الإذاعة المصرية... سيمفونية ترافق الصائم من الفجر إلى العشاء
كيف تبني الإذاعة المصرية مزاج رمضان روحياً؟ وما الأصوات التي تُرافق الصائم من الفجر إلى العشاء؟
خلال شهر رمضان، وعلى مدار اليوم، يتحول البث الإذاعي لمحطة القرآن الكريم في مصر إلى بناء سمعي دقيق يراعي احتياجات المستمعين النفسية والروحية المختلفة، حيث تتبع الإذاعة المصرية نهجاً مدروساً في اختيار أصواتها وبرامجها. هكذا يأتي توزيع القراءات والأدعية والإنشاد والابتهالات لكبار القراء والمنشدين والمبتهلين خلال البث اليومي نتاجاً لمجموعة من الاعتبارات المهنية الدقيقة.
إذ تتم مراعاة الطابع الصوتي لكل قارىء ومنشد، وبنيته المقامية، وطبيعة النصوص التي يؤديها، ومدى ملاءمتها للفترة الزمنية التي تُبث فيها. من هنا يأتي الصوت الرخيم صاحب الأداء البطيء مناسباً لساعات ما قبل الفجر، بينما يخُصص الصباح للأصوات القريبة من الحس اليومي.
وقبيل المغرب، حيث يبلغ الإرهاق ذروته، يكون الأداء القوي الغني بالتلوينات المقامية ضرورة لجذب انتباه الصائم وشد تركيزه، في حين يُسند وقت العشاء إلى الأصوات ذات النبرة المستقرة من حيث الطبقة الصوتية والأداء الإيقاعي، بما ينسجم مع ختام اليوم الرمضاني.
الفجر وهمس السَّحر
في الساعات التي تسبق أذان الفجر، حين تكون النفس في أقرب حالاتها إلى الصفاء، تعتمد إذاعة القرآن الكريم على أصوات بعينها قادرة على ملامسة هذا المزاج. في مقدمتها صوت الشيخ نصر الدين طوبار، الذي ارتبط وجدانياً لدى أجيال من المستمعين ببث الفجر.
وتجلى ذلك من خلال ابتهالات مثل "يا بارئ الكون" و"يا سامعاً دعوة المظلوم" و"أنا عبدك المتضرع"، وهي نصوص تقوم على التضرع الخاشع والمناجاة، يعززه أداء بطيء نوعاً ما ونبرة مائلة إلى الطبقات المنخفضة، بما يتناسب مع لحظة الخلوة السابقة على صلاة الفجر.
وإلى جانب طوبار، تشكل تواشيح الشيخ طه الفشني ركناً أساسياً في هذا التوقيت، لما تتميز به من ضبط مقامي صارم وبناء لحني متدرّج يخلو من القفزات الحادة، مع تركيز على الطبقات المتوسطة والمنخفضة، وهو ما يتلاءم مع طبيعة البث قبيل الفجر.
كما تضم خريطة البث في فترات متفرقة أصواتاً أخرى تؤدي الوظيفة نفسها، من بينها الشيخ كامل يوسف البهتيمي، الذي رغم قوته المعروفة في التلاوة، كان يميل في التواشيح النادرة إلى بناء هادئ ومتدرج، مع اعتماد واضح على مقامات مثل البياتي والصبا والسيكاه في طبقات منخفضة نسبياً.
هذا النوع من الأداء لا يفرض نفسه بقوة على المستمع، بل يتسلل إليه تدريجياً، وهو ما يتناسب مع لحظة السحَّر، وينطبق ذلك أيضاً على الشيخ النقشبندي في بعض أدعيته الهادئة، التي ابتعد فيها عن الذروات الصوتية لصالح المناجاة.
لم تكن هذه الاختيارات نتيجة تفضيل صوتي بقدر ما جاءت استجابة لطبيعة الوقت نفسه؛ فالفجر ليس ساحة للاستعراض المقامي أو القوة الصوتية، لذلك يغلب على مواد هذا التوقيت طابع التأمل والخشوع، بما يتناغم مع صفاء اللحظة وروحانيتها.
ورغم شهرته بقوة الصوت واتساع مساحته، فإن تسجيلات محمد محمود الطبلاوي المختارة للفجر غالباً ما كانت من المقاطع التي تعتمد على المعنى وتطويل النفس بعيداً عن التلاوات ذات الذروات العالية، في توافق مع فلسفة هذا التوقيت الإذاعي.
حيوية المديح في الصباح
-
عبد الفتاح الشعشاعي
مع انطلاق ساعات الصباح الأولى، يتبدل الإيقاع العام للبث في إذاعة القرآن الكريم. فخروج الناس إلى أعمالهم ومدارسهم في هذا التوقيت يفرض طبيعة سمعية أكثر حيوية، وأقرب إلى إيقاع الحركة اليومية.
في هذا السياق، يبرز صوت الشيخ محمد الكحلاوي، الذي نجح في نقل الإنشاد من القوالب الكلاسيكية الثقيلة إلى صيغة أبسط وأقرب إلى الحس الشعبي، سواء من حيث اللغة والبناء اللحني، كما في أعمال "لأجل النبي" و"عليك سلام الله" و"محمد رسول الله" و"بدر النبي" وغيرها من أعمال اتسمت بخفة الإيقاع واستقامة الجملة اللحنية، ما يجعلها ملائمة لفترة يبدأ فيها المستمع يومه ويحتاج إلى جرعة وجدانية مباشرة وغير معقدة.
وإلى جانب الإنشاد، تحتل التلاوة المجودة مساحة أساسية في خريطة البث الصباحية. ويأتي في مقدمة الأصوات التي ارتبطت بهذه الفترة الشيخ محمد محمود الطبلاوي، وتمثل تلاوته نموذجاً يجمع بين وضوح المخارج، والطاقة الصوتية المتوازنة، والقدرة على شد الانتباه من دون إفراط في التصعيد. وغالباً ما تُدرج تلاواته المجودة ضمن الخريطة الثابتة للبث في ساعات الصباح المبكرة.
كما يحضر صوت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي في بعض التلاوات الصباحية، بفضل قوته الصوتية ووضوح طبقاته، وهي خصائص تتناسب مع بداية النشاط الذهني في الصباح.
أما الشيخ مصطفى إسماعيل، فقد حظي بحضور متزايد ضمن خريطة أذان الصلوات (الظهر والعشاء خاصة) وكذلك في التلاوات الصباحية خلال السنوات الأخيرة، لما يمثله صوته من قيمة فنية رفيعة وقدرة لافتة على التجديد داخل الإطار الكلاسيكي للتلاوة، بما يضيف تنوعاً محسوباً من دون الإخلال بهوية مدرسة التلاوة المصرية.
المغرب وسحر التلوين المقامي
في الدقائق التي تسبق أذان المغرب، ارتبط الأثير بصوت الشيخ محمد عمران، أحد أبرز مجددي فن الابتهال الديني، لما يمتلكه من قدرة فائقة على التلوين المقامي والانتقال السلس بين المقامات المختلفة وهو ما يجعله مناسباً للحظات يضعف فيها التركيز، ليعمل أداؤه الذي يجمع بين القوة والمرونة كمنبّه ذهني وروحي للصائم، ويخفف من وطأة الانتظار، محوّلاً لحظات الإرهاق إلى حالة ترقب واعٍ تتهيأ فيها النفس لاستقبال الأذان.
أما قرآن المغرب فقد ارتبط تاريخياً في الذاكرة الإذاعية بصوت الشيخ محمد رفعت، ويعود هذا الارتباط إلى طابع صوته المتوازن، وقدرته على بث السكينة والخشوع. كما أن تلاوته القصيرة والمكثفة، بما تنطوي عليه من صفاء وروحانية، شكلت معبراً ينتقل بالمستمعين من توتر الانتظار إلى طمأنينة الإفطار.
تأمل وسكينة مع العشاء
-
كامل يوسف البهتيمي
مع دخول الليل واستقرار الإيقاع اليومي، تنتقل الإذاعة إلى مساحة سمعية أكثر هدوءاً وانضباطاً، تتناسب مع وقت العشاء وختام اليوم، في هذا التوقيت يبرز صوتا الشيخ علي محمود، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، باعتبارهما من أعمدة المدرسة الكلاسيكية في التلاوة والإنشاد، حيث يُنظر للشيخ علي محمود باعتباره أحد المؤسسين الكبار لفن التلاوة والابتهال في الإذاعة المصرية، ويمثل نموذجاً للأداء المنضبط في الجملة اللحنية ودقة الالتزام بالمقام، وهو ما يجعله مناسباً تماماً لجلال صلاة العشاء ولحظة التأمل الهادئ التي تسبق النوم.
أما الشيخ كامل يوسف البهتيمي، فيحمل صوتاً مختلفاً في طبيعته وتأثيره؛ حيث يمتلك صوتاً قوياً ذا نبرة مشحونة بالشجن، مع قدرة على الموازنة بين الرهبة والرجاء في الأداء.
هذا التوازن يمنح المستمع إحساساً عميقاً بالطمأنينة مصحوبة بالقوة الروحية، ويترك أثراً وجدانياً ممتداً يتجاوز لحظة الاستماع.
بهذا التدرج الزمني المدروس، نجحت الإذاعة المصرية، في بناء خريطة سمعية تراعي التحولات النفسية للمستمع على مدار اليوم، فصار لكل وقت نمطه الصوتي، ولكل توقيت خصائصه الأدائية، في تجربة سمعية تقوم على الفهم العميق لطبيعة حاجات المستمع الروحية عبر ساعات اليوم.


