نقص الذخائر.. لماذا تكشف أميركا نقاط ضعفها؟
تناقض في تبرير وقف العمليات العسكرية بنقص مخزون الذخيرة، رغم أن ترامب سبق أن استأنف العمليات ونفّذ ضربات عسكرية على مدى 13 ليلة.
-
نقص الذخائر.. لماذا تكشف أميركا نقاط ضعفها؟
أثارت التقارير والتسريبات التي شغلت الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية حول تراجع مخزون عدد من الذخائر الأسبوع الماضي أسئلة أكثر مما قدمت أجوبة. فقد ركزت تغطيات صحافية متلاحقة على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحجم عن توسيع حملته العسكرية ضد إيران بسبب حراجة مخزونات الصواريخ الاعتراضية، قبل أن يعلن أنه علق ما وصفه بأنه "أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية" لإتاحة المجال أمام مفاوضات جديدة بشأن مضيق هرمز.
غير أن تعليل تعليق الحملة باكتشاف النقص في الذخائر لا يستقيم تماماً مع منطق الأحداث. فلا يُعقل أن يخوض رئيس أكبر دولة في العالم أخطر حروبه ثم يفاجأ، قبيل قرار استئنافها وتوسيعها، بمعلومة على هذا القدر من الأهمية. كما أن الحديث عن تراجع المخزونات لم يبدأ مع التهديد الأخير، بل سبقته سلسلة من التقارير والتحذيرات بعضها يعود إلى ما قبل اندلاع الحرب، ثم توالت طوال الأسابيع التي أعقبت وقفها الموسع وتوقيع مذكرة التفاهم مع إيران.
وفوق ذلك، لم يمنع هذا القيد المعروف ترامب من استئناف العمليات العسكرية بعد المذكرة، ولا من تنفيذ ضربات يومية طوال 13 ليلة قبل تعليقها مجدداً. فكيف أصبح نقص المخزون فجأة سبباً كافياً لوقف حملة أوسع؟
تطرح هذه الوقائع مجموعة أسئلة من بينها: إلى أي مدى يمكن أن يكون ما نُشر تضليلاً متعمداً أو توظيفاً سياسياً لمعلومات صحيحة جزئياً؟ وهل يُعقل أن تصل القوة الأولى عالمياً إلى هذا المستوى من الحرج في حرب مع دولة إقليمية لا تضاهيها في الإمكانات؟ ولماذا تكشف جهة أميركية مطلعة، ومعادية لإيران حكماً، نقطة ضعف عسكرية حساسة في واحدة من أخطر مراحل الصراع، مهما بلغ خلافها مع ترامب؟
ما نُشر وما لم يُنشر
لم تكن "واشنطن بوست" أول من كشف تراجع مخزونات الذخائر الأميركية، لكنها وضعت القضية في إطار خلاف متصاعد بين ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث. ونقلت عن مصدرين أن الرئيس طالب هيغسيث، خلال اجتماع في كامب ديفيد، بتفسير ما وصفته الصحيفة بنقص حاد بات يقيّد الخيارات العسكرية، وأنه اعتقد سابقاً أن المشكلة قد عولجت. رغم ذلك ردّ البيت الأبيض بنفي الواقعة، فيما عاد ترامب ليعلن ثقته الكاملة بوزيره.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة قبل أيام، أطلقت الولايات المتحدة خلال الشهر الأول من الحرب أكثر من 850 صاروخ "توماهوك"، وأكثر من ألف صاروخ اعتراض من منظومتي "باتريوت" و"ثاد". كما استخدمت أكثر من 1300 صاروخ بالستي تكتيكي في الأسابيع الأولى، فيما تراجع مخزون "أتاكمز" إلى مستوى شديد الانخفاض.
سبقت ذلك تقارير أوردتها "واشنطن بوست" منذ شباط/ فبراير الماضي، أي قبل اندلاع الحرب، تفيد بأن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، حذّر ترامب من أن النقص في الذخائر الحيوية، بعد دعم "إسرائيل" وأوكرانيا، يزيد مخاطر الدخول في نزاع طويل مع إيران.
كما نقلت "وول ستريت جورنال" لاحقاً أن كين أبلغ البيت الأبيض بتراجع مخزون الدفاع الجوي، وأن القوات الأميركية كانت مستعدة لحملة مكثفة قد تمتد أسبوعين، قبل أن يقرر ترامب التريث.
إذاً، لا نحن أمام معلومة جديدة، ولا أمام مشكلة وُلدت مع خطة الهجوم الأخيرة. وهذا يُبقي السؤال قائماً: لماذا لم يُحلّ النقص من دون استئناف الحرب سابقاً، ثم تصدر فجأة أسباب الإحجام عن حملة جديدة؟
ضربة أم تهويل؟
تشير المعلومات المتداولة عبر الإعلام الأميركي إلى أن البنتاغون أعدّ خيارات عسكرية وأن مستوى الاستعداد ارتفع، لكن ذلك لا يحسم أن ترامب أصدر أمراً نهائياً بالهجوم ثم ألغاه.
فقد نقلت شبكة "سي بي إس" عن مصادر أميركية أن واشنطن و"إسرائيل" كانتا تخططان لحملة هي الأعنف حتى الآن ضد منشآت الطاقة الإيرانية، وأن الخطة نوقشت في كامب ديفيد. لكنها أوضحت أن ترامب لم يكن قد أصدر أمر التنفيذ النهائي. والأهم أنها نقلت، في المقابل، عن مسؤول إسرائيلي أن تل أبيب لم تكن على علم بقرار لاستئناف العمليات الموسعة، ولم يُطلب منها المشاركة في أي هجوم.
لا ينفي ذلك وجود استعدادات وخطط جاهزة وموضوعة لعملية كبيرة، وهذا إجراء طبيعي في سياق الحروب التي تقتضي الإبقاء على جميع الاحتمالات في حالة جاهزية. لكن، ثمة فرق بين إعداد الأهداف وتحريك القوات ووضعها في حالة الاستعداد، وبين صدور قرار سياسي لا رجعة فيه. أما رواية أن أميركا كانت قاب قوسين من "أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية"، فمصدرها الأساسي هو ترامب نفسه.
وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من تكرار النمط. فقد وثقت وكالة "أسوشيتد برس" سلسلة طويلة من تهديدات ترامب التي أعقبها تعليق للضربات أو إعلان لمفاوضات: تهديد محطات الكهرباء ثم تأجيل الهجوم، والوعيد في الـ7 من نيسان/أبريل الماضي بأن "حضارة كاملة ستموت" ثم إعلان وقف النار بعد ساعات، وتعليق ضربة كبيرة في أيار/مايو، وإلغاء ضربات في حزيران/يونيو بعد ساعات من التهديد بها، وصولاً إلى وقف حملة تموز/يوليو ثم الإعلان الأخير.
أسباب تتزاحم... البحث عن مخرج
إذا لم تكن رواية الذخائر كافية وحدها، فإنها تصبح أكثر منطقية حين توضع إلى جانب عوامل أخرى. فقد نقلت تقارير أن معظم المقرّبين من ترامب لم يؤيدوا التصعيد الواسع، وأن بعض مساعدي البيت الأبيض المعنيين بالحسابات السياسية عارضوا استهداف منشآت الطاقة. كما حذّر مسؤولون من أن ضرباً أوسع قد يأتي بنتائج عكسية، فيعزز تماسك القيادة الإيرانية ويعيد توجيه الرأي العام الداخلي نحو مواجهة الخطر الخارجي.
وتزامن ذلك مع ضغوط خليجية مباشرة وفق الإعلام الأميركي. فقد أبلغ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ترامب أن ضرب منشآت الطاقة الإيرانية قد يستدعي رداً على منشآت النفط والكهرباء والمياه والموانئ في الخليج. كما تحركت قطر والإمارات وتركيا وباكستان لإفساح المجال أمام الدبلوماسية وفق ما نقلت "أكسيوس" بداية الشهر الحالي.
ولا ينفصل هذا العامل عن الذخائر: فالمشكلة لا تكمن فقط في الصواريخ التي ستستهلكها الحملة الهجومية، بل في موجة الرد الإيراني التي ستستدعي إطلاق أعداد إضافية من "باتريوت" و"ثاد" لحماية القواعد الأميركية والمنشآت المستهدفة.
كذلك كان من شأن استهداف منشآت الطاقة أن يهدد بإشعال الأسعار وتعطيل المفاوضات حول مضيق هرمز، في وقت تتزايد فيه الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب. وكان ترامب نفسه قد أقر بعد مذكرة حزيران/يونيو بأنه قبل التسوية لتجنّب تحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية.
في المقابل، قدمت طهران رواية مختلفة: وصفت التهديدات بأنها "حرب نفسية وإدراكية"، مع إعلان الاستعداد لمواجهتها، ونفت أنها طلبت من ترامب وقف الهجوم أو بدء مفاوضات مباشرة. ورأت وسائل إعلام إيرانية أن التحذير من ضرب منشآت الطاقة والبنية الحيوية في "إسرائيل" والدول التي تنطلق منها الهجمات هو الذي جعل كلفة التصعيد أكبر من مردوده.
ما يعزز واقعية الرواية الإيرانية هو ما نقلته "سي أن أن" عن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين إذ رأى أن بلاده بحاجة إلى البحث عن مخرج من المواجهة العسكرية مع إيران. ونقلت "سي أن أن" منذ أيام قليلة عن 3 مصادر، أنه خلال الأسابيع القليلة الماضية، أوضح كين في أحاديث خاصة لكبار مستشاري ترامب أن الخيارات العسكرية المطروحة لتصعيد الصراع قد تؤدي إلى نتائج عكسية، كما أنه من غير المرجح أن تحقق القوة الجوية وحدها الأهداف التي أعلنها ترامب، وقال أحد المصادر بصراحة: "كين يبحث عن مخرج".
رواية إسرائيلية
في مقابل رواية الصراع داخل الإدارة الأميركية، قدّم الإعلام الإسرائيلي تفسيراً آخر ينسجم مع ما سبق، وخصوصاً أنه يصدر عن شخصية أمنية كانت في قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. إذ رأى الرئيس السابق لـ"شعبة الاستخبارات العسكرية" الإسرائيلية، ورئيس "معهد أبحاث الأمن القومي" الحالي، تامير هايمان، أن الحديث عن نفاد الذخائر الأميركية وتراجع مخزون صواريخ باتريوت قد يكون مناورة داخلية تهدف إلى تبرير تراجع واشنطن عن الخيار العسكري، والانتقال إلى المسار الدبلوماسي مع طهران، إضافة إلى تغطية العجز عن إحداث تغيير استراتيجي عبر الضربات الجوية وحدها.
لا تنفي هذه القراءة وجود تراجع فعلي في المخزون؛ إذ قد تكون أزمة الذخائر حقيقية، فيما يجري توظيفها سياسياً لتبرير قرار اتُخذ لأسباب أوسع. وهي تمنح فرضية "الانسحاب المقنّع" وزناً مختلفاً: بدلاً من إعلان أن الحملة بلغت حائطاً مسدوداً ولم تحقق تحولاً استراتيجياً، يصبح وقف التصعيد نتيجة قيد تقني فرضته المخازن.
وبالتوازي، خرجت أصوات من داخل "إسرائيل" تحاول تكذيب المعلومات عن نقص الذخائر، بينهم مسؤولون أمنيون أكدوا لصحيفة "معاريف" عدم وجود نقص حقيقي في الصواريخ الاعتراضية لدى جيش الاحتلال أو الجيش الأميركي. وليس مستغرباً أن تحاول جهات أمنية نفي انكشاف نقاط الضعف في أثناء الحرب، لكن التناقض بين الروايتين الإسرائيليتين يكشف أن الجدل لا يدور فقط حول صحة الأرقام، بل حول الغرض من نشرها والجهة المستفيدة منها.
من سرّب ولماذا؟
نقلت وسائل إعلام أميركية أن ترامب رأى في التقارير إضعافاً لموقفه التفاوضي وتشجيعاً لإيران على الصمود، فكلف وزارة العدل ملاحقة المسرّبين ووصفهم بـ"الخونة". لكن غضبه لا يجيب عن هوية الجهة التي سرّبت ولا عن هدفها.
المؤكد أن المصادر من قلب دوائر القرار ومطّلعة على معلومات شديدة الحساسية. ولو كان الهدف تقديم مساعدة مشبوهة لإيران، لكانت القضية اتخذت مساراً أمنياً مختلفاً. أما الصورة المتاحة فتشير إلى صراع داخل الإدارة: بين مؤيدين لاستمرار الحرب ومعارضين لتوسيعها، وبين مسؤولين يتبادلون الاتهام بشأن إدارة المخزون وإطلاع الرئيس، وبين مؤسسة عسكرية تريد حماية قدرتها على مواجهة أزمات أخرى وقيادة سياسية تريد إبقاء التهديد مفتوحاً.
وقد يخدم التسريب أكثر من غرض في آن: منع تصعيد غير قابل للاستدامة، وتحميل هيغسيث أو نائبه ستيفن فاينبرغ مسؤولية سوء التخطيط، والضغط على الكونغرس لتمويل إعادة بناء المخزونات، وكشف الفجوة بين الخطاب عن انتصار سريع وحرب دخلت شهرها السادس.
كما لا يعني النشر بالضرورة كشف ما كانت إيران تجهله. فطهران تستطيع تقدير معدل الاستهلاك من حجم الهجمات والاعتراضات، وربما تستفيد من صور فضائية ومن مساعدة روسية وصينية، وهي معلومات جرى تداولها من قبل الإعلام الأميركي على وجه الخصوص رغم نفيها من قبل الجهات المعنية. وقد قلّل ترامب نفسه من تقارير تزويد روسيا إيران بمعلومات استهداف، قائلاً إن موسكو تستطيع الرد بأن واشنطن تفعل الأمر نفسه ضدها في أوكرانيا. وفي مناسبة أخرى، حين سُئل عمّا أرسلته الصين إلى إيران، أجاب: "نحن نفعل الشيء نفسه مع دول أخرى".
لذلك قد تكون التسريبات أضرت بموقف ترامب أكثر مما أضافت إلى معرفة إيران العسكرية. لكن هذا لا يقلل خطورتها، بل يوسع السؤال: إذا كانت طهران تعرف أو تقدر حجم الاستنزاف، وإذا كانت موسكو وبكين تراقبان أداء الجيش الأميركي، فلمن كانت هذه المعلومات موجهة فعلاً؟ إلى إيران، أم إلى ترامب والكونغرس والرأي العام الأميركي؟
هذه هي الحلقة التي تقود إلى المسألة الأعمق: كيف وصلت ترسانة القوة الأولى عالمياً إلى وضع تصبح فيه حرب واحدة قادرة على تقييد خياراتها في الشرق الأوسط وتهديد استعدادها لجبهات أخرى؟