يا حكام العالم احترسوا...
قد يكون مجلس السلام في غزّة، وإعلان ترامب عن بيع صفقة بترول فنزويلية الخطوتين الأوليين على طريق حلم ترامب بتشكيل حكومة عالمية يترأسها، ويعين رؤساء دولها، لكنهما بالتأكيد لن تكونا الأخيرتين.
-
عادت الحروب الرأسمالية لتسيطر على المشهد العالمي!
بتأسيس مجلس السلام متعدد الجنسيات، متماثل الأهداف والخلفيات، يعود العالم إلى زمن ظهرت فيه فكرة "الحكومة العالمية الواحدة"، هذه الفكرة التي داعبت عقول الكثير من القادة عبر التاريخ ووصلت ببعضهم حد جنون العظمة، من الإسكندر المقدوني، إلى نابليون بونابرت وهتلر، جلبت للبشرية مآسي لا تُنسى. في كل مرة صعد فيها نجم هؤلاء المهووسين، كانت تدعمهم طموحات دول وطبقات تطمع بالهيمنة والنهب. لقد اعتقد العالم أن أثر هذه الخلطة على العالم قد انتهى بانتهاء الحرب العالمية الثانية التي كلفت العالم أكثر من 60 مليون قتيل.
بظهور الأمم المتحدة، وما سُمّي القوانين الدولية، أخذ مفهوم الحكومة العالمية ما اعتقدت البشرية أنه شكل قانوني يؤمّن حل النزاعات من خلال إرادة دولية، لكن سرعان ما اكتشفت أن الإرادة كانت بيد خمس دول مثلت الأطراف المنتصرة في الحرب العالمية، وأن دور الأمم المتحدة اقتصر على حفظ التوازن بين هذه الدول الكبرى بطريقة تمنع المواجهة بينها، في حين بقيت الدول الصغرى ضحية أطماع الكبار من الدول الرأسمالية.
فانطلقت الحروب الاستعمارية من فلسطين إلى كوريا وفيتنام، لكن التغيرات الكبرى لم تحدث، فقد استطاعت الحرب الباردة حصر المواجهة بين الأقطاب العالمية بحروب محلية مدعومة من الخارج.
لم تكن فكرة الحكومة العالمية ذات طابع عسكري دائماً، بل أخذت طابعاً طوباوياً أحياناً، كما وردت في مقالة الفيلسوف الألماني كارك كراوس "النموذج الإنساني عام 1811، عندما اقترح تقسيم العالم إلى خمس فيدراليات: آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وأن تجتمع هذه الفيدراليات في جمهورية عالمية واحدة.
طرح بهاء الله مؤسس الديانة البهائية فكرة الحكومة العالمية وذهب الى التفاصيل، فاقترح عاصمة واحدة (نيويورك)، وعملة واحدة، ونظام أوزان ومقاييس موحداً، ولغة عالمية واحدة. في أواخر أربعينيات القرن الماضي، طرح المغني الأميركي الأسود غاري ديفس فكرة "الحكومة العالمية للمواطنين العالميين" التي تتبنى ثلاثة أسس: "إله واحد، عالم واحد، إنسانية واحدة".
كل هذه الجهود لم تثمر، حتى جاءت لحظة الدوي الهائل بانهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية، إذ اختبرت البشرية تجربة جديدة، فقد أصبح العالم كله تحت سيطرة نظام واحد؛ الرأسمالية. سارع فوكوياما للاحتفال بهذا النصر بإعلانه نهاية التاريخ وحسمه لمصلحة الرأسمالية. ما غاب عن جميع الفوكوياميين أن الطرف الرافض لنظريتهم هو الرأسمالية نفسها، لأن الحرب ونهب ثروات الأمم جزء أساسي من بنية النظام الرأسمالي، ومن دونها سيكون هذا النظام عرضة للانهيار.
طلبت الخارجية الأميركية من المخطط الأمني في إدارة الرئيس جيمي كارتر صمويل هنتنغتون إصدار كتاب يناقض كتاب فوكوياما، فكان كتاب "صراع الحضارات" الذي جعل اختلاف الثقافات مصدراً لحروب الزمن القادم، لتحل مكان الأيديولوجيات والقوميات. تحول هذا الكتاب إلى إنجيل السياسة الخارجية الأميركية.
عادت الحروب الرأسمالية لتسيطر على المشهد العالمي، من يوغسلافيا إلى أفغانستان والعراق مروراً بغزو بنما، وإنزال عسكري في هندوراس. معظم هذه الحروب انتهى باعتقال رؤساء الدول بدءاً بسلوبودان ميلوسفيتش الذي مات في زنزانة الجنائية الدولية، إلى مانويل نورييغا الذي اختطف وسُجن 17 عاماً في الولايات المتحدة، ليسلّم لفرنسا ويُسجن هناك، ثم إلى بنما ليموت في سجنه، وصدام حسين الذي شُنّت على بلاده حرب بحجة امتلاكه سلاح دمار شاملاً، عندما لم يجدوا ذلك السلاح، حوّلوها إلى حرب للقضاء على الدكتاتورية انتهت باعتقاله وإعدامه، مروراً بالعقيد معمر القذافي الذي أعدمه ثوار الناتو، لتعود الولايات المتحدة إلى اعتقال رئيس هندوراس خوان أورلاندو هرنانديز بتهمة الاتجار بالمخدرات وسجنه في الولايات المتحدة، وصولاً إلى الرئيس نيكولاس مادورو الذي اختُطف من قلب العاصمة كراكاس ونُقل ليُسجن في الولايات المتحدة.
إذا استعرضنا خلفيات هؤلاء الزعماء نجد منهم المعارض للسياسات الأميركية منطلقاً من موقف مبدئي، مثل ميلوسفيتس الذي كان قومياً متعصباً، وصدام حسين ومعمر القذافي اللذين كانا مثالاً للديكتاتور المحلي ذي الخلفية القومية، إلى مادورو الذي كان ينتمي إلى خلفية وطنية اشتراكية، في حين كان نورييغا وهرنانديز عملاء للاستخبارات المركزية الأميركية لسنوات طويلة.
الجديد في الحروب الرأسمالية هو ما عبرت عنه العقيدة الأمنية الأميركية: حروب خاطفة، استعمال أقصى قوة ممكنة من دون خسائر، فرض السلام بالقوة. جرى تطبيق هذا النموذج في غزة من خلال الدمار والمجزرة المنهجيين، وفي فنزويلا من خلال العملية الخاطفة لاعتقال الرئيس. في الحالتين أعلن الرئيس ترامب أنه رئيس فنزويلا المؤقت، ورئيس مجلس السلام في غزّة، من دون أن ننسى أنه طالب بأن يكون رئيس مجلس السلام الذي سيدير عملية السلام بين روسيا وأوكرانيا.
قد يكون مجلس السلام في غزّة، وإعلان ترامب عن بيع صفقة بترول فنزويلية الخطوتين الأوليين على طريق حلم ترامب بتشكيل حكومة عالمية يترأسها، ويعين رؤساء دولها، لكنهما بالتأكيد لن تكونا الأخيرتين.
ترامب الذي يقدم مشاريع السلام في جميع الاتجاهات من تايلند وكمبوديا، إلى الهند وباكستان، وصولاً إلى مصر وإثيوبيا، وإعلان الرغبة بالاستيلاء على غرينلاند. تأتي كل مبادرة سلام مشفوعة بتهديد مبطّن لزعماء الدول الذين قد يتجرأون على رفض خططه ومقترحاته، ولسان حال تلك المبادرات يقول: يا زعماء العالم... احترسوا.