العقل المستباح

كلّ نهضة بدأت بسؤال بسيط: لماذا؟ وكلّ سقوط بدأ بإجابة جاهزة، مغلقة، صلبة، لا تسمح بالشكّ أو المراجعة، ربما تكون أوّل خطوة للنهضة العربية هي أن نتعلّم كيف نسأل من جديد.

  • طلاب وأعضاء هيئة التدريس بجامعة كولومبيا يتظاهرون احتجاجاً على تنازلات الجامعة لترامب (غيتي إيميجز)
    طلاب وأعضاء هيئة التدريس بجامعة كولومبيا يتظاهرون احتجاجاً على تنازلات الجامعة لترامب (غيتي إيميجز)

كنت أمرّ في ردهة أحد أقسام جامعة "IMD" في لوزان في سويسرا، عندما طالعني بابتسامته وقال لي إنه استمع لخطابي أمام زملائي الجدد في الجامعة، وأنه يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، وأنها ستنتصر كما انتصرت جنوب أفريقيا على العنصرية. ثمّ التقيته مرة أخرى في اليوم التالي، وتحديداً في لوبي الجامعة، تحدّثنا قليلاً، قال لي إنه من جنوب أفريقيا، جاء إلى سويسرا قبل أكثر من 30 عاماً، ثم تحدّث معي حول النهضة والوعي الذي قاد تلك الدولة إلى نبذ العنف والعنصرية، وكيف عملوا معاً لأجل تحقيق تنمية مستدامة، بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية، الدينية أو السياسية وغيرها. 

كما قال إنّ أيّ احتلال يسعى لتدمير التعليم، لأنه بذلك يعبث بكلّ ميكانزمات الروح والجسد، ويغيّر شكل الرأي والرؤية، ثم تحدّث عمّا فعله دونالد ترامب في الجامعات داخل الولايات المتحدة مؤخّراً، حيث أخبرني صديقي لويس عن تلك الاستراتيجية التي يقوم بها ذلك الرجل السادي، من خلال محاربة الوعي، فمحاربة التعليم تعني التوقّف عن طرح الأسئلة والقبول بما يفعله الطغاة، ثمّ التبعيّة العمياء لسلوكهم وسياساتهم الداخلية والخارجية. 

ذلك الحوار أعادني إلى جلسة سابقة مع محاضير "مهاتير" محمد، رئيس الوزراء الماليزي الأسبق، الذي انتقل بماليزيا من دولة زراعية نامية إلى دولة صناعية متقدّمة، ضمن مشروع 2020، الذي عمد خلاله على التركيز على قطاع التعليم والابتعاث إلى الخارج، إضافة إلى مشاريع تنويرية أخرى، أنفق كلّ ما يملك لأجل النهوض بالطفل والمرأة، الفرد والأسرة. 

كما تطرّق في حديثه معي بينما كنت برفقة فريق جاء من غزة، وكنت نائباً لرئيس الحركة الماليزية الفلسطينية في حينه، كيف نجحوا بتوحيد ماليزيا، ليصير شعار الدولة رقم واحد "ساتو"، يهتفون عند كلّ اجتماع بحبّ "ساتو ماليجيا" أي ماليزيا واحدة أو موحّدة.. رغم اختلاف الأديان والمذاهب والأفكار، فهناك الملاوي، صاحب الأرض الذي يشكّل ثلثي عدد السكان أو أقلّ قليلاً، وهناك الصيني والهندي الذي جاء برفقة الاستعمار البريطاني إبان احتلال تلك الدولة، لكنهم كلّهم بفضل الإيمان بالتعدّدية وقبول الآخر نجحوا في بناء دولة عظيمة، تنافس اليوم في سيادة العالم، وهي ضمن أبرز النمور الآسيوية. 

وقد قالت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل ذات مرّة في خطاب لها، إنّ الهند التي توجد فيها أعراق كثيرة وأرباب وأديان ولغات مختلفة تعيش بسلام، بينما المسلمون الذين يجمعهم قرآن واحد، ونبي واحد ولغة واحدة وتاريخ واحد، يقتتلون دائماً، يكفّر بعضهم الآخر، وقد تألّهوا على الناس، يرى كلّ واحد فيهم أنه الطائفة المنصورة، والسؤال هنا: لماذا يرى كلّ واحد فيهم أنه الطائفة المنصورة؟ وعلى من سينتصرون؟ على أبناء جلدتهم أم إخوتهم في الدين أم من؟ ثمّ من وما الذي يدفعنا لأن نشحذ أسلحتنا كي نقتتل لأجل خلافات وقعت قبل أكثر من 1400 عام بين رجال غادروا هذه الحياة إلى غير رجعة؟ 

لماذا هذه العصبية؟ ومن الذي يغذّيها؟ وهل الجماعات الدينية لها دور في ذلك؟ ثم لماذا نركّز على العلوم الدينية التي تعمد إلى التأويل كيفما شاء الداعية أو الفقيه أو حتى السلطان، بينما نترك علوم الحياة؟ وكيف نبحث عن حلول لأجل النهضة؟ أليس مشايخ ودعاة الوطن العربي الممتد هم من يتحدّثون بإسهاب عن الغرب الكافر، ومادّيته التي تأخذهم إلى الانتحار، بينما يسعى العربي بكلّ ما أوتي من قوة للهرب إلى بلادهم التي يحكمها القانون؟ لماذا تنعم بلادهم بالأمان بينما تنتعش بلادنا بالخراب؟ لماذا يمتلكون كلّ شيء حتى الصراخ في وجه الحاكم، بينما تنحني الرقاب عند أحذية رجالات الأمن في بلادنا؟ وأسئلة كثيرة لا تنتهي.

أتذكّر قول تشرتشل في خطابه الشهير للشعب الإنجليزي، حين قال له بكلّ وضوح: "ليس لدي ما أقدّمه سوى الدم والكدح والدموع والعرق". حيث كان يؤمن أنّ النجاح يبدأ من النضال والكفاح في الحاضر، لأجل صناعة المستقبل المشرق للأجيال الجديدة، فماذا فعل العربي للأجيال القادمة؟ ولذلك ربما نحن بحاجة لأن نقرأ الماضي، ليس لأجل الاقتتال، وإنما لأجل فهم الحاضر، وإدراك المستقبل، وتعلّم الدروس جيداً من تلك الأخطاء، لا أن يقوم العربي بتكرارها بهيئة وحلة جديدة.  

ربما نحن اليوم بحاجة إلى تعزيز الوعي أكثر من أيّ وقت مضى، فالنهضة لا يمكن أن تأتي من الأيديولوجية، بل من تقبّل الآخر، وتفهّم ظروفه والأسباب التي جعلت كلّ واحد فينا على هذه الشاكلة؟ نحن بحاجة إلى اكتشاف المواهب والعمل على تنميتها، كي تنتقل من الموهبة إلى الاحتراف، وصناعة حاضنات متنوّعة ومتعدّدة في شتى المجالات داخل البيئة المدرسيّة والجامعيّة وخارجها. 

نحن بحاجة لأن نستمع لأطفالنا من دون أن نضع الحواجز أو نقمع أسئلتهم، لأنّ الحصار الذي يعيشه العربي يجب أن ينتهي. إنّ استثمار العقول لا يحتاج إلى أموال كثيرة بقدر ما يحتاج إلى إرادة، إرادة أن نرى الإنسان قبل الدين أو الطائفة، وأن نسمع الفكرة قبل الصوت، وأن نضع المستقبل قبل الماضي. 

كلّ نهضة بدأت بسؤال بسيط: لماذا؟ وكلّ سقوط بدأ بإجابة جاهزة، مغلقة، صلبة، لا تسمح بالشكّ أو المراجعة، ربما تكون أوّل خطوة للنهضة العربية هي أن نتعلّم كيف نسأل من جديد.

اخترنا لك