أرواح متعدّدة للشخصية الواحدة  في رواية "باهبل مكة"

عباس الملقب بـ "باهبل مكة" وهو الشخصية المحورية التي دارت حولها أحداث العمل وفكرته، الشخصية التي تأرجحت بين الجنون والفصام كقناع لنزوعها للحرية وخرق مقاييس المجتمع السائد.

  • أرواح متعدّدة للشخصية الواحدة   في رواية
    أرواح متعدّدة للشخصية الواحدة  في رواية "باهبل مكة"

تقوم رجاء عالم عبر عدستها السردية في روايتها "باهبل مكة" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2024 بتصوير عالم عائلة السردار التي يعجّ تاريخها بتفاصيل البشر الذين عمّروا المكان، وترصد فيها التحوّلات الاجتماعية على صعيد البشر وتمتد كذلك للجغرافية والعمارة التي نمت وتطوّرت انعكاساً للمتغيّرات المتجدّدة.

وتخصّ الذاكرة المعمارية لمكة بتفاصيل عن نشوئها وتكوّنها فهي المكان المفضّل لدى صاحبة "طوق الحمام" في الغالب من أعمالها، وبالأخصّ عملها الأخير الذي بين أيدينا لأنه بحسب ما وضّحت هو جزء من كينونتها وحياتها التي ارتبطت بهذه البقعة الجغرافية ووسمت بدايات تكوّنها وتشكّل وجودها.

ففي اشتغالها على المكان كمنطلق لقافلة السرد دائماً تحضر مكة وأهلها وتختمها بالسردار الكبير. 

وربما قصدت باسم السردار المعنى المضمر والمتناقض للسرّ الذي دار وهي تكثّف فيه ذلك الصمت والسرية المغيّبة لحقوق النساء في الفترة التي ترصدها، ولكن مع ذلك فإنّ السرّ دار وتفشّى وانتشر ولم يعد ثمّة فائدة من أسرار بهذا النوع.

نزوع عارم؛ وشغف متوقّد؛ وتوق لا يهدأ للانعتاق والحرية يختبئ تحت حواريات شخوص رجاء عالم في هذا النصّ، لتنحو إلى الجانب الآخر من تاريخ مكة المقدّسة بنزع الغطاء عن حياتها الاجتماعية الذي رصدته عبر أكثر من نصف قرن، تتدرّج فيه من زمن كانت العبودية وتجارة العبيد والإماء أمراً معتاداً وطبيعياً، لتعرّي أيضاً واقع النساء في الأسر المقتدرة وذات النسب الرفيع، النساء اللواتي يفتقدن لأيّ خصوصية ومحرومات من رؤية الشمس والخروج إلى الحياة العامّة وحتى زواجهن لا يُسألن فيه، وعلى من يرغب بالاقتران منهن أن يفكّر بمصاهرة العائلة لإحدى بناتها من دون أيّ تحديد أو تعيين، فالعبودية واحدة سواء للجواري والعبيد أو للنساء ذوات الحسب والنسب، وتمتدّ حتى للذكور فهم لا يستطيعون الخروج عن رأي رأس العائلة الكبير في شؤون حياتهم وزيجاتهم، والحبس والأسر نصيب من يشذّ عن الأعراف والقواعد المتعارف عليها. تقول رجاء عالم "لا أعرف إن كنّا نقدّر معنى الحرية، التحرّر من "التعلّق" الذي يؤدّي إلى مصادرة الذات. يراودني الآن أنّ فعل التعلّق يأتي من "علقة"، كفعل رِدَّةٍ لمرحلةِ "العلقة". 

كان للتمرّد تجلّيات مختلفة في الخروج عن السائد والمسموح ويوصم بالهبل والجنون كلّ من لاقت نفسه نزوعاً للحرية والانطلاق، وهذا ما كان من شأن سكرية وعباس، سكرية التي أبعدوها إلى مصر كي تشفى من تلك اللوثة، ورُحّلت إلى جدّتها لأبيها التي لم تستطع الاندماج في تلك البيئة المغلقة، ولكن ما أحدثته من تغيير في عقل الصبية أيقظ العقليات المتكلّسة نتيجة كم المعرفة الجديدة التي نقلتها لنساء البيت كقصص محمد حسين هيكل، والآداب المتعدّدة التي استطاعت الاطلاع عليها والروايات التي تردها باستمرار، إضافة إلى تقليدها صرعات الموضة في الفساتين لتشابه أزياء شادية وليلى مراد.

ورغم السيطرة الذكورية المطلقة على نساء الأسرة إلّا أنه من الملاحظ أنهن أعمق روحياً وفكرياً منهم وأكثر تأثيراً، واتضح هذا بقوة من تأثير العمّات الثلاث على عباس اللواتي كنّ أشبه بأمهات ثلاث شكّلن وعيه ووجوده "بيقم البيولوجية وسكرية الروحية ونورية معادله الفني وجنوحه". 

عباس الملقب بـ "باهبل مكة" وهو الشخصية المحورية التي دارت حولها أحداث العمل وفكرته، الشخصية التي تأرجحت بين الجنون والفصام كقناع لنزوعها للحرية وخرق مقاييس المجتمع السائد الذي ابتدأ من جنون سكرية إلى هبل عباس، وتلك الازدواجية القائمة بين شخصية عباس ونوري تتركنا في لبس، فمن منهما الظاهر ومن فيهما الباطن هل هما تؤمان حقيقة أم أنهما نوع من الشيزوفرانيا لواحد في شخصيتين، ولعله أبلغ تمثيل لما يراد للشخصية أن تكونه في مجتمع يقدّس التجارة والمال والذكورية المهيمنة وبين ما تريده الشخصية لنفسها من عشق للفنون وللحياة، هذه الازدواجية بين القرينين تنوس بين المنطق واللا معقول، فمن حيث المنطق كان ثمة توأم في بطن الأم "بيقم" ولكن لسبب ما خرج الآخر ملفعاً بأخيه، ومن جهة أخرى ثمّة شخصيتان في شخص واحد كنوع من الظاهر والباطن؛ المستتر والمبيّن؛ أحدهما صوت أعماق الشخصية شخصية أخرى ظاهرة على السطح ومقموعة في ظلّ سلطة أبوية دكتاتورية تفرض شرطها بقوة العرف والدين والتقاليد وهو مضطر أن يكون زئبقياً في وجه المجتمعات الديناصورية وفق تعبيره.

وفي هذه المخاتلة ترصد الكاتبة تلك الإمكانية الهائلة للذات المتعدّدة في قلب التنين الرابض في الإنسان فيما لو أتيحت أمامها مسارب الحرية، ولو أفسح المجال للطاقات الكامنة للمرء بوصفه إنساناً محضاً حيث تجرّد فيه الذكورة من امتيازات الرجولة التي تكون في المجتمع معادلاً للقسوة والتسلّط، فهي بتركيزها على شخصية عباس وطباعها الرقيقة وميله للعدالة والفنون الأمر الذي لم يشكّل عائقاً في نجاحه الأكاديمي أو العملي في التجارة وسواها في كسر لمفاهيم الرجولة السائدة المتشحة بالعنف والقسوة.

عوالم أثيرية متداخلة تقوّض التخوم بين عالمي الموت والحياة، وكائنات تستشعر ولوجها من البرزخ في رؤية ما بعد حداثية للتشكيك بثوابت ونواميس الوجود، فالعمة نورية تأتي من العالم الآخر لتوحي وتوجّه وتراقب، تشي مقتنياتها التي تركتها وراءها بتفاصيل حضورها الآسر من وراء الغيب، هذا الحضور الذي أقضّ مضجع زوجة عباس داليا وجعلها تحطّم كلّ ما يتعلّق بالعمة نورية لإخفاء أثرها، ونتيجة إحساسها بوجودها الطاغي رغم الموت، فالموتى مقيمون؛ والموت قريب والحدود مفتوحة معه وهنا تكشّف نموذج آخر لاستلاب النساء، نموذج أتيح له جزء من الحرية وفّرته لها السعة المالية فلم تبحث في أعماق روحها عن حقوقها ووجودها، وإنما انقلبت إلى كائن استهلاكي جامد يستهلك الطعام والنقود والآخرين بجشع غير محدود معادلاً لخوائه الداخلي.

من أهمّ سمات عالم ما بعد الحداثة اللعب بتلقّي القارئ عبر التشكيك بوجود شخصية "نصّ لسان"، الشخصية المزدوجة الجنس الناعمة والسريعة والرهيفة والتي تؤدّي دور الرسول بين العشّاق، والذي أخذ مساحة من السرد لا يستهان بها لنجد السارد يقوّض وجوده في حوار عباس مع الطبيب النفسي بأنّ كلّ ذلك من تخيّل عماته وصادق عليه الأعمام لتخفيف عنف السردار الكبير وكبح قسوته وصرامته.  

الفنان ينتج قرينه في لوحة أو أيّ عمل فني آخر أو اختراع، فالإبداع هو أنا أخرى للذات، حيث الفنّ تجسيد للأيغو وهذا ما كان من شأن عباس ونوري وتبادلهما الأدوار في زحمة الأحداث عبر الفيلم التسجيلي الذي عمل عليه ملاحقاً تاريخ وشخصية عائلة السردار لفهم الذوات التي تسكنها وتشريح واقعها من الداخل، كناية عن تعرية وساوس المرء كي تراقب من بعيد وسيلة لاستيعابها. 

"باهبل أو عباس أو نوري" روح مبعثرة في أكثر من لبوس فنحن لا نتأكّد من موته إذ لعلها إحدى نسخ وجوده أو إحدى أرواحه التي ضاقت بحصار واقع لا يعترف ولا يحترم نزوعه وشغفه الفني ويعتبره نوعاً من الهبل والجنون، يفسّر ذاته بأنها عدة أرواح تتلبّسه كناية عن روحه الفنية والمناخات النفسية التي تعتريه بتخيّلات ورؤى جامحة تجعله يطير بأغانٍ وأصوات ومياه تختلط ببحر جدّة. 

فالجسد لباس للروح وهي الأصل وقد تتوزّع في عدة أجساد متلاحقة لتلملم نفسها وتعبّر عن كينونتها، تلك الذات المتشظّية في عالم سرمدي ممتدّ ومستمر.

اخترنا لك