آنستونا هَلْبَا!
سرّ طرابلس الحقيقي لا يكمن في المباني أو الفعّاليات، بل في قلوب أهلها الذين يحافظون على طيبتهم وتقاليدهم رغم كلّ العواصف. هم الذين يفتحون قلوبهم للقادمين، كأنّهم يقولون: "هذه هي ليبيا الحقيقية، أرض المحبّة والتلاقي".
-
آنستونا هَلْبَا!
على حافة العالم العربي، حيث يلاقي البحر الأبيض المتوسط ذاكرة الأمم الغابرة، تتهادى مدينة تتنفّس من جديد. طرابلس الغرب، الحاملة بين ضلوعها سنين المحن ووعثاء الأيام، ترفع اليوم رأسها بعد كلّ ما أصابها، وتعِدُّ نفسها لاستقبال فجر مختلف، تَهُبُّ نسائمُه من بين أطلال الماضي وإرادة الحاضر.
في زيارتي الأولى إليها، لم أشعر أنها المرّة الأولى. تَلَقَّتْني كلمة "آنستنا" حَيْثُمَا حَلَلْتُ، والأُنسُ هو أولُ ما يطلبه القادم إلى أرض لم يطأها من قبل. ناسها الطيبون، الذين تتحوّل شدّة مراسهم ـــــ التي يُحكى عنها ـــــ إلى مودّة صادقة وترحاب حارّ بالضيف، ومناخها المتوسطي الودود، وآثارها الفينيقية والرومانية الناطقة بلغة التاريخ العريق، كأنّها تصل ما بين شواطئها وشواطئ لبنان بوشائج من ذكرى وألم وأمل مشترك. هنا لا شعور بالغربة بتاتاً، بل بالألفة الغامرة. رغم كلّ الجراح، ما زال للمدينة جمالها الخاصّ، وطابعها الفريد.
واحة حوار
الذكريات الثقيلة لا تزال ماثلة في زوايا بعض الشوارع، وثمّة وجوه كثيرة تحمل آثار السنين العجاف. لكن في قلب هذا المشهد، ترفض المدينة الاستسلام للظلام. وآخر البراهين على هذا الرفض "أيام طرابلس الإعلامية" بشعارها "ليبيا بعيون متفائلة"، التي لم تكن مجرّد فعّالية، بل كانت واحةً للحوار تُرطِّبُ فمَ السَّجى بكأسِ الكلمة الطيبة. حدثٌ جمع بين مسؤولين ومحترفين وخبراء، وأفرد مساحة واسعة لأصوات إعلامية متميّزة.
كانت أيام طرابلس فرصة لمتابعة ندوات علمية وورش عمل احتضنها منتدى الإعلام الليبي ومنتدى الاتصال الحكومي، تفتح الأبواب أمام حوار النفوس قبل حوار العقول. ففي هذا الملتقى حيث اجتمع أعلام الإعلام كانت المدينة تبعث برسالة إلى الجميع: "ما زلنا هنا، ونستطيع الحوار". وما كان لافتاً هو صراحة الإعلاميين الليبيين وجرأة طروحاتهم، كأنهم يعوّضون سنين طويلة من الصمت المكتوم.
وما يثير فخر الليبيين أنّ هذه الأرض، رغم مشكلاتها، قدّمت ـــــ وما زالت تقدّم ـــــ أصواتاً حفرت في النصّ الإبداعي العربي أثراً لا يُمحى، من الصادق النيهوم ومحمد الفيتوري إلى إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه وسواهم من أجيال متعاقبة. وقد كانت لي فرصة محاورة بعضهم في برنامجَيْ "خليك بالبيت" و"بيت القصيد"، مما زاد من إحساسي بأنني في حضن ثقافة عريقة.
وعلى هامش الملتقى، شارك رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في جلسة حوارية صريحة لم تخلُ من الطرافة أدارها الإعلامي المصري القدير محمود سعد. كما تطرّقت الجلسات لكيفيّة تعامل الإعلام مع مأساة غزة، وذلك بحضور وزراء إعلام عرب حاليّين وسابقين رحّب بنا وبهم مضيفهم وزير الاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، والمستشارة الشاعرة ردينة الفيلالي التي لا تغيب بيروت عن ذاكرتها وأحاديثها، وحسناً فعل المنتدى بتخصيص مساحة لغزة في زمن ذبحها وخذلانها.
وفي غمرة هذا التجمّع لم تغب شكوى كثير من الليبيين ـــــ بحقّ ـــــ أنّ الإعلام العربي لا يتذكّر ليبيا إلّا في ساعات الأزمات، متغافلاً عن نضالها اليومي لاستعادة الحياة الطبيعية والاستقرار.
عودة المتحف الوطني
وفي خطوةٍ ترمّم ما تكسّر من الزمن، لم تَكتَفِ طرابلس باستضافة حوار العقول، بل فتحت أبوابَ ذاكرتها على مصاريعها. مساء الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر الحالي، احتفى وطن عمر المختار بإعادة افتتاح المتحف الوطني في مجمّع القلعة الحمراء بعد إغلاقٍ دام أربعة عشر عاماً.
لم يكن حفلاً عادياً، بل كان سرداً بصرياً وموسيقياً لتاريخ أمة؛ عرض "رحلة عبر تاريخ ليبيا" ابتدأ بنسخة أوركسترالية مهيبة للنشيد الوطني قدّمتها أوركسترا الأفلام الإيطالية، لتتوالى فصول الحكاية: من عصور ما قبل التاريخ، حيث عُرِضَت قصة المومياء السوداء "وان موهيجاج"، مروراً بملاحم القبائل الأمازيغية، وصولاً إلى ذروة الحضارة في لبدة وصبراتة وقورينا.
وفي رسالة انفتاح قوية، بُثَّ الحفل مباشرة إلى احتفالات موازية في معبد هادريان بروما وعواصم أوروبية أخرى. وكأنّ العالم كلّه مدعوٌ لمشاهدة ليبيا "تولد من جديد". لقد جسَّد الافتتاح المعنى الحقيقي لشعار "أنا ليبي"، فتحوّل الميدان إلى محرابٍ يجتمع فيه الليبيون على قداسة تراثهم المشترك.
يتنفّس التاريخ وتغنّي الأزقّة
وما إن تخرج من بوابة المتحف حتى تجد نفسك منغمساً في نسخة حيّة من ذلك التاريخ. فالقلعة الحمراء باب يفتح على مدينة طرابلس القديمة، حيث تتجلّى روح المكان بأصدق صورها. في أزقتها الضيّقة المتشابكة، مشينا تحت أقواس الحجر الأصفر الذي يحمل بصمات القرون، وأصغينا إلى همس التاريخ.
هنا، يتحوّل حوار العقول الذي شهدته القاعات إلى حوار مع الحواس. بين دكاكين الحرفيين وعبق البخور والبهارات، استقبلتنا نفحات من الأصالة. ففي ساحة قصر درغوت كانت تنساب نغمات موسيقيّة شجية وأغانٍ ليبية تقليدية تحمل في إيقاعاتها حكايات القوافل وهمس الأمواج. هذه الألحان، التي تذكّرك بـ "المالوف" و"العيطة"، لم تكن مجرّد موسيقى، بل كانت نبضاً يلامس شغاف القلب. أنغام طرابلس، كأزقّتها نفسها، صامدة في وجه النسيان، وتختزل حكاية شعب شاهدنا تاريخه في المتحف، وعشناه في نوتات الموسيقى.
لكنّ سرّ طرابلس الحقيقي لا يكمن في المباني أو الفعّاليات، بل في قلوب أهلها الذين يحافظون على طيبتهم وتقاليدهم رغم كلّ العواصف. هم الذين يفتحون قلوبهم للقادمين، كأنّهم يقولون: "هذه هي ليبيا الحقيقية، أرض المحبّة والتلاقي". هذا الشعب الطيب هو من يرفض أن تُسرق ابتسامته، وهو وقود الأمل الحقيقي والطاقة التي تدفع المدينة للأمام.
طرابلس اليوم ليست جنّة عدن، ولا مدينة اكتملت. إنّها عاصمة عربية مجروحة تخطو خطواتها الأولى نحو النهوض، تستعيد أنفاسها بعزم، وتثبت أنّ الأمل أبقى من اليأس. تحمل بين جنباتها قلباً نابضاً، ورغبة شعب بأن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، فصلاً لا تُلغى فيه الذاكرة، ولا يُغيّب فيه الحوار، ويشرق فيه فجر جديد على عاصمة ترفض الرحيل وتقول للعالم: آنستونا هَلْبَا!
* هلبا باللهجة الليبية معناها جداً أو كثيراً