هل لعبة كرة القدم هي أفيون الشعوب؟
الرأسمالية حولت اللعبة من نشاط رياضي إلى صناعة جماهيرية تشبه "أفيون الشعوب".
-
هل لعبة كرة القدم هي أفيون الشعوب؟
تابعت، كغيري، عدداً لا بأس به من مباريات كرة القدم بين عدد من الفرق العربية والعالمية والأجنبية، وكانت متابعتي عادية، ولم تصل، في المتابعة والتذوق، إلى حد الشغف والإدمان بهذه اللعبة، على الرغم من أهميتها العالمية، إذ يتابع فنونها الكروية وألوان فرقها الرياضية ورموزها مئات الملايين من البشر المعجبين، وربما يتجاوز عدد المتابعين الشغوفين جداً بمبارياتها ذلك بكثير.
انتهى مهرجان كرة القدم العالمية، كأس العالم في موسم 2026، وحصدت إسبانيا كأس العالم لهذا الموسم. فألف مبارك للشعب الإسباني، صديق العرب ونصير الشعب الفلسطيني، هذه البطولة، ومبارك للملك الإسباني وأسرته، الذين حضروا إلى ملعب "ميتلايف"، الذي أقيمت فيه المباراة النهائية لكأس العالم 2026، والواقع في مدينة "إيست راذرفورد" بولاية نيوجيرسي الأميركية، لمشاركة فريق بلادهم الرياضي المنتصر فرحته بالحصول على الكأس الذهبية الأغلى قيمة مادية ومعنوية في عالم كرة القدم.
وخسرت الأرجنتين المباراة النهائية، وكما يقول المصطلح الرياضي: "حظاً أوفر"، بعد هذه الخسارة أمام فريق "الماتادور" الإسباني. والماتادور هو مصارع الثيران في اللعبة الشعبية الإسبانية الشهيرة، ويُستخدم هذا الوصف لقباً مجازياً للمنتخب الإسباني.
من تاريخ اللعبة
بعد هذا المدخل المستحق، دعونا نلج إلى تاريخ تطور هذه اللعبة المثيرة جداً. تعود جذور الألعاب الشبيهة بكرة القدم إلى قرون بعيدة قبل الميلاد، إذ مارس الصينيون القدماء لعبة عُرفت باسم "تسوجو"، وكان اللاعبون يركلون فيها كرة باتجاه هدف محدد. وعرف اليونانيون واليابانيون والمصريون القدماء أيضاً ألعاباً استخدمت فيها الكرة بأشكال مختلفة.
إلا أن اللعبة، في شكلها الحديث والممارس اليوم، تبلورت في إنجلترا، حيث تطورت تدريجياً، قبل أن تُوضع لها قواعد منظمة في القرن التاسع عشر.
وتروي بعض الحكايات الشعبية الإنكليزية أن السكان استخدموا، في احتفالات قديمة، رأس أحد الغزاة الدنماركيين بوصفه كرة، لكن هذه الرواية تبقى أسطورة شعبية لا تستند إلى أدلة تاريخية مؤكدة.
إنه تاريخ طويل ومتعرج مرت خلاله ألعاب الكرة بأشكال متعددة، قبل أن تصبح كرة القدم اليوم واحدة من أحب الألعاب وأجملها وأعظمها في العالم، وتحظى بهذا الحشد الإنساني الواسع من الأنصار والمشجعين والمغرمين حد الهوس في جميع قارات العالم.
مشاعر الجماهير وتقلباتها
من يتابع فصول اللعبة على البساط الأخضر الساحر، منذ انطلاق صافرة الحكم الأولى، مروراً بسير المباراة وتسجيل الأهداف أو ضياعها، ونجاح هذا الفريق أو ذاك، يشاهد المشهد الرياضي الكروي في ذروة سخونته، وانبهار مشجعي الفريقين، وتشنج الجماهير الرياضية وجنونها.
ويتابع المشتغلون بعلم النفس وعلماؤه وغيرهم من المهتمين بهذا الشأن الحيوي المهم هذه الظواهر باهتمام. وللتذكير فحسب، ليتخيل القارئ اللبيب المشاهد الحماسية والهستيرية للمشجعين من كلا الجنسين، ومن مختلف الأعمار، بدءاً من سن الطفولة، مروراً بمختلف المراحل العمرية، وصولاً إلى الكهول والشيوخ في سن السبعين وما يزيد.
فجميعهم، من دون استثناء، قد يصرخون ويتشنجون ويبكون بدموع غزيرة، كل بحسب المشهد والحالة التي يعيشها والفريق الرياضي الذي يشجعه. وتخصص كثير من الأسر والعائلات في أنحاء العالم ميزانيات ومبالغ مالية كبيرة للمشاركة في هذه المناسبة أو تلك، وقد تكون تلك المبالغ على حساب متطلبات مهمة للأسرة والعائلة، ومع ذلك تُدفع بطيب خاطر، ومن دون شعور بالندم على إنفاقها.
وتخيلوا معي أن هناك أفراداً وأسراً وجماعات يسافرون من أقصى شرقي الكرة الأرضية إلى غربيها، والعكس، ويقطعون آلاف الكيلومترات بواسطة وسائل النقل الجوية، لكي يشاركوا في مراسم هذه المباراة أو تلك. فكم ينفقون على رحلة لا تقل عن أسبوع أو أسبوعين، وأحياناً أكثر؟ وكم يصرفون من الوقت والجهد والمال والأعصاب، فضلاً عن متطلبات الرحلة وعناء السفر؟
ما الغاية من كل هذا الشغف؟
السؤال المركزي الذي يُوجّه إلى هؤلاء العشاق الشغوفين بلعبة كرة القدم الساحرة هو: ما الهدف النهائي من هذا النكد والبكاء والألم والخسائر؟ وما الغاية النهائية من ذلك الهوس الذي قد لا يستطيعون الإجابة عنه؟
هذا ما أظنه أنا، كاتب هذه السطور، وليس كل الظن إثماً. ومن معلومات سمعناها ولمسناها عن قرب أن هناك عائلات وأسراً محترمة تنقسم إلى فريقين، ويبدأ التشجيع والصراخ واختلاط الحابل بالنابل بين أفراد الأسرة الواحدة، وتنقسم المشاعر والأحاسيس والمواقف بينهم.
وقد يصل الحزن بالجهة التي يخسر فريقها إلى حد الإجهاش بالبكاء، ويسود الحزن والألم والضيق أياماً وليالي. أليست مثل هذه الحالات، التي تتحول إلى ظاهرة اجتماعية وإنسانية متكررة، تستحق من علماء النفس، بالتحديد، التبصر والتفكر والتأمل؟
فقد تحولت هذه اللعبة الكروية الحديثة والجاذبة، التي تطور شكلها المنظم في إنجلترا، إلى ظاهرة عالمية قادرة على إثارة مشاعر إنسانية بالغة الحدة. وقال أحد المتندرين الساخرين من المشهد الرياضي الحالي إن دموع الفتيات والنساء والأطفال والشيوخ، التي انسكبت بغزارة جراء خسارة المنتخب الأرجنتيني البطولة، تكفي لملء أحد شلالات "إيغوازو" الواقعة بين الأرجنتين والبرازيل. يا سبحان الله، كم هو تصوير وتشبيه بديعان.
الخلاصة
تنتابني الحيرة والاستغراب، إلى حد التردد وعدم الثقة فيما سأقوله تجاه ظاهرة التعلق الإنساني بهذه اللعبة الجذابة والساحرة، التي تنفق عليها الحكومات في أنحاء العالم والمنظمات الدولية والمجتمعات قاطبة مليارات الدولارات واليورو والروبل واليوان، لكي تتفاعل مع شعوبها وترضيها وتشبع رغباتها الكروية.
وهي، في أحد أبعادها، فكرة خطيرة صنعها النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي عبر "تسليع" كل شيء، بما في ذلك الإبداع الفني والرياضي.
وفي هذه اللحظة، تذكرت مقولة الفيلسوف والمفكر الألماني كارل ماركس: "الدين أفيون الشعوب"، لكنني رأيت أنه أخطأ الطريق إلى الهدف، وأيقنت، من خلال المشاهدة المجردة، أن لعبة كرة القدم هي أفيون الشعوب، والله أعلم منا جميعاً.