التذكرة الأخيرة للترام.. الإسكندرية تودّع جزءاً من تراثها
كيف تفاعل سكان الإسكندرية مع قرار إيقاف الترام؟ ولماذا يشكل ذلك وداعاً لفصل من تراث المدينة التاريخي والثقافي؟
جاء قرار إيقاف ترام الإسكندرية مؤقتاً اعتباراً من أوائل شباط/فبراير الجاري، كجزء من مشروع تطوير شامل للبنية التحتية للنقل في المدينة، يهدف إلى تحديث النظام القديم وتحويله تدريجياً إلى منظومة نقل حديثة تتكامل مع شبكة المترو الجديدة.
كان ترام منطقة "الرمل" في الإسكندرية يعمل منذ النصف الثاني من القرن الــ 19، وهو واحد من أقدم أنظمة الترام، وقد خدم أجيالاً من السكندريين في تنقلاتهم اليومية، ما جعل القرار بشأنه ليس مجرد إعادة هيكلة نقلية، بل فصلاً في سرد المدينة بين تراثها التاريخي وضرورات التحديث العمراني.
سيرة إسكندرية والتذكرة الأخيرة
-
إيقاف الترام يعني خسارة جزء أساسي من تراث المدينة وذاكرتها الحيّة (ياسمين سعيد)
بعد تداول أخبار إيقاف الترام، وقبل صدور قرار بدء الإيقاف الجزئي رسمياً، خرج عدد من السكندريين في جولة وداع لترام المدينة، نظّمت الجولة مبادرة "سيرة الإسكندرية"، وهي مبادرة شبابية تطوعية ثقافية تهدف إلى إحياء ذاكرة المدينة وربط سكانها وزوارها بتاريخها وتراثها، عبر جولات ميدانية بين شوارعها ومعالمها القديمة، تُقدَّم بوصفها تجربة شعبية تفاعلية أقرب إلى الحكي منها إلى التلقين.
جاءت الجولة تحت عنوان "التذكرة الأخيرة.. في وداع ترام المدينة"، حيث تجمع المشاركون من مختلف الأعمار في محطة الرمل، وصعدوا إلى الطابق الثاني من الترام، قبل أن تنطلق الرحلة على خط المدينة، مستعيدة تاريخ المحطات والمباني والقصص التي مرّ بها الترام، بقيادة مينا زكي، مؤسس المبادرة.
الترام كخريطة حية لتاريخ المدينة
-
في خط سيره الطويل يمرّ الترام بكل ما يُشكّل المدينة (محمد عوض)
يقول مينا زكي، إن خط الترام نفسه يتحول خلال الجولة إلى خريطة حيّة لتاريخ المدينة. فمنذ الانطلاق من محطة الرمل، تمر الرحلة على مبانٍ شكّلت ذاكرة الإسكندرية الحديثة، مثل فندقي "ميرامار" و"ليتل فينس" المرتبطين بأعمال نجيب محفوظ، ثم مسجد القائد إبراهيم الذي شُيّد عام 1948، قبل الوصول إلى مبنى القنصلية الإنجليزية السابق، الذي أصبح اليوم كلية الطب، وعمارة الأزاريطة الشهيرة، ومبنى الحجر الصحي التابع لمنظمة الصحة العالمية، والذي يعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية عام 1945.
ويمتد المسار داخل حي الأزاريطة، حيث بيت المغني اليوناني ديميس روسوس، مروراً بالنادي اليوناني، والقنصلية والجمعية اليونانية، ومسرح سلفاجو، ومدرسة هيلانة سياج، ومدرسة سان مارك، ونادي السلاح، ثم مقابر أنوبيس، ومقابر الشاطبي، والمقابر اليهودية، في تداخل لافت بين المعماري، الديني، والاجتماعي.
بعد ذلك يعبر الترام جسر الجامعة وكامب شيزار، وصولاً إلى النادي الأرمني العام، ثم شارع اللاجتيه، أو "شارع السعادة والمتعة" بالفرنسية، الذي كان ملتقى للجاليات اليونانية والإيطالية والأرمنية في الإسكندرية. وتستكمل الرحلة عبر محطتي الرياضة الصغرى والرياضة الكبرى، حيث يظهر نادي سبورتنج على اليمين، محاطاً بعمارات تراثية تعود إلى أعوام 1915 و1918 و1925 و1926، وصولاً إلى محطة سبورتنج الكبرى وبرج الساعة التاريخي الذي يعود عمره إلى 94 عاماً.
ويمتد الخط بعد ذلك إلى كليوباترا بمحطاتها الصغيرة والكبيرة، مروراً بالحمّامات القديمة، ثم سيدي جابر بمحطتيها، حيث تتقاطع خطوط الترام مع السكك الحديدية وشارع أبو قير، وتواصل الطريق إلى مصطفى باشا، الذي يحمل اسم مصطفى فاضل شقيق الخديوي إسماعيل، ثم محمد محفوظ، وصولاً إلى فيكتوريا، حيث الفيلات المتناثرة، وقصر المجوهرات، وقصر الصفا الخاص بمحمد علي توفيق، والذي يُستخدم اليوم كمقر رئاسي، وزيزينيا، والكازينو، وسان ستيفانو، وقصر فهمي ويسا باشا وزوجته إستر ويسا، صديقة صفية زغلول، "أم المصريين".
على هذا الخط الطويل، كما يوضح مينا، يمر الترام بكل ما يُشكّل المدينة: مدارس وجامعات ومستشفيات، كنائس ومساجد، مقابر وميادين، كأن الترام لا ينقل الركاب فقط، بل يحمل تاريخ الإسكندرية كله من محطة إلى أخرى.
رحلة الترام كتجربة اجتماعية
-
مينا زكي يشرح للمشاركين في جولة التذكرة الأخيرة داخل ترام الرمل (صفحة سيرة إسكندرية على فيسبوك)
يرى مينا زكي أن إيقاف الترام لا يعني فقدان وسيلة نقل فقط، بل خسارة جزء أساسي من تراث المدينة وذاكرتها الحيّة.
قبل الحكم على منظومة المواصلات الجديدة، يؤكد مينا أن من الصعب توقّع شكلها أو أثرها الكامل؛ إذ قد تخلق حيزاً عمرانياً مختلفاً، لكنها في المقابل قد تؤدي إلى اختفاء عناصر إنسانية وتراثية لا تُعوَّض.
ويشير إلى أن بعض الخطط الحالية ألغت محطات تاريخية مثل القائد إبراهيم، وبولكلي، وسيدي جابر الشيخ، وهو ما يعني محو مساحات كانت تمثل تداخلاً نادراً بين العمراني والاجتماعي والإنساني.
"الله أعلم ماذا سيوجد بدلاً منها!"، يقول مينا، في إشارة إلى الغموض الذي يحيط بمصير هذه الفضاءات.
ولا يتوقف فقدان الترام عند المباني والمحطات، بل يمتد إلى الحياة اليومية نفسها. فالترام، كما يصفه مينا، لا يزال مساحة اجتماعية مفتوحة؛ الناس تفسح أماكن للجلوس، والفراغات بين المقاعد تتحول إلى مساحات للحديث العابر. داخله تُناقش أسعار السلع والغلاء، قرارات المحافظة، الانتخابات، ونتائج مباريات الكرة، في مشهد يعكس روح المدينة وتنوعها الاجتماعي.
-
تذكرة للمشاركين في الجولة (صفحة سيرة إسكندرية على فيسبوك)
يستعيد مينا أيضاً تجربته الشخصية مع الترام في طفولته، حين كان ركوبه في طريقه إلى المدرسة يمنحه، خلال 4 أو 5 محطات فقط، صورة مكثفة عمّا يحدث في البلد. كان يرى من يقرأ "الأهرام" وآخر يمسك "الأخبار"، ويلتقط من العناوين ما يكفي لفهم المشهد العام، في زمن كانت فيه المواصلات نفسها وسيلة غير مباشرة للمعرفة.
ضمن الجولة، حرص منظمو "سيرة الإسكندرية" على تحويل هذه العلاقة الحميمة إلى تجربة ملموسة للمشاركين، عبر توزيع "تذكرة تذكارية" بعنوان "التذكرة الأخيرة – في وداع ترام الرمل"، كتحية رمزية لمن شاركوا الرحلة، وهي لفتة يقول مينا إنها أثّرت في الكثيرين.
وإلى جانب الشرح التاريخي للمباني الواقعة على جانبي الطريق، تضمّنت الجولة أنشطة تفاعلية وأسئلة بجوائز، وفي تجارب سابقة أضيفت فقرات فنية مثل عزف العود داخل الترام، في محاولة لاستعادة الترام كمساحة للعيش والحكي، لا مجرد وسيلة نقل.
