أوتاد الهوية

سميني ما شئتِ، فلا مانع من لقب جديد، إن كان سيأتي منكِ أنتِ يا بلادي.

سعادة البلاد،

منذ ما يقارب العامين، نُصبت لنا خيمة في أرض ليست ملكنا. وبالعودة إلى التاريخ، فلم نكن ذات يوم من المُلاك الأصليين لأرضٍ في قطاع غزة؛ فما ملكناه اشتريناه بمالنا. فنحن - أيتها الكريمة المذبوحة - أصلنا من "بئر السبع". ولكن بعد النكبة، وضعت عائلتي أقدامها في مدينة "رفح"، وجئتُ أنا إلى الحياة الدنيا أسمع عن "بئر السبع" وأتخيل: هل كانت أرض أجدادي صحراء يرعون فوقها؟ هل كانوا في خيمة أم في بيت من طين؟ وإن بقينا هناك، هل كنا سنملك "كرت مؤن"؟ هل كانت ستصيبنا كلمة لاجئ أو مهاجر، أم إننا سنكون مواطنين مُلاك أراضٍ؟

في مدينة رفح، سكنا بطوبٍ وخرسانة، وللآن لم أعرف كيف حوّل اللاجئ المهاجر "الخيمة" إلى بيت صلب! لم أكن أشعر بأنني لاجئة في مدينتي، بل كنت أشعر أنني مالكتها، ويرجع هذا لعدم ارتباطي بالنكبة أو بما قبلها؛ كنتُ أتذكر أنني لاجئة فقط عندما أذهب إلى مدارس وكالة الغوث، لأن كلمة "لاجئين" كانت ركناً أساسياً في شعارها.

مرت الأيام أيتها البلاد، وشاءت الأقدار أن أعيش نكبةً ونكسةً وخيبةً، لأعي بنفسي معنى كلمات: "لاجئ" و"مهاجر"، إضافة إلى كلمة جديدة: "نازح".

نزحنا من رفح، تاركين خلفنا الطوب والخرسانة والأثاث والأنوار، وكل تفاصيل البيت التي تفتقر إليها الخيمة ولا تمتاز بها. كنا نملك بيتاً كبيراً وحديقة صغيرة وكراجاً.. كنا نملك ما يُسمى فعلاً "مُلكاً"، ثم ملكنا خيمةً يختزل قماشُها نكباتنا كلها؛ حوتنا ولم نحتوِها.. لأنها خيمة!

يقول "مسعود" في مسلسل التغريبة الفلسطينية، محاورا أخاه علي: "بتفكر إذا ثبتنا الخيمة ثبتنا النكبة".

لكن الفلسطيني لم يثبت النكبة حين ثبتت الخيمة، ولم ينسَ قضيته حين انشغل بتوفير الطعام والكرامة لأهله. فأنا وأنتِ أيتها البلاد نعرف جيداً كم من رجلٍ ترك خيمته وجعل من صدره درعاً أمام رصاص المحتل.. تعرفين جيداً المجاهدين الذين بارزوا في ساحات الوغى بأمعاء خاوية، فقد كان يكفيهم أن يمتلئ غدهم بالوطن.

تعرفين جيداً يا بلاد الوطن، أنهم "هم" من ثبتوا النكبة والحرب حين أطلقوا على الفلسطيني ألقاباً وجعلوها أساساً في تشكيل هويته. فنحن لم نحتج كل تلك الألقاب لنعرف أنفسنا، كان يكفينا "فلسطيني"، ولا نسأل عن الباقي، وكنا ننساها بيننا، لكنهم كانوا يحتاجونها دائماً. لم يكن يكفيهم قول "فلسطين المحتلة"، لذلك أعطوا سكانها ألقاباً لطخت وجع دهرٍ وعمرٍ على وجوههم، وغزت أجسادهم. تعرفين أكثر مني من أقصد بـ "هم"، فما عُقد لسان الأرض إلا لتكون الشاهدة - المنسية - على أفعالهم الخائنة.

كلما حاولت أن أفهم: ماذا تعني لي الخيمة؟ وما دلالتها في وطن مثل فلسطين؟ لا أعرف! رغم أن خلايا عقلي مدركة لمعنى الخيمة وشعورها نحوها، إلا أن عصر هذه الخلايا للوصول إلى خلاصة وافية لن يحدث. فقد جئت إلى الخيمة بقدميَّ وأنا أعرف أنه لا بديل سواها، ربما لم أحبها لأنها تعرف "النازح" بشكل أدق مما يعرف هو نفسه.

في فترة ما، اعتقدت بأن عودتي لمدينتي وعيشي في خيمة فوقها سينزع مني لقب "نازح"، فتقل ألقاب الفلسطيني المأساوية التي أحملها. لكن يا ترى، من ذا الذي سيميز بأن من داخل الخيمة ليس بنازح؟ أنتِ بنفسكِ أيتها البلاد، هل تفرقين بين وتد خيمة دُقَّ فيكِ إن كان لنازح أو لا؟ هل تميزين هذا الأمر مثلما تميزين إن كان السائر فوقكِ مكلوماً، يتيماً، أو شهيداً.. أو فاقداً ومفقوداً في المستقبل؟

سميني ما شئتِ، فلا مانع من لقب جديد،
إن كان سيأتي منكِ أنتِ يا بلادي.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك