هل تحول الحرب على إيران الموانئ الأفريقية إلى بدائل استراتيجية؟

بسبب العدوان على إيران وتأثيراته على حركة الملاحة في الخليج، بدأت السفن التجارية وناقلات الوقود في إعادة توجيه مساراتها نحو أفريقيا، التي باتت تقدّم حلولاً لوجستية مرنة وخيارات آمنة للتزوّد بالوقود والخدمات البحرية.

0:00
  • أفريقيا بديل استراتيجي أم هروب مؤقت من هرمز؟
    أفريقيا بديل استراتيجي أم هروب مؤقت من هرمز؟

تفرض الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران واقعاً بحرياً جديداً، حيث تعيد تداعياتها رسم خرائط التجارة البحرية العالمية تدريجياً، فيما يعرف بالجغرافيا السياسية للمياه.

ففي ظلّ تزايد المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز، أحد أهمّ شرايين الطاقة في العالم، وتحوّل منطقة الخليج إلى منطقة مواجهة مباشرة، بدأت شركات الشحن الدولية تبحث عن بدائل أكثر أماناً، لتبرز الموانئ الأفريقية كخيار استراتيجي متنامٍ، محيية مسار رأس الرجاء الصالح كشريان بديل.

موريشيوس مركز الإمداد البديل في المحيط الهندي

بسبب العدوان الصهيو-أميركي على ايران وتأثيراته المباشرة على حركة الملاحة في الخليج، بدأت السفن التجارية وناقلات الوقود في إعادة توجيه مساراتها نحو أفريقيا، التي باتت تقدّم حلولاً لوجستية مرنة وخيارات آمنة للتزوّد بالوقود والخدمات البحرية. وتتصدّر موريشيوس هذا التحوّل الإقليمي، حيث برزت هذه الدولة الصغيرة كمركز حيوي يوفّر للسفن الخدمات في المحيط الهندي. 

وفي دليل ملموس على هذا التحوّل، شهد ميناء بورت لويس ارتفاعاً ملحوظاً في حركة السفن، إذ قفز عدد السفن التي رست لتلقّي الخدمات بنسبة 42% خلال شهر آذار/مارس الماضي، ليصل إلى 294 سفينة مقارنة بـ 207 في الشهر الذي سبقه، وبحسب بيانات رسمية، ارتفع الطلب على الوقود البحري بالتوازي مع هذا النشاط من نحو 69 ألفاً إلى 109 آلاف طن، مما يعكس تسارع اعتماد شركات الشحن على الموانئ الأفريقية كبديل عملي للممرات التقليدية.

تحذيرات وقيود محتملة

يواجه التحوّل نحو الموانئ الأفريقية تحدّياته الخاصة، إذ حذّر متحدّث رسمي باسم ميناء بورت لويس من احتمال فرض قيود خاصة على إمدادات الوقود البحري تبعاً لتطوّرات الصراع في غرب آسيا، مؤكّداً أنّ استمرار التوتر قد يؤثّر بشكل مباشر على أنشطة بعض مزوّدي الوقود البحري.

ويعكس هذا التحذير هشاشة المشهد اللوجستي العالمي ومدى تأثّره بالمواجهة العسكرية في هذه المنطقة، مما يدفع الشركات للبحث عن موانئ بديلة والتفكير في تكاملها مع الطرق والسكك الحديدية لتقليل الاعتماد الكلّي على نقاط الاختناق المائية.

الظاهرة تمتدّ إلى ناميبيا وتوغو

لا يقتصر هذا الاتجاه على شرق القارة الأفريقية فقط، إذ تشهد ناميبيا أيضاً تزايداً ملحوظاً في حركة السفن المتجهة إلى ميناء والفيش للتزوّد بالوقود والحصول على خدمات بحرية أخرى، في مؤشّر واضح على إعادة تموضع طرق التجارة العالمية بما يتماشى مع اعتبارات الأمن البحري.

وفي غرب أفريقيا تسعى توغو إلى استثمار هذه التحوّلات الاستراتيجية عبر تطوير قدرات ميناء لومي، الذي يتمتع بموقع استراتيجي على خليج غينيا ومياه عميقة تؤهّله ليصبح مركزاً بديلاً. وقد أكد وزير الاقتصاد البحري التوغولي أنّ الميناء بات قادراً على توفير مسار بديل للبضائع المتجهة إلى آسيا أو مختلف أنحاء القارة، بعيداً عن المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز، مشدّداً على ضرورة ربط هذه الموانئ بشبكات نقل برية تعزّز من سلاسل الإمداد.

هدنة هشّة وحصار أميركي شامل

قبل إعلان أميركا فرض الحصار على مضيق هرمز، كان المشهد البحري يشهد هدنة هشّة بين دولتي العدوان وإيران، وقد عزّز الحصار هشاشة الهدنة، إذ ظلّت حركة الملاحة أقلّ بكثير من مستوياتها الطبيعية.

ومع ذلك، كانت السفن المرتبطة بأفريقيا من بين أوائل السفن التي استأنفت العبور بحذر، مثل ناقلات ترفع أعلام الغابون وليبيريا، في حين واجهت سفن أخرى مثل ناقلة غاز ترفع علم بوتسوانا عراقيل ميدانية اضطرّتها لتغيير مسارها بالكامل.

لكن مع إعلان واشنطن حصارها الشامل على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، دخل المشهد مرحلة مختلفة تماماً ضمن الجغرافيا السياسية للمياه.

هذا الحصار الذي أغلق الممر المائي الذي يمرّ عبره نحو 20% من إجمالي شحنات النفط، انعكس سلباً على تكاليف الشحن وأقساط التأمين التي بدأت في الارتفاع، الأمر الذي يعزّز توجّه شركات الشحن نحو الموانئ الأفريقية البديلة ومسار رأس الرجاء الصالح، مما يعيد رسم خريطة التجارة البحرية العالمية على نحو جديد.

إغلاق باب المندب

في حال تطوّر الصراع، ستنشط اليمن كجزء مهم في جبهة المقاومة، وحينها لن يقتصر دورها على المشاركة في العمليات العسكرية فحسب، إنما ستقفل مضيق باب المندب.

وحال حدوث ذلك، لن يعود أمام سفن الشرق المتجهة إلى الغرب أيّ خيار سوى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وسيشكّل ذلك فرصة ذهبية للموانئ الأفريقية، التي ستتحوّل إلى مراكز إعادة شحن وتوزيع إجباري، إضافة إلى دورها كمحطات تزويد للسفن بما تحتاجه من خدمات.

وبهذا تتحوّل كلفة رأس الرجاء الصالح من عائق إلى حتمية اقتصادية، فتجد أفريقيا نفسها في مركز الثقل التجاري العالمي الجديد. 

أفريقيا بديل استراتيجي أم هروب مؤقت من هرمز؟

في ضوء هذه التطوّرات، تبدو أفريقيا في موقع متقدّم للاستفادة من التحوّلات الجارية، لكنّ الاستدامة تظل رهينة بمدى تطوير البنى التحتية القارية.

فالهروب من هرمز والمندب قد يكون مؤقتاً، ما لم تتحوّل الموانئ الأفريقية إلى مراكز لوجستية متكاملة مدعومة بطرق برية وسكك حديدية قوية تربط السواحل بالعمق.

لكن هل الموانئ وحدها كافية؟ أم أنّ الحاجة أعمق لتتجاوز البدائل البحرية إلى حلول قارية جذرية؟

مشروع خط الأنابيب العابر لأفريقيا ("Trans-Africa Pipeline "TAP)

هو مشروع طاقة عملاق يعبر القارة الأفريقية من شرقها إلى غربها، يبدأ من ساحل البحر الأحمر خط بحري يربط الساحلين السعودي والسوداني، ويمتد ليصل إلى موانئ المحيط الأطلسي مثل دوالا في الكاميرون، ولواندا في أنغولا، وبونت نوار في الكونغو ، مع وجود بديل آخر إلى البحر الأبيض المتوسط، ويهدف المشروع إلى تجاوز نقاط الاختناق المائية: مضيق هرمز، مضيق باب المندب، وقناة السويس، مما يوفّر بديلاً آمناً لإمدادات الطاقة.

طُرح المشروع خلال مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية وحركة "تحرير السودان" بقيادة جون قرنق في كينيا عام 2005، وكان عرضه على السودان "من باب التشجيع على اجتراح طريق سريع للسلام"، وفق تعبير د. أمين حسن عمر عضو فريق الحكومة في المفاوضات، لكنه ظلّ حبيس طاولات التخطيط بسبب تحفّظات مصر وأميركا، ومخاوف أمنية في السودان وحوض الكونغو، وتكاليف استثمارية وتضاريس صعبة، بيد أنّ الوضع الراهن في مضيق هرمز وتهديد باب المندب وقناة السويس المرتبط عملها بباب المندب، قد يوفّر ذلك حافزاً لإعادة إحيائه.

ويقول الدكتور أمين حسن عمر: "فكرة المشروع تبدو عبقرية من الناحية الهندسية والاستراتيجية، ويمكن لها أن تسهم في تعديل الجغرافيا السياسية في أفريقيا من جغرافيا الأزمات إلى جغرافيا دعم للاقتصاد العالمي في كسب مزدوج لكلّ الأطراف".

أسئلة مفتوحة في ظلّ التحوّلات الكبرى

مع هذا المتغيّر النوعي في الجغرافيا السياسية للمياه، ومع إحياء مشاريع استراتيجية طموحة مثل خط الأنابيب العابر لأفريقيا، تبقى أسئلة مطروحة بإلحاح: كيف تستفيد أفريقيا ودول الجنوب من هذا المتغيّر؟ وكيف تضمن استدامته عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية تتجاوز التحدّيات الأمنية والتكاليف الباهظة؟

والأهمّ: هل يمكن لمشروع خط الأنابيب العابر لأفريقيا (TAP) أن يشكّل بديلاً استراتيجياً يعيد رسم الجغرافيا السياسية في أفريقيا من جغرافيا الأزمات إلى جغرافيا دعم لاقتصادها وللاقتصاد العالمي، بما يرسّخ دور القارة في الفضاء الكوني؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.