العالم قبالة مراياه: تنهيدة النظام وحلم "الطريق الثالث"
ربما تكون البداية الوحيدة الممكنة لأيّ "طريق ثالث" حقيقي هي التوقّف عن انتظار المرايا الجاهزة، والشروع في نحت وجهنا الخاصّ من مادة الواقع المرير.
في أروقة دافوس، حيث اعتادت النخب ترديد ترانيم العولمة، جاء خطاب مارك كارني كصاعقة في ضباب سميك. اعترافٌ صادمٌ، لكنّ مصداقيّته القاتلة تنبع من كونه صادراً عن أحد أبرز مهندسي النظام المالي العالمي نفسه؛ عن رجل شغل أرفع المناصب في قلعته، من محافظ بنك كندا إلى محافظ بنك إنكلترا، وترّأس مجلس الاستقرار المالي العالمي، قبل أن يتولّى رئاسة وزراء كندا.
إنه ليس نعياً للنظام من خارجه، بل صرخة ألم من نثرات مرآة تكسّرت بعدما كان هو أحد المساهمين في صقلها. هذا الخطاب بمثابة إعلان أزمة من صميم البنية نفسها: الهيمنة الأميركية تتآكل حتى في عيون حلفائها التاريخيين. لكنّ السؤال المعلّق في الهواء كالدخان: هل هناك من ينتظر في الظلّ، قادراً ومستعدّاً لالتقاط المرآة المكسورة ولصق شظاياها؟
حلمٌ على المحكّ
لم يكن خطاب كارني ثورة من خارج السور، بل كان تنهيدة من أعلى أبراج الحصن. فهو الذي أمضى حياته المهنية بين مصارف وول ستريت (غولدمان ساكس) وأروقة البنوك المركزية ومنظّمات الاستقرار المالي الدولي، يعرف بالضبط أين تكمن شروخ النظام. إنها لحظة "التململ الوجودي" لقوى رضيت أن تكون ظلاً، فاكتشفت أنها فقدت حتى أثر أقدامها في رمال السياسة المتحوّلة. الرغبة في التحرّر تتعثّر دوماً عند باب المصلحة الواقعيّة: كيف تخرج من المظلة وأنت تخشى المطر؟
ودعوة "الطريق الثالث" التي يلوّح بها ليست خريطة طريق، بل هي حنين إلى بوصلة في عالم فقد اتجاهه. كندا وأستراليا واليابان وأمثالها تبحث عن فسحة بين مطرقة الولاء وسندان الخوف من الغد. إنه حلم جميل: أن تبني بيتك المستقل بين عمالقة يتشاجرون. لكنّ لبنات هذا البيت لا تزال مستوردة من سوق المهيمن نفسه. التاريخ يقول بأنّ هذه القوى، عندما تهبّ عواصف الأزمات، تفضّل البقاء تحت السقف القديم رغم شقوقه، على المخاطرة بالخروج إلى العراء.
غرينلاند: الاختبار المرير
وها هي غرينلاند تقدّم نفسها كمشهد مكشوف في مسرحية الانهيار. ليست مواجهة بين أعداء، بل هي خشبة مسرح يظهر عليها التناقض العاري للحلفاء. الولايات المتحدة تمدّ يدها إلى ثروات الجزيرة، وتحشر حليفتها الدنمارك في الزاوية. وتظهر أوروبا – ذلك التجسيد المجهض لحلم "الطريق الثالث" – وهي ترتجف بين خطاب السيادة وواقع التبعيّة الأمنية والاقتصادية. إنه اختبار مرير: كيف تطلب الاستقلال وأحد أعمدتك الرئيسية ينهار من الداخل؟ إنها صفعة واقعية للخطاب الرومانسي عن التحرّر.
وكان ردّ ترامب (كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة) مختصراً وجارحاً، في تجسيد فاقع لمنطق الهيمنة الخام، وكشف لوجهها الحقيقي القبيح: العالم سوق، والحلفاء عملاء. لا مكان للعواطف أو الشراكة التاريخية إلّا على رفوف الخطابات الدبلوماسية البالية. إنه تذكير قاسٍ بأنّ "الطريق الثالث" يحتاج إلى تضحيات عظيمة كي يُشقّ ويُعبَّد: الاستعداد لفقدان الحماية والامتيازات. وهذه عملة نادرة في محافظ الدول المتوسطة.
مرايا مشوّهة
وهنا يأتي السؤال الملحّ: إذا كسرنا مرآة الهيمنة الأميركية، فبأيّ مرآة سننظر؟
- روسيا مرآة الإمبراطورية المتشظية: تقدّم موسكو نفسها ليس كحاملة لمشروع عالمي جديد، بل كحارسة لمرآة قديمة تعكس مجداً إمبراطورياً غابراً. أداتها هي "سكين الظل" – تخريب الاستقرار وزعزعة اليقين في حدائق الخصوم – لكنّ هذه الاستراتيجية تنبع من إدراكها العميق بأنها غير قادرة على منافسة المرايا الجاذبة اقتصادياً أو ثقافياً. إنها تكتفي بكسر مرايا الآخرين لأنّ مرآتها الذاتية، رغم صقلها بخطاب سيادي صارم، لا تعكس صورة جذّابة إلّا لمن هم داخل دائرة نفوذها الأمني المباشر. شراكاتها تقوم على المعارضة للغرب أكثر من قيامها على جاذبية داخلية، مما يجعل "الطريق الثالث" المرتكز إليها هشّاً وعرضة للاهتزاز مع أول تقلّب في سوق الطاقة. إنها مرآة تعكس الخوف من الغرب أكثر مما تعكس الأمل بمستقبل مختلف.
- الصين مرآة التناقض: تمتلك بكين مرآة ضخمة مصقولة ببراعة اقتصادية، لكنّ انعكاسها يربك المشاهد. من يدنو منها يرى فرصاً لا تنتهي، ولكن إذا أمعن النظر، يرى أيضاً طموحاً يبتلع كلّ شيء في طريقه. سعيها للسيطرة على شرايين الصناعة العالمية (مثل المعادن النادرة) يجعل الشركاء المحتملين يتساءلون: هل تدعوننا لشراكة، أم إلى تبعيّة أكثر ذكاءً وأشدّ عمقاً؟ إنها تخلق تنافراً بين جاذبية سوقها ونفوراً من هيمنتها المقبلة.
- أوروبا مرآة الشقوق: تمثّل التجربة الأوروبية المرآة الأكثر تعقيداً؛ فهي تحاول أن تكون مرآة "الطريق الثالث" بامتياز – قوة مدنية عظمى قائمة على المصالح والقوانين والقيم المشتركة. لكنّ شقوقاً عميقة تظهر على سطحها: التبعيّة الأمنية لأميركا، والانقسامات الداخلية، وغياب الإرادة الاستراتيجية الموحّدة. أزمة غرينلاند هي تجسيد واضح لهذه الشقوق: فشل أوروبا في حماية حليف صغير من ضغوط الحليف الكبير يكشف هشاشة السيادة الأوروبية المعلنة.
خطاب كارني وأزمة غرينلاند هما فصلان في مسرحية واحدة: مسرحية البحث عن وجه في عالم تتداخل مراياه. الهيمنة الأميركية تتشقّق، لكنّ البدائل تظهر إما كمرايا إمبراطورية غابرة (روسيا)، أو كمرايا جاذبة لكنها تمتصّ كلّ الضوء (الصين)، أو كمرايا متحالفة لكنها متشقّقة (أوروبا).
"الطريق الثالث" ليس مصيراً محتوماً، بل هو رحلة في متاهة. رحلة تتطلّب أكثر من الشجاعة البلاغية؛ تتطلّب قدرة نادرة على تحمّل العزلة الاقتصادية، واختراع لغة جديدة للأمن بعيداً عن القوة العسكرية التقليدية، وبناء سيادة تقوم على الاكتفاء التكنولوجي والاستقلال في سلاسل الإمداد – وهي مهمة شاقة لم تنجح فيها أيّ قوة متوسطة بعد.
نحت الوجه الخاص
لذا، فإنّ قيمة خطاب كارني لا تكمن في الجدّة، بل في المصدر. عندما يعلن حارس النظام السابق، الذي كرّس حياته لخدمة استقراره، عن وهنه البنيوي، فإنّ ذلك إقرار بوصول الأزمة إلى نقطة اللاعودة. هذه "التنهيدة المؤسسية" من دافوس أخطر من أيّ هتاف خارجي؛ إنها إعلان إفلاس من الدائنين أنفسهم.
وأمام هذا المشهد الكوني المعقّد، يطلّ السؤال على العالم العربي كمن يعاني من حسر البصر: أيّ وجه سنرى عندما تسقط كلّ المرايا؟ الدرس المستخلص ليس البحث عن انعكاسنا في مرايا الآخرين – الأميركية المتشقّقة، أو الروسية المعتمة، أو الصينية اللامعة – بل الانشغال أولاً بصناعة الزجاج نفسه. أي بناء القدرات الذاتية في الصناعة والتكنولوجيا والتعليم والحوكمة، التي تمكّن من تشكيل مرآة خاصة في المستقبل.
ربما تكون البداية الوحيدة الممكنة لأيّ "طريق ثالث" حقيقي هي التوقّف عن انتظار المرايا الجاهزة، والشروع في نحت وجهنا الخاصّ من مادة الواقع المرير: مصالحات داخلية صادقة، وبناء مؤسسات حقيقية، وشراكات ذكية تبادلية لا تباع فيها الكرامة في سوق الولاءات.
إنّ التحدّي الذي يطرحه هذا المشهد يتجاوز اختيار التحالف الأقل سوءاً. فهو يدعو إلى تحوّل جذري في التفكير: من منطق البحث عن مرآة تعكس صورة مريحة، إلى منطق امتلاك القدرة على تشكيل المادة التي تُصنع منها المرايا. ففي زمن التصدّعات الكبرى، لا يكفي أن نختار انعكاساً؛ بل يجب أن نشارك في صناعة البصريات التي تخلق الانعكاسات.
