أوفتشينيكوف في الرامة الجليلية سنة 1893
عمل في دار المعلمين (السيمنار) في مدينة الناصرة. كيف وصف الروسي ميخائيل أوفتشينيكوف الحياة في قرية الرامة الفلسطينية؟
عمل ميخائيل أوفتشينيكوف في واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية التي أنشأتها الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية، أي دار المعلمين (السيمنار) في مدينة الناصرة. وقد خرّجت هذه المؤسسة المرموقة عشرات الطلاب الذين حملوا لواء النهضة في فلسطين وسوريا ولبنان أواخر الحقبة العثمانية وطوال مرحلة الانتدابين البريطاني والفرنسي لبلادنا، وليس غريباً أن يخصص المربّي حنا أبو حنا بحثاً عنهم بعنوان "طلائع النهضة في فلسطين – خريجو المدارس الروسية". فقد برز منهم كثيرون في حقول الأدب والترجمة والصحافة، ناهيك بأن نصف أعضاء "الرابطة القلمية" في المهجر تخرجوا من هذه المؤسسة.
كما أن أساتذة السيمنار الروس، إلى جانب معلمي المدارس المسكوبية الأخرى في بلادنا، تركوا آثاراً مكتوبة كثيرة. لكن تلك الآثار اختفت مع الزمن على الرغم من أهميتها الكبيرة. حظرت الإدارة السوفياتية إعادة نشرها، وانحصر الاهتمام بها في الاتحاد الروسي الحديث بعدد قليل جداً من الباحثين القادرين على تخصيص وقت وجهد كافيين لنبش الأرشيفات الضخمة.
-
مقطع من صورة يظهر أوفتشينيكوف مع تلامذته نحو عام 1892
ينضمّ ميخائيل أوفتشينيكوف إلى قائمة من هؤلاء الكتّاب الذين نشروا مقالاتهم ومشاهداتهم في المجلات والصحف الروسية في الربع الأخير من القرن الــ 19 والعقد الأول من القرن الــ 20. كان يرسل مقالاته بين عامي 1893 و1895 إلى صحيفة إقليمية روسية صغيرة اسمها "جريدة مدينة بيسكوف"، وقد تضمنت هذه المقالات جملة من الملحوظات المهمّة العرب الفلسطينيين، والحجاج الروس والألمان واليونانيين والإنكليز، والفلاحين المصريين. وأضاء فيها على قضايا اجتماعية واقتصادية متنوعة، منها الزراعة وشبكات السكك الحديدية في فلسطين، والعلاقات الاجتماعية، والتعليم. وتتخطى مقالات أوفتشينيكوف وصف الأحداث التي جرت معه والأشخاص الذين قابلهم، إلى محاولاته الخوض في التحليل الاقتصادي- الاجتماعي.
في مقالته الأولى التي أرسلها من الناصرة، بتاريخ 20 آب/أغسطس عام 1893، يحدثنا ميخائيل أوفتشينيكوف عن أهالي قرية الرامة الفلسطينية الواقعة في الجليل الأعلى شمالي مدينة عكا، ويدخل بيوتهم ويصف عاداتهم وطبائعهم.
وكان الهدف من توجهه إلى القرية زيارة مدرستها التي افتتحتها الجمعية قبل نحو عقد من الزمن، في 23 شباط/فبراير عام 1883، وكانت مدرسة مزدهرة، إذ وصل عدد تلامذتها إلى نحو 150 تلميذاً وتلميذة في عام 1918، وفق تقارير الجمعية. وقد لعبت هذه المدرسة دوراً بارزاً في رفع المستوى التعليمي لدى الفتيات في القرية ومحيطها. إلى تلك المدرسة، شدّ أوفتشينيكوف رحاله من مدينة الناصرة.
-
تلامذة مدرسة الرامة للبنين سنة 1892 بعدسة ألكسندر ياكوبوفيتش من محفوظات متحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ
كان عنوان مقالته، المنشورة في جريدة مدينة بيسكوف (العدد 84، 1893)، "رحلة أحد سكان فيليكي لوكي من الناصرة إلى قرية عربية". إذ كان يعيش في هذه المدينة الصغيرة التابعة لمقاطعة بسكوف شمال غرب روسيا، قبل وصوله إلى بلادنا. وأثناء عمله في فلسطين كان يُرسل مبالغ مالية إلى والده إيفان بتروفيتش أوفتشينيكوف، القاطن في المدينة بمعدل 50 فرنكاً (أي نحو 19 روبلاً شهرياً) وفق وثائق الجمعية.
بعد غزو عصابات الهاغاناه الصهيونية قرية الرامة في عام 1948، سلمت نسبياً من التهجير، وشكلت إلى جنب مع كفرياسيف والناصرة وحيفا، أحد المراكز الثقافية والعلمية والأكاديمية لأهلنا في الجليل الفلسطيني تحت الاحتلال.
في قرية عربية
-
مدرسة الرامة للبنات سنة 1895 بعدسة ألكسندر ياكوبوفيتش من محفوظات متحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ
يقول أفتشينيكوف: "عدتُ من القرية للتو. قضيتُ هناك 5 أيام مع طلابي. لم أحدثكم عن هذه القرية العربية بعد [مجرد طريقة في التعبير لدى الكتاب في تلك المرحلة، فهذه الرسالة هي أولى رسائله المنشورة في الجريدة]. الآن وقد غادرتُها، أودُّ أن أخبركم عنها قليلاً، لأنني أعتقد أنها مثيرة للاهتمام. نادراً ما تُثير قرانا الروسية انطباعاً جيداً لديّ، لكن ربما أسوأها تُضاهي أفضل القرى العربية. الانطباع العام عن القرية العربية هو أنها ليست قرية، بل خربة من خرائب الأيام الغابرة. تفتقر إلى النظافة من الداخل والخارج، وغالباً ما يضمّ المنزل غرفة تستخدم كحظيرة.
من الخارج، تبدو هذه الأكواخ المبنية من الحجارة الرملية وكأنها قيد الانهيار. أما من الداخل، فكل المتاع في غرفة واحدة. لا بد لي من إخباركم أنه لا طاولات في منازل القرية، ناهيك بالمقاعد أو الكراسي، فأرضيّة المنزل تحلّ محلّ كل هذه الأشياء. تُفرش الأرض بالحصير، وفوق الحصير مراتب، وكل داخل يخلع حذاءه ويجلس واضعًا قدميه على الفراش. كذلك يُوضع الطعام على المراتب أثناء تناول الوجبات، ويُوضع الخبز عليها، وينام أهل المنزل عليها. بالطبع، هذه البساطة مريحة للغاية من جهة، ولكن يمكنك تخيل شكل هذه المراتب بعد الاستخدام الطويل. قريتنا، على الرغم من مقاعدها البسيطة وأرضياتها تعتبر أكثر نظافة.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أسلوب الحياة في القرية، أي الآداب الشرقية التي تُراعى بصرامة حتى في أصغر القرى... إذا تمكن الفلاح من حصاد الحبوب ودرسها بطريقة ما، فيشعر بأنه في أمان. ليست لديه مشاغل أخرى، ولا ينوي إجراء أي تحسينات على مزرعته. في مكان ما في الظل، يجتمع كبار السن والشبان ليتحدثوا عن همومهم الأبدية بشأن الضرائب المرهقة المفروضة عليهم بنسب عالية. كل طارئ قد يثير اهتمامهم بشدة، فهم في الغالب لا يعرفون أين يهربون من الملل. لذا، من المفهوم أنهم سعداء بمشاهدة أي جديد يظهر في قريتهم، فوجه أي شخص يصل إلى القرية، وخاصة إن كان "إفرنجياً" (أوروبياً)، يُحتفى به ويشكل تسلية للقرية بأكملها".
المنزل القروي
-
تلامذة مدرسة الرامة للبنين سنة 1895 بعدسة ألكسندر ياكوبوفيتش من محفوظات متحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ
يتابع أفتشينيكوف: "ما إن تنزل عن حصانك وتدخل الكوخ حتى يبدأ الناس بالتجمع عند شم رائحته. يرحب بك كل وافد، ويسألك مراراً عن صحتك، ويجلس على الأرض، ويضع قدميه تحت الفراش. وهكذا، يمتلئ الكوخ بأهل القرية. الحديث خافت، أو ببساطة صامت، يدخنون السجائر بشكل متواصل. ويتوفر التبغ لديهم، لحسن الحظ، لأنه لم يُشترَ منهم.
يقدم صاحب الكوخ الذي يجتمع فيه الضيوف، في المناسبات الخاصة، المرطبات وفقاً للقاعدة الشرقية، بمعدل كأس كبيرة كل قليل. يبدأ بعصر الليمون، ويتذوقه بنفسه أولاً، ثم يقدمه للضيوف. تستغرق هذه المتعة أكثر من نصف ساعة، وهذا ليس كل شيء. بعد تقديم عصير الليمون، يبدأ المضيف بتحميص حبات البن على الموقد أمام ضيوفه، ثم يدقها في هاون خشبي برشاقة مدهشة. وأخيراً، تُحضّر القهوة فيشربها المضيف أولاً، مبدياً أنها لذيذة وغير ضارة، ثم يُقدّمها للضيوف في فناجين صغيرة. قهوة قوية وغير مُحلاة. هذه القهوة هي المتعة الأولى... "أهلاً وسهلًا!" بعد ذلك، يتبادل الحاضرون أطراف الحديث مطوّلاً، ويتناولون الفاكهة، ثم يشربون فنجاناً ثانياً من القهوة. بعد مدة قصيرة، يغادر الضيوف.
-
جريدة مدينة بيسكوف
وهكذا، استمرت الزيارات حتى الساعة الثالثة. من المدهش كيف يقضي الناس أوقاتهم في الشرق. يعتبر الجميع أن زيارة الوافد واجباً عليهم. وبعضهم الآخر، كعلامة احترام زائد، يزورونه مرات عدة. لذلك، بعد وصولي إلى القرية للراحة، قضيتُ ما يقارب 3 أيام أستقبل الضيوف في أحد الأكواخ، ثم اضطررتُ إلى زيارتهم بنفسي، أي أنني اضطررت أن أقضي ساعتين في كل كوخ تقريباً، كيلا أسيء إلى أحد منهم. ولكن مع الوقت استأت قليلاً. كنت قد اصطحبتُ معي شاباً، وعندما دخلنا أحد البيوت، قال: "نزوركم بالفرنجي". سأل المضيف المندهش: "ماذا تقصد بالفرنجي؟". أجابه: "هذا يعني أننا لا نستطيع الجلوس لأكثر من 10 دقائق". ومع ذلك، لم تكن مغادرة البيت سهلة، فأنا في في أحد بيوت شعب ودود ومضياف.
ثم جاءت حفلات العشاء، لكنها لم تشكل عبئاً كبيراً عليّ إذ هربتُ من الرامة مبكّراً، مع أنه كان من الأفضل لي لو تنعمتُ بكرمها هناك لمدة أطول. إن دعيت للعشاء، فتصل وتجلس على الوسائد، لكن العشاء لا يزال قيد التحضير. تنتظر وتنتظر... وأخيراً، توضع عدة أطباق وسكاكين على صينية أمامك. الشُوك ممنوعة، ونادراً ما تُستخدم الملاعق لعدم وجود حساء. تدبّر أمرك قدر استطاعتك، بأصابع يمناك الخمسة وخبز يشبه فطائرنا. يشمل العشاء البيض والحليب وجميع أنواع الخضراوات. أما اللحوم فلا تُؤكل في القرية إلا في الأعياد. بالنظر إلى كل هذا، ترى أن القرية، التي تقت إلى زيارتها بشدة، لم تكن إقامتي فيها مريحة، لكنها وفرت لي بعض التنوع على أي حال".
