واشنطن وأنقرة ودمشق: كيف أعيد تشكيل مستقبل الحركة الكردية؟
فقدت "إسرائيل" ورقة ضغط جوهرية، وباتت وسائل الإعلام التركية تُصوّر أيّ محاولة إسرائيلية للتواصل مع الكرد باعتبارها مؤامرة ضدّ الأمن القومي المشترك للأتراك والكرد.
-
كيف أعيد تشكيل مستقبل الحركة الكردية؟
هل هناك ترابط جوهري لتحقيق تسوية سياسية شاملة بين انضمام مظلوم عبدي "جنرال قسد" إلى الدولة السورية وبين توجيهات عبد الله أوغلان في جعل تركيا من دون إرهاب في تركيا؟ إنّ مسألة استيعاب الكرد أو التعامل مع حركتهم السياسية والعسكرية في تركيا وسوريا ليست مشروعاً أحادياً تملكه جهة واحدة، بل مساحة تداخل وصراع محتدم بين مشروع تركي أمني وجيوسياسي، ومشروع توظيف أميركي استراتيجي، حيث يتحرّك كلّ طرف وفقاً لمصالحه القومية والأمنية.
تفاهمات مفتوحة حصلت بين أوغلان والحكومة التركية أطلق عبد الله أوغلان (زعيم حزب العمال الكردستاني) نداءً تاريخياً من سجنه في جزيرة إيمرلي يدعو فيه إلى حلّ الحزب وإلقاء السلاح نهائياً في إطار مشروع "تركيا من دون إرهاب". بعد تفاهمات مع رئيس الحركة القومية التركي دولت بهشلي، بالاتفاق مع الرئيس التركي الطيب إردوغان. شملت الدعوة أيضاً توجيه نصائح وإشارات واضحة للفرع السوري (قسد) بضرورة الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية لإسقاط ذريعة التهديد الأمني لتركيا.
أدّت الولايات المتحدة دوراً محورياً كـ "الراعي والضامن الدولي" لإعادة هندسة المشهد في الحالة السورية، لم تتبنَّ الولايات المتحدة مشروعاً رسمياً لإنشاء "دولة كردية مستقلة" تجنّباً لخسارة حليفتها التاريخية في الناتو (تركيا)، لكنّ مشروعها كان توظيف الشريك الكردي (قوات سوريا الديمقراطية "قسد") كقوة برية أساسية لمحاربة تنظيم "داعش" في شرق الفرات وسوريا من جهة، وكورقة ضغط جيوسياسية للحفاظ على نفوذها داخل الجغرافيا السورية، وموازنة النفوذ الروسي والإيراني، وكورقة مساومة ضدّ التمدّد التركي الإقليمي قبل إسقاط النظام في سوريا.
شهد الموقف الأميركي تحوّلاً جذرياً عقب التغيّرات السياسية في دمشق؛ حيث انتقلت واشنطن من مرحلة "الشراكة العسكرية" مع قوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضدّ تنظيم الدولة، إلى دور الوسيط في العملية وأدّى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، دوراً أساسياً في حلّ "قسد" ودمجها في الجيش السوري.
نسّقت الإدارة الأميركية مع الجانب التركي لترتيب سحب القوات الأميركية من سوريا بشكل يحفظ التوازن، معترفةً بالسلطة السورية الجديدة كضامن لسيادة البلاد واستقلالها وإعادة توحيد أراضيها. أتى انضمام مظلوم عبدي إلى الحكومة السورية وتعيينه مستشاراً لرئيس الجمهورية عقب إعلانه حلّ "قسد" ودمجها بالجيش السوري وتحوّل القوات الكردية إلى ألوية رسمية داخل الجيش السوري كإعلان لتفكيك الكيان العسكري المستقل تماماً.
تمّت عملية دمج الكرد في مؤسسات الدولة السورية بتنسيق وتفاهمات غير مباشرة حظيت بقبول تركي فهل تعزّزت قناعة القيادة الكردية في سوريا (التي ينتمي مظلوم عبدي تاريخياً لجذورها الأوغلانية) بأنّ زمن "الإدارات الذاتية المسلحة" قد انتهى، وأنّ المكتسبات القومية للكرد لا يمكن صيانتها إلا سياسياً وقانونياً (مثل إقرار تدريس اللغة الكردية كلغة وطنية في سوريا).
ترى الولايات المتحدة في استجابة حزب العمال الكردستاني لنداءات عبد الله أوغلان حلّ ونزع السلاح فرصة تاريخية لإنهاء الصراع المستمر منذ عقود وتحويل الحراك الكردي داخل تركيا إلى عمل سياسي قانوني عبر البرلمان.
تهدف واشنطن من دعم هذا المسار إلى إزالة أكبر هواجس الأمن القومي لدى أنقرة مما يتيح لها التفرّغ لأدوار إقليمية أوسع تدعم الاستقرار الإقليمي.
ما هو رأي التشكيلات الكردية؟
بنى القسم الأكبر من الكرد في الحالة السورية على "الربيع العربي" وراهنوا على متغيّرات سايكس بيكو وإمكانية إعطاء الأتراك الكرد والسوريين فيدرالية، وراهنوا على الولايات المتحدة التي غيّرت استراتيجيتها.
يعيش الشارع الكردي والنخب السياسية التي راهنت على تفكيك إرث "سايكس بيكو" حالة عميقة من الانقسام والمراجعة. فالرهان الطويل على الدعم الأميركي المتذبذب والآمال العريضة في انتزاع اعتراف دستوري بالفيدراليات أو الكيانات المستقلة انتهيا بفضّ العسكرة والاندماج مجدداً في أطر الدول المركزية.
يرى القوميين منهم أنّ التاريخ أعاد نفسه حيث تخلّت واشنطن عنهم بمجرّد انتهاء مصالحها المباشرة وباركت تصفية كيانهم المستقل لصالح الحسابات الكبرى مع أنقرة ودمشق.
أما النخب الكردية المثقّفة فهي ترى أنّ خطوة مظلوم عبدي فُرضت نتيجة حصار جغرافي تركي وعسكري وضغط أميركي لترتيب الانسحاب. تلاشت القناعات السابقة بأنّ الحدود التي رسمتها "سايكس بيكو" في 1916 يمكن كسرها في القرن الحادي والعشرين لبناء كيانات فيدرالية عابرة للحدود.
التيار الواقعي المؤلف من قيادات ميدانية وسياسيون يرى أنّ القوة العسكرية كانت وسيلة مؤقتة، والآن يجب صيانة المكتسبات عبر القنوات الشرعية. فهم يعتبرون اعتراف دمشق باللغة الكردية كلغة وطنية وبدء تدريسها في المدارس الرسمية، وتعيين مظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً، اعترافاً رسمياً بالهوية الكردية بدل الحرب التي كانت ستستمر مع تركيا.
تيار الممانعة الأيديولوجية أي جناح قنديل الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني المتمركز في الجبال، وبعض القوى الكردية التي ترفض شروط التسوية التركية والسورية انتقدت بشكل حادّ الاتفاقيات والقوانين التركية الأخيرة كقانون التضامن المجتمعي، معتبرةً أنّ نزع السلاح من دون تقديم ضمانات سياسية وحزبية كاملة تتيح لهم العمل السياسي بحرية في البرلمان يُعدّ "استسلاماً مقنّعاً" وليس سلاماً شاملاً.
ويرى هذا التيار أنّ مظلوم عبدي وبعض القادة السياسيين في تركيا (مثل حزب DEM) أبدوا مرونة مفرطة وقدّموا تنازلات جوهرية قبل انتزاع مكتسبات فيدرالية حقيقية.
هل يمكن لأوغلان تأدية دور سياسي وإنشاء حزب جديد في تركيا؟
يؤدّي عبد الله أوغلان بالفعل دوراً سياسياً وتوجيهياً محورياً من وراء القضبان في هندسة مسار السلام الحالي، وهناك تداول جادّ ومساعٍ فعلية لتأسيس حزب سياسي كردي جديد يتماشى مع متطلّبات المرحلة المقبلة. بات أوغلان مشاركاً من خلال ممثّليه في اللجان الرسمية الفرعية المعنية بـ "نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي"، إلى جانب عمله ضمن "لجنة المراقبة والتقييم" المنبثقة عن مسار السلام والمجتمع الديمقراطي.
وهو أرسل رسائل مستمرة عبر وفود حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM تدعو إلى تحويل الحراك الكردي من الصدام العسكري إلى "الاندماج الديمقراطي" والمطالبة بضمانات دستورية وقانونية داخل جمهورية تركية موحّدة.
تشهد كواليس السياسة في أنقرة مناقشات مكثّفة حول ولادة حزب سياسي جديد مؤيّد للكرد بتوجيه من أوغلان. يهدف إلى استبدال الأطر السياسية القديمة بكيان سياسي قانوني خالٍ من أيّ شائبة أمنية. حيث سيعمل هذا الحزب كمنصّة شرعية لاستيعاب الكوادر الكردية الراغبة في الانخراط بالعمل السياسي البرلماني، مستفيداً من قانون "تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي" الذي أقرّه البرلمان التركي لتسهيل دمج العناصر بعد نزع السلاح.
توحيد الحركات السياسية الكردية المشتتة وتجنّب دعاوى الإغلاق المستمرة التي واجهتها الأحزاب الكردية السابقة من قِبل المحكمة الدستورية العليا في إسطنبول.
رغم نفوذه وتوجيهه السياسي المطلق، أكّدت الأطراف البرلمانية والسياسية أنّ الوضع القانوني الخاصّ بأوغلان (المحكوم بالسجن المؤبّد) سيؤسّس ويقود المرحلة السياسية الجديدة للكرد ويساهم في صناعة الحزب الجديد من أجل إنجاح مسار "تركيا بلا إرهاب"، لكنّ ظهوره المباشر في الساحة السياسية سيبقى مقيّداً بالخطوط الحمر للقانون التركي.
هل سيكتب النجاح لهذه الخطوات؟ تُعدّ تركيا في اللحظة الراهنة المستفيد الأكبر إقليمياً من تفكيك الكيانات الكردية المسلحة. استطاعت أنقرة فرض رؤيتها لـ "منطقة خالية من الإرهاب" عبر تفاهمات مع دمشق وبغداد. ودمج الكرد في الجيش السوري والمؤسسات الرسمية أسقط هاجس إقامة دولة كردية على حدودها.
تكمن المخاطر في احتمال فشل مسار السلام الداخلي مع أوغلان، أو ارتداد أجنحة كردية راديكالية (مثل جناح قنديل) نحو العمل المسلح مجدّداً إذا شعروا أنّ القوانين التركية الجديدة (قانون التكامل المجتمعي) لا تمنحهم حقوقاً سياسية حقيقية.
الاستفادة ستدوم طالما بقيت تركيا قادرة على تأدية دور "الموازن الإقليمي" والوسيط بين واشنطن ومحيطها، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع قوى أخرى. أما "إسرائيل" فهي نظرت إلى إمكانية استخدام الطموحات الكردية الانفصالية لإضعاف الدول المركزية المعادية لها (مثل سوريا وإيران) وتشتيت جهود تركيا.
فقدت "إسرائيل" ورقة ضغط جوهرية، وباتت وسائل الإعلام التركية تُصوّر أيّ محاولة إسرائيلية للتواصل مع الكرد باعتبارها مؤامرة ضدّ الأمن القومي المشترك للأتراك والكرد.