إيران والعرب.. وحدة حضارية لا هويات ضيقة
لم يكن ما يُسمّى6"العقل الفارسي" داخل الحضارة الإسلامية مفهوماً تجريدياً فحسب، بل تجسّد في أسماء تركت أثراً عميقاً في تاريخ الفكر الإنساني. من الفارابي وصولاً إلى ابن سينا ثم الخوارزمي وغيرهم.
-
تمثال الفارابي للفنان العراقي إسماعيل فتاح الترك
بينما تتصاعد الحرب في الإقليم، وتُرسم خطوط تماس جديدة بين إيران ومحيطها العربي، يخبرنا التاريخ بأن ما نراه اليوم صراعاً، كان يوماً شرطاً للإبداع الحضاري. لكن حين تقرع طبول الحرب، يعلو صوت الصراع إلى حدّ يكاد يسكت ما عداه. في تلك اللحظات، يبدو الحديث عن الثقافة رفاهية لا تليق بزمن النار. غير أن ما يُنسى في خضم هذا الضجيج، أن ما يجمع هذه المنطقة أعمق بكثير مما يفرّقها.
الجغرافيا فضاء للمعرفة
المفارقة أن الجغرافيا ذاتها التي تُقدَّم اليوم بوصفها ساحة صراع، كانت يوماً فضاء مفتوحاً لتبادل المعرفة. في بغداد العباسية، لم يكن الأصل العرقي شرطاً للمعرفة، بل القدرة على الإسهام فيها. هناك، كتب الفرس بالعربية، وشرح العرب تراث اليونان، وتشكّل عقل حضاري لا يشبه أحداً، لأنه كان خليطاً من الجميع.
وفي زمن النار، تنجرّ شعوب المنطقة سريعاً إلى خطاب سياسي حاد، وإلى اصطفافات وهويات ضيقة، وتُستدعى انقسامات طائفية لم تكن يوما قدراً محتوماً، بل كثيراً ما شكّلت - في مفارقة لافتة - جزءاً من مناعة هذه المنطقة في وجه الغزاة، لا سبباً في انهيارها.
ستنتهي هذه الحرب كما انتهت حروب كثيرة قبلها. وسيعود جنود "المارينز" إلى بلادهم، وقد تُعاد صياغة خرائط النفوذ، وربما تتفكك قواعد عسكرية أو تُستبدل بأخرى. لكن ما لن يتبدّل بسهولة، هو هذا التاريخ العميق الذي تشترك فيه شعوب المنطقة من إيران والعراق إلى الخليج العربي وصولاً إلى فلسطين وسوريا وتركيا، ولا تلك الجغرافيا التي لا تعرف إلا أن تبقى كما هي، مهما تغيّرت فوقها موازين القوة.
فالحضارة التي نشأت هنا لم تكن عابرة، ولا نتاج لحظة سياسية طارئة، بل ثمرة تداخل طويل بين شعوب وثقافات. وهذا التداخل، على عكس الجيوش، لا ينسحب… ولا يعود إلى مكان آخر.
نحو فهم أعمق للتداخل
ولعل العودة إلى هذا التاريخ - كما يوثّقه الباحث، رشيد يلوح، في كتابه "التداخل الثقافي العربي- الفارسي من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري"، ليست استدعاء للماضي بقدر ما هي محاولة لفهم ما نحاول نسيانه في الحاضر.
غير أن قراءة هذا التداخل، كما يشير يلوح، لا تزال في كثير من جوانبها أسيرة مقاربات جزئية، انشغلت طويلاً بتتبع التأثيرات الأدبية المتبادلة بين العرب والفرس، من دون أن تذهب إلى ما هو أبعد: بناء تصور ثقافي أوسع لهوية مشتركة، تشكّلت عبر قرون من التفاعل والإسهام المتداخل بين الطرفين.
فهذا المسار لم يكن خطاً مستقيماً، بل عرف مدّاً وجزراً، لحظات ازدهار وأخرى انكفاء، لكنه - في محصلته - أنتج واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية: الحضارة العربية الإسلامية، التي لم تكتفِ بإعادة إنتاج المعرفة، بل أسهمت في التحولات الكبرى التي عرفها الغرب لاحقاً، وصولاً إلى عصر النهضة.
كيف تشكّل التداخل؟
ولعل ما منح هذا التداخل فرادته، اتساع المجال الجغرافي الذي احتضنه، بما أتاح لتفاعلاته أن تتجاوز الثنائية العربية – الفارسية، وتنفتح على روافد أخرى، من التراث اليوناني إلى المعارف الهندية، مولّدة مجالات معرفية جديدة ومتنوعة. وفي قلب هذا المشهد، برزت مساهمة العقل الفارسي داخل الثقافة الإسلامية، خصوصاً في تشكّل المدارس الفكرية والفلسفية، بما أضفى على هذا التداخل عمقاً نظرياً خاصاً.
ويرى يلوح أن فهم هذا المسار لا يكتمل من دون التوقف عند "النواظم" التي حكمته، وفي مقدمتها الناظم الديني، الذي تجلّى مبكراً في شخصية سلمان الفارسي، بوصفه نموذجاً لاندماج يتجاوز الفوارق القومية والعرقية داخل مجتمع النبوة. إلى جانب ذلك، يبرز الناظم الجغرافي، الذي أتاح هذا الامتداد والتلاقي، والناظم الزمني، حيث لا تنفصل الثقافة عن سياقها، بل تتشكّل معه وفيه، في علاقة جدلية مستمرة، تصنع فيها الثقافة زمنها، كما يعيد الزمن تشكيلها.
العقل الفارسي حين يكتب بالعربية
ولم يكن ما يُسمّى "العقل الفارسي" داخل الحضارة الإسلامية مفهوماً تجريدياً فحسب، بل تجسّد في أسماء تركت أثراً عميقاً في تاريخ الفكر الإنساني. من الفارابي الذي أعاد قراءة الفلسفة اليونانية وبنى تصوراً متكاملاً للمدينة الفاضلة، إلى ابن سينا الذي لم يكتفِ بتطوير الطب، بل أسهم في صياغة أسئلة الوجود والمعرفة، وصولاً إلى الخوارزمي الذي أسّس لعلم الجبر، فاتحاً أفقاً جديداً في التفكير العلمي.
هذه الأسماء، وغيرها، لم تعمل داخل حدود قومية ضيقة، بل كتبت بالعربية، وتفاعلت مع تراثات متعددة، لتجسّد بأوضح صورة ذلك التداخل الذي لم يكن تلاقحاً هامشياً، بل شرطاً للإبداع ذاته.
ما تبنيه الثقافات
غير أن هذا التداخل، بكل ما أنتجه من ثراء، لم يكن يوماً علاقة مثالية أو مستقرة. فقد عرف، كما يبيّن الباحث رشيد يلوح، لحظات توافق ازدهرت فيها الروابط السياسية والاجتماعية، وأخرى توترت فيها العلاقات حتى بلغت حدّ القطيعة والصراع. بل إن قراءات معاصرة، لدى مفكرين مثل محمد عابد الجابري وعبد الحسين زرين كوب، ذهبت إلى تقييمات متباينة، رأت في هذا التداخل أحياناً أثراً سلبياً على أحد الطرفين أو كليهما.
ومع ذلك، يبقى التحول الأهم في هذا المسار هو ما أحدثه الإسلام، لا بوصفه إطاراً دينياً فحسب، بل كقوة أعادت ترتيب العلاقة بين العرب والفرس، ونقلتهما من أطراف متجاورة إلى فاعلين في فضاء حضاري واحد. فمنذ اللحظة التي ارتبط فيها الوعي الديني بالمعرفة، لم يعد التفاعل الثقافي خياراً، بل ضرورة، تشكّلت عبرها علوم، ومدن، ومراكز تلاقٍ امتدت من مكة والمدينة إلى بغداد وخراسان.
وفي زمن تُرسم فيه الحدود من جديد، وتُستدعى الهويات بوصفها خطوط مواجهة، يبدو هذا التاريخ تذكيراً صامتاً بأن العلاقات بين الشعوب لا تختزلها لحظة حرب أو تلغيها. قد تتبدّل موازين القوة، وقد تنحسر الجيوش كما جاءت، لكن ما تراكَم عبر قرون من التفاعل، بما له وما عليه، لا ينسحب من الذاكرة ولا من الجغرافيا.
ربما لهذا، لا يكون السؤال عمّا إذا كان التداخل العربي – الفارسي متراساً في زمن الحرب، بقدر ما هو تذكير بأن ما بُني بينهما لم يكن يوماً قابلاً للانهيار الكامل - لأنه، ببساطة، جزء من تاريخ لا يملك أن يغادر مكانه. وحين بلغ هذا التداخل ذروته، لم يُنتج مجرد لحظة عابرة، بل أسّس واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ، حضارة امتد أثرها إلى ما وراء هذه الجغرافيا، وصولاً إلى العالم الغربي.