أدب الإبادة: قصة حياة تولد من رحم الموت
أدب الإبادة كأدب مقاوم في إطار أدب الثورة الفلسطينية يُعلي من قيمة الحياة تحدياً للموت، وهو الأدب الذي يُريد حفظ الذاكرة والوعي والهوية رفضاً للنسيان والغفلة والطمس.
نشأ الأدب الفلسطيني الحديث والمعاصر في سياق صراع الشعب الفلسطيني الوجودي والوطني ضد الصهيونية حركة ومشروعاً ودولة، فقد كان وما يزال الأدب الفلسطيني جزءاً مُشاركاً في الكفاح الفلسطيني والنضال الوطني، وتبلورت مضامينه وأشكاله في خضم هذا الصراع بين إرادتين.
إرادة الموت الذي يريده الصهاينة للفلسطينيين، وإرادة الحياة التي يريدها الفلسطينيون لأنفسهم، فأبدع صراع الإرادتين أدب الثورة الفلسطينية، موّزعاً إلى أدب المقاومة وأدب السجون وأدب المنفى، وبعد حرب الإبادة الإسرائيلية نشأ أدب الإبادة.
وأدب الإبادة نصوص سردية نثرية وشعرية، ترصد أشكال المعاناة الإنسانية الجسدية والنفسية، خلال حرب الإبادة الشاملة التي طالت البشر والشجر والحجر، وتتضمن: القصص الإنسانية، والمقالات الأدبية، والخواطر الوجدانية، واليوميات التوثيقية، والقصائد الشعرية، وشهادات الناجين، وروايات الضحايا ... وهو يتجاوز: الأرقام الصماء، والأعداد المجردة، والإحصائيات الجافة، والتقارير الرسمية، والأخبار الجامدة ... ليجعل الإنسان محور الحدث مرة ومركز القصة.
عندما يكون الإنسان محوراً للحدث ومركزاً للقصة يؤخذ كما هو، أي بنقاط قوته وضعفه، وفي قدرته على الصمود والبطولة وقابليته للانكسار والتخاذل، وبرغبته في الطمأنينة والفرح والمتعة والراحة وإصابته بالخوف والحزن والألم والتعب.
أدب الإبادة ليس توثيقاً للموت فحسب، بل فعل مقاومة يرفض الموت مقابل الحياة، ويتحدى النسيان مقابل الذاكرة، ويأبى الانهيار مقابل الصمود، وليس تسجيلاً للإبادة فقط، إنما عملية لبعث الروح في الوقائع المادية التي توّثق الإبادة، ولإحياء الإحساس في الشهادات اليومية التي توثق الوحشية، ولتنظيم الذاكرة الجماعية التي تقاوم النسيان.
أدب الإبادة له وظائف عدة أهمها توثيق الإبادة؛ بواسطة تحويل النصوص الأدبية إلى وثائق تاريخية، وتخليد الضحايا كأسماء وصور وحكايات، من أجل إثبات الوجود والهوية ومواجهة النفي والطمس.
وكذلك أنسنة الضحايا، بواسطة تسليط الضوء على الجانب الإنساني للضحايا وليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الحرب أو أعداد في مُسلسل الإبادة أو خسائر جانبية في مشروع سياسي، فلكل ضحية اسم وصورة وقصة وأسرة وأحلام وآمال.
وأيضاً وظيفة تعزيز المقاومة، بواسطة تحويل الكلمة إلى حالة من الاشتباك الثقافي والمقاومة الفكرية، وتحويل مشاعر الألم والحزن إلى نصوص تبعث الأمل والثورة، وتوظيف الكتابة لإثبات الوجود والهوية وتأكيد النجاة والحياة.
أدب الإبادة له فلسفة فرضتها طبيعة الحرب غير المسبوقة في تاريخ الصراع من حيث وحشية العدو الإسرائيلي وقسوة الواقع، عبّر عن هذه الفلسفة كُتّاب أدب الإبادة الذين اكتووا بنارها، فالكاتب والروائي، عاطف أبو سيف، يرى أنَّ الكتابة في زمن الحرب ليست ترفاً أو هواية، بل هي "وسيلة قتال ونضال من أجل عدم الفناء، وطريقة لإثبات أنَّ الزمن السردي للحياة لم يتوقف"، ووصف يوميات الحرب في غزة بأنها "وقت مُستقطع للنجاة".
أما الكاتب والروائي، يسري الغول، فيشبّه القلم بالبندقية قائلاً: "بتّ اليوم أحمل القلم كبندقية، وأخاف أن يتم استهدافي في كل ليلة، وأخاف على أطفالي من الموت، ولكن لا يمكن أن اتنازل لأنَّ المثقف هو أول من يقاوم وآخر من ينكسر".
ثم الكاتبة والشاعرة، آلاء القطراوي، التي فقدت 4 من أبنائها في الحرب تقول: "لقد تحوّلت كلماتي التي كانت تنبض بالأمل والحياة إلى نزيف لا ينضب، وتحوّلت كتاباتي من محاولة للضوء إلى صراخٍ في عتمة لا آخر لها، ومن حروف ترقص فوق الورق إلى كلمات تتكّسر تحت ركام البيوت، أصبحت أكتب لأبقى، لأحضن شهقة نجاة بين قصف وقصف".
أما الكاتب، أكرم الصوراني، فيؤكد المعنى والفلسفة نفسها بوصف كتاباته بأنها: "كلمات من دم تنزف على الورق وجعاً لا يُحتمل ... كلماتي التي كانت تُرفرف كالعصافير نزفت دماً على الأجساد المطحونة والجثث المُحترقة تحت أنقاض البيوت المُهدّمة... أصبح الأدب والكتابة المساحة الأكثر وصولاً وحرية وتعبيراً. وهي وسيلتنا من الإبادة".
أدب الإبادة كأدب مقاوم في إطار أدب الثورة الفلسطينية يُعلي من قيمة الحياة تحدياً للموت، الحياة التي تجسّدها قيم الوجود والصمود والمقاومة مقابل الموت الذي يُجسده النفي والانكسار والاستسلام، وهو الأدب الذي يُريد حفظ الذاكرة والوعي والهوية رفضاً للنسيان والغفلة والطمس.
كما أنه الأدب الذي يزرع الفرح والأمل والحلم ليدفن الحزن واليأس والكابوس. أدب الإبادة هو أدب الحياة والثورة. أدب المقاومة والأمل. إنه قصة حياة تولد من رحم الموت.