السردية الفلسطينية لحرب الإبادة.. ثنائية الألم والأمل

لتصويب انحراف السردية الفلسطينية لحرب الإبادة بالاتجاهين، الوطني والإنساني، لا بد للسردية الفلسطينية أنْ تدمج بين البُعدين الوطني والإنساني بطريقة متوازنة ومتزنة.

أصدرت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" كتاباً بعنوان "غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات"، يُركز على البُعد الإنساني لسردية حرب الإبادة الإسرائيلية بأصوات الضحايا، فتوّثق قصص وشهادات الكتاب ثنائية الألم والأمل وما يوازيهما: جدلية الموت والحياة، وصراع الإبادة والبقاء، وتعاقب اليأس والرجاء، ودورات التشاؤم والتفاؤل... ومنها قصة "ميلاد لُبنى" بصوت رغدة أبو عرجة التي فقدت أسرتها، زوجها وأطفالها الثلاثة ووالديها وشقيقها، ونجت هي وشقيقتاها الصغيرتان، وهي حامل، من تحت ركام منزلها المقصوف.

روت رغدة قصتها مُعبرةً عن ألم فقد الأُسرة، فقالت: "صارت حياتي جداً صعبة، أولاً من ناحية المشاعر ما في أصعب من الفقد والحسرة والألم والوجع عليهم، ثانياً من ناحية هاي الظروف محتاجة مُعيل... كيف بدي أخلّف بيبي يتيم من أول يوم؟ كيف بدي أولد لحالي بدون أي حد معي؟ كيف بدي أربّي هذا البيبي (الطفل) بدون داعم ولا زوج ولا أهل؟.."، وبعد ولادة "لُبنى" عبّرت رغدة عن أمل الحياة، فقالت: "بديت أتحسن شوي، علشان خاطر البيبي، وبديت أقوّي حالي لأنه في كائن جديد محتاجني، وعشان خاطر أخواتي الأصغر مني اللي محتاجيني".

وكذلك "مركز الشام للدراسات والبحوث" الذي أصدر كتاباً بعنوان "تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب"، ومن عناوينه المُعبرة عن ثنائية الألم والأمل: "مع النازحين.. خطاب الألم والأمل"، "المقاومة.. بقعة بطولة في بحر الكارثة"، "أبطال وضحايا"، "الحرب بين الصمود والعجز"، "إرادة الحياة أقوى من طوفان اليأس"، "الخير قد يولد من رحم الشر"، "الولادة في الحرب.. تحدي الموت وتجدد الحياة"، "صناعة الفرح من وسط رُكام الأحزان"، "بيت الأسرة.. أكثر من مجرد بيت وأثاث".

وتحت هذا العنوان الأخير تتجسد ثنائية ألم فقد البيت والأمل الذي تصنعه الإرادة، وتتجلَّى القيمة المعنوية الإنسانية لبيت الأُسرة، "هدم المساكن يتجاوز بآثاره الجانب المادي، فالدار... تاريخ الأُسرة وذكرياتها، والروح الكُلية للأسرة التي تُعطي للبيت الجوانب المميزة للمكان، والشخصية الجمعية للأُسرة التي تكوّنت عبر تفاعل الإنسان مع البيت.. والإنسان بما هو أُسرة ربطها بالبيت رباط عاطفي اختلط فيه الحزن بالفرح، وامتزج فيه اليأس بالأمل، وذابت فيه اللحظات الحلوة بالمُرّة". ورغم ألم فقد البيت تُشرق ومضة أمل من "إرادة ترفض الانكسار الذي أراده العدو للشعب الفلسطيني".

القصتان، "ميلاد لُبنى" و"بيت الأُسرة"، من الكتابين نموذجان لثنائية الألم، فقد الأُسرة وهدم البيت، والأمل، تجدد الحياة وقوة الإرادة، في إطار البُعد الإنساني للسردية الفلسطينية لحرب الإبادة في غزة وكل فلسطين، السردية الإنسانية التي تجمع بين: خوف الموت وإرادة الحياة، ووجع الفقد وعزم البقاء، وأنين الجُرح وإصرار الشفاء، ومعاناة النزوح وحلم العودة، وتهديد التهجير ورجاء الاستقرار، وسطوة الحزن وانتزاع الفرح، وهيمنة اليأس والتشبث بالأمل، ومخاوف الحاضر وبُشريات المستقبل، وواقع النكبة وشجاعة الصمود، وحقيقة الكارثة وبطولة المقاومة، والإحساس بالانكسار ويقين الانتصار.

السردية الفلسطينية لحرب الإبادة ببعدها الإنساني وأدواتها المتنوّعة، الإخبارية والصحفية والتاريخية والأدبية، تتجاوز الأرقام الصماء والأعداد المجردة والإحصائيات الجافة والتقارير الرسمية، لتجعل الإنسان بتجربته الشخصية ومعاناته الفردية ومشاعره الإنسانية وقصصه الخاصة هو محور الحدث، وتعمل على أنسنة الأخبار والتقارير والوثائق والقصص والشهادات، فتوّثق آلام وآمال الضحايا، وتُسجّل أوجاع وأحلام الغلابة، وترصد الآثار النفسية والظواهر الاجتماعية للحرب، وتقدم نماذج مختارة لرموز المعاناة الإنسانية في مجالات الفقد والهدم والنزوح والجوع والحرمان وغيرها، وتُعطي الضحايا حقوقهم في التعبير عن أحزانهم وأوجاعهم واحترام خصوصيتهم وكرامتهم، وتخلق تعاطفاً لدى الجمهور مع الضحايا، وتفضح جرائم الاحتلال وتبني أرشيفاً حياً من القصص والشهادات التي توثقها، وتقدم سردية مُضادة لسردية الاحتلال أمام الرأي العام العالمي.

السردية الفلسطينية لحرب الإبادة، إضافةً إلى مواجهتها السردية الإسرائيلية المُضادة، تواجه انحرافاً من داخل البيت الفلسطيني باتجاهين، الأول هو تجاهل البُعد الإنساني والتركيز على البعد الوطني من منظور حزبي، فأنتج خطاباً سياسياً وإعلامياً يبدو كأنه يستهين بكُلفة الحرب الإنسانية وتضحيات الشعب ومعاناة الناس وآلام الضحايا، فيصفها بأنها: خسائر تكتيكية تعوُضها (المكاسب الاستراتيجية)، أو خسائر على خط الإنتاج نسترجعها بـ (إعادة الإنتاج) بالولادة، أو خسائر صغيرة من أجل (المشروع الكبير)، أو خسائر محدودة لتحقيق (إنجازات كبيرة)، أو خسائر غير مهمة لا تساوي (خسارة القادة). وهو خطاب منفصل عن حقائق الواقع، ومنعزل عن معطيات الميدان، ومنقطع عن هموم الناس، وهو خطاب يغلب عليه العنترية وليس المسؤولية، والعشوائية بدل التخطيط، والسفاهة عوض الحكمة.

والاتجاه الثاني في انحراف السردية الفلسطينية هو تجاهل البعد الوطني والتركيز على البعد الإنساني، فأنتج خطاباً سياسياً وإعلامياً غير متوازن بين المعاناة الإنسانية والحقوق الوطنية، مما يؤدي إلى: تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني التحرري، وعزل القضية الفلسطينية عن سياقها التاريخي الحضاري، وإبعاد القضية الفلسطينية عن صفتها السياسية الحقوقية، وهذا من شأنه أنْ يحصر القضية الفلسطينية في البُعد الإنساني كقضية إنسانية أو أخلاقية أو قضية لاجئين أو نازحين، أو قضية جماعة بشرية بحاجة إلى توفير مقومات الحياة الأساسية... وهو انحراف يُعالج نتائج وأعراض الحرب والعدوان، ولا يعالج جذور وأسباب الحرب والعدوان.

ولتصويب انحراف السردية الفلسطينية لحرب الإبادة بالاتجاهين، الوطني والإنساني، إضافةً إلى مواجهة تحدي تضليل السردية الإسرائيلية للصراع والحرب، لا بد للسردية الفلسطينية أنْ تدمج بين البُعدين الوطني والإنساني بطريقة متوازنة ومتزنة بين ثنائيات الألم والأمل، والمظلومية والبطولة، والضعف والشجاعة، والتعب والمقاومة، والمعاناة والصمود، والمشقة والإرادة، والكُلفة والإنجاز... وبهذا الدمج المتوازن والمتزن فقط يُمكن تصويب انحراف السردية الفلسطينية لحرب الإبادة والصراع، ونستطيع مواجهة وإبطال تضليل السردية الإسرائيلية بأبعادها العنصرية والاستعلائية والعدوانية.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك