الصين والعرب من منظار باحث صيني: التجربة الصينية نموذجاً للآخرين
تحوّلت الصين من دولة فقيرة كان نصيب الفرد من إجمالي ناتجها المحلي (GDP) 310 دولارات عام 1989 إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في العام الماضي 10.261 دولاراً.
-
الصين والعرب من منظار باحث صيني: التجربة الصينية نموذجاً للآخرين
كتاب "الصين والعرب" للدكتور شوي تشينغ قوه، يلقي الضوء على كل من الحضارتين الصينية والعربية، وكلتاهما حضارة محورية على حدّ قول الفيلسوف الألماني الكبير Karl Jaspers، رغم بُعد المسافة والاختلافات الجغرافية والمعيشية التي تفصل بينهما وتطلق أوجه الاختلاف، فإن الحضارتين تمتازان ببعض المشتركات والمتشابهات المستمدة من التماثل أو التشابه في الخصائص الفيسيولوجية والتجارب المعيشية المشتركة للبشرية جميعاً، وأوجه التشابه الموجودة في الحضارات الشرقية الآسيوية العريقة عموماً والنابعة من التشابه في المسيرات التاريخية والهموم والمعاناة والتبادلات الثنائية الضاربة بجذورها عمق التاريخ، كما إن المشتركات بين الحضارتين أكثر من المختلفات بينهما وهي حقيقة شكّلت الأساس المعنوي للصداقة التاريخية التي كانت ولا تزال تربط بين الشعبين الصيني والعربي منذ القدم حتى اليوم.
كتاب "الصين والعرب" من منظار باحث صيني للمؤلف شوي تشينغ قوه، صادر عن دار "فضاءات" عمان 2025.
تاريخ العلاقات الصينية-العربية
يستعرض المؤلف تاريخ العلاقات الصينية- العربية الموغل في القدم، إذ إن المخطوطات العربية والصينية القديمة حفلت بكتابات غنية عن بعضهما البعض، ولكن معظم هذه الكتابات العربية والصينية على حدّ سواء ليست أكثر من أوصاف سطحية للعادات والتقاليد والمظاهر الخارجية للطبيعة والمجتمع، وقلّما تناولت الجوانب الروحية والفكرية أو التبادل الثقافي البعيد الجذور بين الشعبين الصيني والعربي والتعارف العميق، لذا بقيت صورة العربي والصيني في نظر بعضهما البعض غامضة وسطحية، واستمرت الحال من دون تغيير كبير حتى في العصر الحديث عندما دخل "الآخر" الغربي إلى عوالم الصينيين والعرب بقوة بصفته العدو الغازي أحياناً والقدوة والمعلّم أحياناً أخرى. لذلك، وبسبب المعاناة المتشابهة للشعبين الصيني والعربي من قبل الغرب الاستعماري الإمبريالي الذي حلّ أيضاً كمرأة تعكس مدى الجمود والتخلّف في الشرق بالعصور الماضية، كانت كلمة "الآخر" تعني حصراً "الآخر الغربي" سواء في الصين أو في العالم العربي بينما غاب "الآخر" العربي أو الصيني عن اهتمامات بعضهما بعضاً لفترات طويلة في العصر الحديث، ورغم أن التاريخ الصيني شهد فترات من الفتنة والانقسام، فإن تماسك المجتمع ووحدة السلطة كانا السمة الغالبة في تطور الثقافة الموحدة، أما الحضارة العربية فهي حضارة موحّدة، إذ يشترك العرب في لغة واحدة ودين واحد هو الإسلام، وعلى الرغم من أن الوحدة والانقسام كانتا متجاذبتين ومتلازمتين في التاريخ السياسي العربي، فإن المشتركات الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية ظلت توحّد القيم والأفكار والمشاعر العربية.
سباق النموذجين
يعلق المؤلف شوي تشينغ قوه في كتابه، على الانتقادات العربية التي ترى أن "بكين ليست مؤهلة للفوز في سباق النموذجين" في إشارة إلى النموذج الشرقي الصيني والنموذج الغربي الأميركي، وهذه فكرة ليست إلا تنويعاً لما عبّر عنه الفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما في بحثه الشهير "نهاية التاريخ"، إلا أن هناك بعض الحقائق منها: لم يسقط النظام الصيني الاشتراكي أو الشيوعي، بل حقّق نجاحاً باهراً، إذ تحوّلت الصين من دولة فقيرة كان نصيب الفرد من إجمالي ناتجها المحلي (GDP) 310 دولارات عام 1989 (مقابل نصيب الفرد الهندي في العام نفسه 346 دولاراً) إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في العام الماضي 10.261 دولاراً (مقابل نصيب الفرد الهندي 2.104 دولارات) والأرقام صادرة عن البنك الدولي وحسب تقرير نشره "مركز آش (ASH) للحوكمة الديمقراطية والإبداع في جامعة هارفارد، ويقارن المؤلف بين فشل النموذج الغربي المفروض بالقوة أو بإغراءات مادية على دول عديدة في العالم منها بعض الدول العربية والوضع المأساوي فيها، وما يسمى "النموذج الديمقراطي للشرق الأوسط الكبير" على حدّ تعبير الإدارة الأميركية وبين تجربة النهضة الصينية، ويذكر المؤلف هذه الحقائق من دون أن يزعم أن الصين ستفوز في "سباق النموذجين" ولا يفضّل تعبير "النموذج الصيني" وأفضّل استخدام تعبير "التجربة الصينية" بدلاً منه.
أما ملاحظة الدكتور شوي تشينغ قوه الأولى: أن التجربة الصينية ليست نقيضاً للنموذج الغربي إنما تحتوي على مكونات مستمدة من الغرب، وخصوصاً ما يتعلّق بطرق إدارة الأعمال والتجارة والنظام الاقتصادي، وقد يغيب عن إدراك الكثيرين أن الحكومة الصينية ترسل سنوياً عدداً كبيراً من الكوادر على مستويات مختلفة إلى الدول الغربية.
والملاحظة الثانية: أن التجربة الصينية لا تعني النجاح والإنجاز فقط، بل تعني دروساً ومشكلات أيضاً، إذ إنها كانت ولا تزال بعيدة عن الكمال، وذكر مثلاً أن التقرير الصادر عن مركز "آش" في جامعة هارفارد، أشار إلى ظاهرة مهمة هي أن نسبة رضى الشعب الصيني عن أداء الحكومة لدى الفئات الأعلى دخلاً والأحسن تعليماً تكون أقل من الفئات الأفقر والأقل تعليماً، ومعنى ذلك أن الفئات الأولى من الشعب الصيني لا ترتضي بتحسن المستوى المعيشي المادي فقط، بل تطمح إلى التقدم في النواحي غير المادية أيضاً.
وباختصار، إن التجربة الصينية هي وليدة واقع الظروف الصينية وقابلة للإصلاح والتعديل.
التجربة الصينية واختيار الطريق
يقدم المؤلف بعض النصائح منها اختيار الطريق، ويضيف "قد يجد العرب في التجربة الصينية ما يفيدهم أو يلهمهم في بحثهم عن الطريق إلى النمو والتقدّم، فالتجربة الصينية التي نجحت في الارتقاء بالبلاء من إحدى أفقر دول العالم إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمياً خلال سنوات فقط، هي تجربة فريدة من نوعها لأنها ليست مفروضة على الصين من الخارج بالقوة ولا تعني تقليداً لأي نموذج جاهز أو نقلاً لأي نظرية ثابتة بل هي نتيجة الاجتهاد الصيني المبني على أرضية الواقع الصيني مع الاستفادة من تجارب جميع الشعوب". ويمكن تلخيص هذه التجربة بإيجاز شديد كالآتي: اكتشاف طريق مناسب في التنمية نابع من الخصوصية الصينية. إجراء إصلاحات بشكل مستمر من أجل مواكبة تقدّم العالم من ناحية وحلّ المشكلات المستجدة من ناحية أخرى. السعي لتحقيق التوازن بين الإصلاح والتنمية والاستقرار لأنها عناصر ذات علاقة جدلية ومتلازمة في ما بينها.
الصين والقضية الفلسطينية
يشدد المؤلف في كتابة، أن موقف الرأي العام الصيني لا يختلف كثيراً عن موقف الصين الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية. وقد استمرت في دعم عدالة القضية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية حتى مطلع القرن الحالي من دون تغيّر كبير، ولكن طرأت على هذا الوضع بعض التغيرات في السنوات العشر الأخيرة، إذ غدت كلّ مسألة تتعلّق بالصراع العربي- الإسرائيلي محل خلاف شديد بين الصينيين الذين انقسموا إلى الموالين للعرب وفلسطين والموالين لـ"إسرائيل"، وكثرت أقاويل موالية لـ"إسرائيل" تربط دائماً بين المقاومة الفلسطينية وبين التطرف والإرهاب، بل وتظهر بين حين وآخر إشاعات تشوّه صورة الفلسطيني والعربي والمسلم، خصوصاً الأحداث الإرهابية التي قام بها بعض الانفصاليين الإرهابيين في إقليم شينجيانغ وخارجه منذ عشر سنوات تقريباً، ولاقت تأييداً ودعماً من منظمات إسلامية ما تسبب بسوء فهم لدى بعض الصينيين الذين يربطون أحياناً بين الإسلام والتطرف والإرهاب ودعمهم من قبل بعض العرب.
من هو المؤلف شوي تشينغ قوه
هو أستاذ في كلية الدراسات العربية بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، ومدير مركز الشيخ زايد لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية بالجامعة، ونائب رئيس جمعية الدراسات الشرق أوسطية في الصين وعضو اتحاد كُتّاب الصين، يختص بالدراسة والترجمة في الأدب العربي والثقافة العربية والعلاقات الصينية-العربية، وقد صدرت له 6 مؤلفات وما يقارب 30 عملاً مترجماً بين اللغتين العربية والصينية، بالإضافة إلى عشرات الأبحاث التي نُشرت في الصين وفي الدول العربية. فاز بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي وجائزة لوشون الأدبية (فئة الترجمة الأدبية) التي تعدّ أغنى جائزة أدبية في الصين، وفي عام 2024 نال لقب "المترجم الكبير" من قبل اتحاد المترجمين الصينيين.
وما يميّز الكاتب شوي تشينغ قوه، في مؤلفه "الصين والعرب" من منظار باحث صيني، حقاً هو منهجيته المتّزنة في الطرح وموضوعيته العالية في تناول القضايا وحرصه الدائم على انتهاج الحقيقة بصدق وتجرّد حتى حين يتحدّث عن الغرب وأميركا وعن ديمقراطيتها المزعومة وسعيها إلى فرضها بالقوة على بلدان الشرق الأوسط تجده يناقش بعينٍ ناقدةٍ لا حاقدة، وبمنطق متّزن بعيدٍ عن التهويل أو التحامل ما يمنح القارئ ثقة كبيرة بمصداقية الكتاب وعمق فكره ويقدم التجربة الصينية نموذجاً للآخرين.