هل تبحث واشنطن عن العودة إلى ما قبل الحرب.. بينما تفرض طهران معادلات ما بعدها؟
تكشف التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أن الحروب العسكرية لا تحسم دائماً بمنطق القوة المجردة مهما كانت ضخمة وكبيرة، بل بمنطق الحكمة والقدرة على توظيف الموارد والقدرات في تشكيل الواقع السياسي الذي يلي الحرب.
-
سجلت طهران خلال الحرب وما بعدها، نجاحاً باهراً في السياسة الدولية.
التصريحات الأميركية بشأن ضرورة عودة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب على إيران تُعدّ مؤشراً جديراً بالتوقف عنده في ظل مجريات الأحداث والمفاوضات التي تجري بين طهران وواشنطن.
يقول ماركو روبيو: "يجب أن يعود العبور في مضيق هرمز إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، ونرفض دفع أي أموال مقابل المرور".
عندما يصبح الهدف الأميركي المعلن هو استعادة الوضع السابق، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت الحرب قد حققت فعلاً الأهداف التي سعت إليها واشنطن وحليفتها "إسرائيل"، أم أنها انتهت إلى نتيجة معاكسة تمثلت في تعزيز قدرة إيران على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة.
إن كانت هناك قراءة متأنية للمشهد إزاء هذه التصريحات، فهي بالتأكيد لا تتعلق بمضيق هرمز وحده، بل تتعلق بالتحول الأوسع في طبيعة الصراع الإقليمي والدولي، وبمدى قدرة إيران على فرض إرادتها في منطقة باتت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للخضوع للمعادلات التقليدية التي حكمتها لعقود تحت عناوين الهيمنة والسيطرة.
مضيق هرمز، في المفهوم الاستراتيجي، أكثر من مجرد ممر مائي، فقد وصل إلى حدّ وصفه بالسلاح الاستراتيجي، إذ يعد أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وكما هو معروف، فإن جزءاً كبيراً من صادرات النفط والغاز العالمية يمر عبر هذا الممر الضيق الذي يفصل الخليج العربي عن بحر العرب والمحيط الهندي، ولذلك فإن أي اضطراب فيه أو إغلاق بقرار إيراني لا ينعكس على دول المنطقة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، وهذا له حساباته لدى الإدارة الأميركية الحالية.
أهمية المضيق لا تكمن فقط في قيمته الاقتصادية، بل في رمزيته السياسية أيضاً، فإيران هي التي تمتلك القدرة على التحكم والتأثير في حركة الملاحة داخله، وأصبحت خلال الحرب تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة، وجميعنا شاهد كيف أعلنت طهران عن إغلاق المضيق في أكثر من مرة، كان آخرها رداً على انتهاك "إسرائيل" اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.
صحيح أنه، وعلى مدى سنوات طويلة، قامت الاستراتيجية الأميركية على ضمان حرية الملاحة في المضيق شكلاً باعتبارها جزءاً من الهيمنة البحرية على طريق التجارة والطاقة العالمية، وكانت الرسالة التقليدية الضمنية المعروفة دائماً أن واشنطن هي الضامن النهائي لاستقرار هذا الممر الحيوي، لكن الحرب الأخيرة أظهرت معادلات مغايرة لذلك، فتجربة الحرب أثبتت أن امتلاك الأساطيل والقواعد العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة المطلقة على التحكم بالمضيق، خصوصاً عندما نجحت إيران، وأثبتت أكثر من مرة، قدرتها على التحكم في المشهد، وأثبتت للقاصي والداني قدرتها على ذلك، بل والتأثير في حسابات الولايات المتحدة الأميركية.
تاريخياً، وكما هو متعارف عليه، تدخل الدول الحروب لتحقيق أهداف سياسية محددة، وشاهدنا وسمعنا جميعاً أهداف الإدارة الأميركية، ومعها "إسرائيل"، من وراء هذه الحرب، وكان العنوان الأبرز فيها فرض ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، وتشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، غير أن اللافت الآن في الخطاب الأميركي الحالي، بين يدي جولات المفاوضات التي تجري في سويسرا، هو أن الحديث بات على الملأ يتركز على استعادة الوضع السابق وضمان عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها.
وهنا يبرز سؤال مهم مفاده، إذا كان الهدف بعد الحرب هو العودة إلى ما قبل الحرب، فما الذي تحقق فعلياً من أهداف الحرب؟
القراءة الواقعية تفسر المشهد في سياق واحد لا ثاني له، فمجرد المطالبة بإعادة الأمور إلى سابق عهدها يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الوضع الراهن والمعادلات التي فرضتها إيران أثرت في الإدارة الأميركية ومصالحها بشكل كبير، وأثبتت إيران أنها نجحت في توظيف هذا السلاح لصالحها ومصلحة حلفائها.
وبالتالي، من هذه الزاوية يمكن فهم التفسير الذي يرى أن واشنطن تجد نفسها اليوم أمام واقع لم تكن ترغب في الوصول إليه، أصبحت تعيشه وتدفع فيه تكلفة الحرب التي شنتها على إيران، وأصبحت فيه قدرة إيران على التأثير في المعادلات الإقليمية أكثر وضوحاً وتأثيراً من السابق، أي، بمعنى أدق، إن ما قبل الحرب على إيران ليس كما بعدها.
نجحت إيران، بعد أن غادرت مربع استراتيجية الصبر الاستراتيجي، في تثبيت استراتيجية صناعة الوقائع وفرض المعادلات بعد هذه الحرب، وهذه التضحيات التي قدمتها وهذه الكلفة العالية التي دفعتها دفاعاً عن مشروعها الذي تحمله.
صحيح أنه، في مواجهة ميزان التفوق العسكري الأميركي، لم تسع طهران إلى بناء قوة مماثلة، لكنها طورت قدرات في جوانب أخرى فرضت نفسها في الحرب، وركزت على تطوير أدوات ردع غير متماثلة، شملت القدرات الصاروخية ومنظومة المسيرات، والحرب البحرية غير التقليدية، وشبكات النفوذ الإقليمي، والقدرة على التأثير في الممرات الاستراتيجية، وهذا كان واضحاً بشكل كبير، وردت على الولايات المتحدة باستراتيجيتها الخاصة، على قاعدة أنه إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، فإن إيران يجب أن تكون قادرة بدورها على جعل تكلفة أي مواجهة مرتفعة بما يكفي لردع أميركا و "إسرائيل" معاً، وهذا ما كان خلال الحرب وما بعدها.
وفي هذا السياق، أصبح مضيق هرمز والتحكم فيه جزءاً من معادلة الردع الإيرانية، لا مجرد موقع جغرافي أو ممر مائي عادي، وهذا في المفهوم الاستراتيجي، يشير إلى أن إيران تبعث برسالة واضحة مفادها أنها تستطيع التحكم و إغلاق المضيق بصورة دائمة أو مؤقتة وقتما شاءت، بل إنها تستطيع التأثير في استقراره متى شعرت بأن مصالحها الاستراتيجية مهددة، وهذا حقها الطبيعي، وهذه القدرة بحد ذاتها تمثل تحولاً مهماً في ميزان القوة ومعادلات الردع.
لعل من أهم الدروس التي كشفتها الحرب الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الردع، ففي الماضي كان ينظر إلى القوة الأميركية باعتبارها قادرة على فرض إرادتها بشكل شبه أحادي، أما اليوم فقد أصبحت القرارات العسكرية تخضع لحسابات أكثر تعقيداً بعد أن أدركت أن إيران ليست لقمة سائغة أو سهلة يمكن القضاء عليها بالكامل، وبمعنى أدق، فإن كل خطوة هجومية باتت تقابلها تساؤلات حول طبيعة رد الفعل المحتمل من طهران، وإذا ما كانت هناك خطوات، فما حجم التداعيات الأمنية والاقتصادية، وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، ومدى استعداد الحلفاء لتحمل تبعات التصعيد مجدداً في المنطقة، وهذا وحده يعد درساً كافياً لكل الأطراف في المنطقة بأن التفوق العسكري لم يعد كافياً وحده لتحقيق الأهداف السياسية.
سجلت طهران، خلال الحرب وما بعدها، نجاحاً باهراً في السياسة الدولية، وهذا النجاح لا يقاس فقط بالقدرة على توجيه الضربات، بل بالقدرة على فرض نتائج سياسية دائمة، وإذا لم تتحول القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واضحة، فإنها تفقد قيمتها الاستراتيجية مهما كانت ضخمة.
المنطقة تتجه نحو معادلات جديدة، فهذه نتيجة باتت ثابتة في المشهد لمن يقرأ الأحداث بعمق، وآثار ذلك لن تقتصر على العلاقة الأميركية- الإيرانية، فالدول الإقليمية أيضاً تراقب هذه التطورات بعناية، لأنها تعيد تعريف مفاهيم القوة والردع والتحالفات من جديد، بل وسيكون لهذا التحول انعكاسات كبيرة على النظام الإقليمي بشكل خاص، والدول الصغيرة والمتوسطة ستستخلص دروسها الخاصة حول حدود القوة الأميركية وإمكانات المناورة بين القوى الكبرى.
أما القوى الدولية الأخرى فستنظر إلى هذه التطورات باعتبارها مؤشراً إضافياً على التحول التدريجي نحو نظام دولي فيه تعددية أكثر وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد كان متمثلاً بالإدارة الأميركية، وفي الوقت ذاته ستدفع هذه المتغيرات واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، على وجه الخصوص، في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تزايد التحديات العالمية الأخرى التي تواجهها في دول أوروبا وروسيا تحديداً.
تكشف التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أن الحروب العسكرية لا تحسم دائماً بمنطق القوة المجردة مهما كانت ضخمة وكبيرة، بل بمنطق الحكمة والقدرة على توظيف الموارد والقدرات في تشكيل الواقع السياسي الذي يلي الحرب، وعندما يصبح الهدف المعلن لقوة مثل أميركا هو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة في ما يتعلق بمصير هرمز، فإن ذلك يطرح أسئلة عميقة وكبيرة حول طبيعة النتائج التي أفرزتها الحرب الأميركية- الإيرانية.
والمؤكد كقارىء للمشهد، أن المنطقة لم تعد كما كانت، فالحرب الأخيرة على إيران، بكل ما حملته من رسائل وحسابات، أظهرت أن ميزان القوة في الشرق الأوسط يشهد تحولات متسارعة وكبيرة، وأن قدرة الأطراف الإقليمية على التأثير في المعادلات الدولية أصبحت أكبر مما كانت عليه في السابق، وهذا يأخذنا إلى مربع مهم، وهو أن المنطقة بعد هذه الحرب تغيرت فيها الموازين كلياً، وباتت طهران تطرح شروطها وتفرض معادلاتها على الملأ وشاهدنا على العلن كيف كان الموقف الثابت من قضية مضيق هرمز.
من هذه الزاوية تحديداً، من الآن فصاعداً، إذا ما أردنا الحديث عن مضيق هرمز، فلم يعد الحديث مجرد حديث عن ممر مائي استراتيجي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لشكل النظام الإقليمي والدولي الذي يتشكل تدريجياً أمام أعيننا، سجلت فيه إيران معادلات يصعب تجاوزها، وسجلت فيه أميركا فشلاً واضحاً.