على تخوم الأحياء المهمَّشة، برزت قصة الفلسطيني الذي هُجِّر من أرضه وارتضى المخيم دارًا للانتظار، بين ترقّب العودة إلى الديار المحتلة، حيث نشأ أولاده وترعرعوا وتزوجوا وغادروا المخيم إلى مناطق أخرى، وبقي العجوز وزوجته يحاولان الاستئناس بمن يمرّ من مهمَّشي القاع، وقد اجتمعت عليهما غربة المكان، واغتراب الأبناء وجحودهم، والوحدة القاتلة في شيخوخةٍ بائسةٍ ويائسة.
المجتمع الذي نشأ حول قصر "المعلّم" (الشخصية النافذة المعروفة في المجتمع، وخاصةً لقصة صراعها ومحاولتها الوصول إلى السلطة وتلاشي قوتها في ما بعد نتيجة حسم الصراع ونفيها خارج البلد)، يتداعى نفوذُه وكيانُه ورجالاتُه وكأنها لعبة كرتون تقوَّضت وتحطمت أركانها بين من لوحِق وأُعدِم وبين من فقد سبل العيش؛ فمجاورة الملوك كمجاورة الوحوش، لا تعرف متى تنقضّ عليك وتنهي وجودك؛ فللطغيان وجوهٌ متغيرة باستمرار، ولكن يجمعها القهر والبؤس والخراب.