الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل: إحياء الذاكرة
كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل" هو دراسة اجتماعية أصيلة جمعت بين قدسية الوثيقة وحرارة الذاكرة، إذ استند إلى السجلات الشرعية، ووثائق الأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى، وأرشيفات الوثائق البريطانية الصادرة عن حكومة فلسطين والصحف المعاصرة.
-
الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال الانتداب البريطاني حتى عام 1948: إحياء لذاكرة لم يمر عليها الزمن
كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال الانتداب البريطاني" بمنزلة دراسة تاريخية عن مدينة الخليل، إحدى أعرق المدن الفلسطينية، ولها أهمية استراتيجية ومجتمعية؛ كونها أكبر المدن جنوبي فلسطين، وقد كانت موطناً لأجيال من السكان العرب الكنعانيين الذين تعاقبوا على أرضها، إذ تتمتع المدينة بمكانة دينية خاصة لاحتضانها المسجد الإبراهيمي الشريف، الذي يضمّ ضريح النبي إبراهيم عليه السلام، ويُعدّ رابع أقدس المساجد في الإسلام.
جاء كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل في ظل الانتداب البريطاني حتى سنة 1948" نظراً إلى تلك الفترة التي شهدت تحولاتٍ في تاريخ المدينة وأثرت في مختلف جوانب الحياة الفلسطينية؛ إذ إن الحياة الاجتماعية لمدينة الخليل خلال فترة الانتداب البريطاني تحتاج إلى فهمٍ أعمق للواقع الاجتماعي والثقافي، وإلى معرفة أهمية تأثير التحولات التي شهدتها المدينة وسكانها. ويقدم الكتاب نظرةً شاملة للتأثيرات الاجتماعية التي خلّفها الانتداب البريطاني في المدينة وسكانها.
كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال فترة الانتداب البريطاني حتى عام 1948"، للمؤلفة رزان عبد الحليم عابدين، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2026 في بيروت - لبنان.
تأثير السياسات البريطانية في الواقع السكاني
تغطي هذه الدراسة التاريخية الفترة 1918–1948، وهي الفترة التي شهدت بداية الحكم البريطاني ونهايته في فلسطين. وقد تم اختيار مدينة الخليل نظراً إلى مكانتها الدينية العريقة ودورها الحيوي جنوبي فلسطين، كما يهدف الكتاب إلى دراسة تركيب المجتمع الخليلي وأوضاعه الاجتماعية والعادات خلال فترة الانتداب، مع إبراز دور الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية في بناء مجتمع يواكب تطورات العصر والمحافظة على الهوية والتراث، بالإضافة إلى عرض أوضاع الأسرة من حيث المسكن والزواج والمناسبات الدينية، وتسليط الضوء على العادات والتقاليد التي مارسها الأهالي في تلك المناسبات. كما تسعى هذه الدراسة لتقديم مساهمة علمية من أجل فهم الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال تلك الفترة الانتقالية من تاريخ فلسطين، وتوثيق أعمق لمراحل تاريخية مهمة في مسار المدينة، وتسعى للإجابة عن عدة تساؤلات بشأن تأثير السياسات البريطانية في الحياة الاجتماعية العامة خلال الانتداب.
ومن بين هذه التساؤلات: كيف أثرت سياسات الانتداب البريطاني في الحياة الاجتماعية في المدينة؟ وما التغيرات التي طرأت على النسيج السكاني والبنية الاجتماعية في الخليل خلال هذه الفترة؟ وكيف أسهمت السياسات البريطانية في إعادة تشكيل التركيبة السكانية للمدينة؟ وما إنجازات بلدية الخليل والمؤسسات الخدمية المتنوعة خلال الانتداب في تطوير البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات العامة؟ وما تأثير ذلك في حياة السكان اليومية؟ وكيف أسهمت المؤسسات الدينية في ترسيخ الهوية الدينية والاجتماعية لسكان مدينة الخليل خلال فترة الانتداب البريطاني؟ وهل تأثرت العادات والتقاليد الاجتماعية في الخليل بسياسة الانتداب البريطاني؟ وكيف أسهمت التغيرات الاجتماعية التي أحدثها الانتداب في تغيير نمط الحياة اليومية لسكان المدينة؟ وما الآثار التي تركها الانتداب البريطاني في مدينة الخليل وأهلها؟
اعتمدت المؤلفة رزان عبد الحليم عابدين على مصادر جديدة ومتنوعة، كالمقابلات الشخصية، والأرشيفات العائلية، والوثائق غير المنشورة كوثائق مؤسسة وقف تميم الداري، بالإضافة إلى مصادر أولية، بما في ذلك الوثائق المحفوظة في مركز مخطوطات ودراسات بلاد الشام، وسجلات محكمة الخليل الشرعية، ودفاتر عقود الزواج، إلى جانب وثائق المجلس الإسلامي الأعلى، كما تم الاطلاع على الصحف الفلسطينية في تلك الفترة عبر أرشيف المكتبة الوطنية وأرشيف الجامعة الأردنية، ومصادر أخرى.
أقسام الكتاب
قسمت المؤلفة رزان عبد الحليم عابدين الدراسة إلى تمهيد و5 فصول، مرفقة بمقدمة وخاتمة؛ فقد سبق الفصلَ الأول تمهيدٌ لتقديم لمحة موجزة عن المدينة وسبب تسميتها وموقعها الجغرافي وأوضاعها قبيل الاحتلال البريطاني، ثم خُصّص الفصل الأول لدراسة التركيبة السكانية لمدينة الخليل خلال عهد الانتداب البريطاني (1918–1948)، مركزاً على التغيرات الاجتماعية التي شهدتها المدينة. كما يشمل الفصل التوزيع الديني والعرقي للسكان مع تسليط الضوء على المسلمين وتنوع أصولهم العرقية، مع الإشارة إلى تناقص أعداد اليهود بسبب التوترات السياسية والأحداث كثورة البراق سنة 1929 التي أدت إلى إجلاء اليهود من المدينة. كما يناقش هذا الفصل العلاقات بين سكان المدينة نفسها والقرى المحيطة، والزواج والطلاق. وقد عُرِض موضوع الهجرة السكانية من مدينة الخليل إلى كل من مصر وإمارة شرق الأردن، وكذلك الهجرة الداخلية وبالتحديد إلى مدينة القدس، الأمر الذي أدى إلى فهم أعمق لتطورات مدينة الخليل.
أما الفصل الثاني، فقد تناول المظاهر العمرانية في مدينة الخليل حتى انتهاء الانتداب البريطاني سنة 1948، مركزاً على التنظيم الحضري للمدينة، وأبرز الحارات والمحال التي نشأت حول المسجد الإبراهيمي وأسماء العائلات التي سكنتها. ويتناول الفصل أيضاً أنماط البناء التقليدية في المدينة؛ فقد كانت البيوت متلاصقة ومبنية من الحجر الجيري، وهو ما يعكس الروابط الاجتماعية القوية والحاجة إلى الأمان، وكيفية تغير نمط البناء بالتدريج في حقبة الانتداب البريطاني. كما يتطرق الفصل إلى المرافق العامة، كالأسواق المتخصصة التي كانت مراكز للتجارة والحياة اليومية، والخانات والفنادق التي استضافت المسافرين والتجار، والمقاهي التي شكلت أماكن للتجمع الاجتماعي. وعلى الرغم من غياب دور السينما التقليدية، فقد عرفت مدينة الخليل السينما المتجولة التي ساهمت في التوعية الثقافية.
وجاء الفصل الثالث لإبراز أهم المؤسسات الخدمية في مدينة الخليل ودورها المحوري في تلبية حاجات السكان، وخصوصاً دور بلدية الخليل في إدارة البنية التحتية وتقديم الخدمات العامة وتنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة. كما يتناول الفصل تطور وسائل النقل وخدمات البريد والتلغراف، بالإضافة إلى الخدمات المالية والصحية والتعليمية، كما يُظهر مدى التقدم الذي حققته المدينة في مختلف المجالات المذكورة، وكيف أسهمت هذه المؤسسات في تعزيز استقرار المجتمع في مدينة الخليل.
وأُفرِد الفصل الرابع للحديث عن الأهمية الدينية لمدينة الخليل، مبرزاً دور المؤسسات الدينية التي كانت حجر الزاوية في الحياة الدينية والاجتماعية خلال الانتداب البريطاني. ويتناول الفصل الحديث عن الجوامع والمساجد في المدينة، وخصوصاً المسجد الإبراهيمي الذي يُعدّ رابع أقدس المساجد الإسلامية، والزوايا التي كانت مراكز للتصوف والتعليم الديني، والخانقاوات التي ارتبطت بشخصيات صوفية بارزة. كما يتطرق الفصل إلى دور مؤسسة سيدنا إبراهيم الخليل و(سماطه) كمؤسسة خيرية قدمت الدعم الغذائي للفقراء والمحتاجين، وهو ما يعكس عمق التكافل الاجتماعي في المدينة.
واختُتمت الدراسة في الفصل الخامس، الذي ركز على العادات والتقاليد في مدينة الخليل، وخصوصاً في ما يتعلق بالعرس الخليلي، بالإضافة إلى الممارسات الاحتفالية في المواسم الدينية كشهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى وموسم النبي موسى. كما تناول الفصل أنواع الملابس التقليدية والأطعمة، كالقدرة الخليلية ودبس العنب وغيرها مما كان يُعد جزءاً من تراث المدينة. واختُتم الفصل بإلقاء الضوء على طبيعة اللهجة الخليلية التي تحمل في طياتها خصائص لغوية تميزها عن سائر لهجات سكان المدن الفلسطينية الأخرى، والتي حافظ عليها المجتمع الخليلي على الرغم من خضوع المدينة لحكم الانتداب البريطاني.
المصادر الأساسية والتاريخية
اعتمدت الدراسة على منهج البحث التاريخي الوصفي التحليلي القائم على استنباط المعلومات من مصادرها الأساسية، بهدف الوصول إلى فهم شامل ومتكامل للحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال فترة الانتداب البريطاني، ومن أبرز هذه المصادر:
أولاً: سجلات المحكمة الشرعية ودفاتر عقود الزواج في مدينة الخليل.
ثانياً: الأرشيف الإسرائيلي (ESA) في مدينة القدس.
ثالثاً: وثائق المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.
رابعاً: وثائق وقف تميم الداري.
خامساً: الأرشيفات والمحفوظات العائلية الخاصة.
سادساً: الصحف والمجلات.
سابعاً: المقابلات الشخصية والشفوية.
أخيراً، يأتي الكتاب في لحظة يجري فيها تغيير المعالم التاريخية للمدينة، إلا أن أزقة الخليل العتيقة وأسواقها الزاخرة ومن دفء البيوت العامرة بالحكايات، يولد كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل حتى عام 1948" ليُعيد رسم صورة المدينة في عهد الانتداب البريطاني (1918–1948)؛ إنه دراسة اجتماعية أصيلة جمعت بين قدسية الوثيقة وحرارة الذاكرة، إذ استند إلى السجلات الشرعية، ووثائق الأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى، وأرشيفات الوثائق البريطانية الصادرة عن حكومة فلسطين والصحف المعاصرة. وقد أضفت المقابلات الشفوية مع كبار السن الذين عايشوا تلك الحقبة روحاً نابضة على النص منحته بعداً إنسانياً. كما يأتي هذا الكتاب بوصفه عملاً أكاديمياً موثقاً ليقدم صورة دقيقة عن التاريخ الاجتماعي لمدينة الخليل في النصف الأول من القرن العشرين، ويشكل مرجعاً للباحثين ونافذة للمهتمين بتاريخ فلسطين الاجتماعي وهويتها الأصلية.