نزع سلاح القطاع؛ حتى "آخر رصاصة وآخر مُتطرف"..!
تكتفي الإدارة الأميركية بالترحيب ببدء المرحلة الثانية والوعد بنزع سلاح حماس، من دون الإفصاح صراحةً عن الآليات والحيثيات المرتبطة بهذه القضية، ومن المشكوك فيه أنها ترغب في الخوض في هذه التفصيلات في هذه المرحلة.
-
حكومة نتنياهو لا تنوي التخلّي بسهولة عن نصف أراضي القطاع.
أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر خلال مراسم تأسيس مجلس السلام في واشنطن، الأسبوع الماضي، الخطوط الإسرائيلية العريضة والتفصيلية من مطلب نزع سلاح حماس والقطاع، مشدّداً على أنه يجب على حماس أن "تَنزع سلاحها بما يشمل جميع أسلحتها، وبناها التحتية الإرهابية، وشبكة الأنفاق تحت الأرض، ومصانع إنتاج السلاح، جميعها يجب تفكيكها". مضيفاً، "يجب كذلك، كما تؤكّد الخطة، أن يكون هناك مسار جوهري لنزع التطرّف؛ أو ما سمّاه "البُنية التي تقوم بغسل أدمغة الأطفال الفلسطينيين على كراهية وقتل اليهود، في المؤسسات التعليمية والدينية".
تصريح ساعر أعلاه، في شقّه الأخير تحديداً، والذي بدأت "إسرائيل" ترديده مؤخّراً في سياق الحديث عن نزع سلاح القطاع، لا يمكن قراءته بمعزل عن المسعى الإسرائيلي الفجّ لخلق سردية تعجيزية ترتبط بنزع السلاح، يستحيل معها الانتقال إلى تنفيذ البنود المطلوبة من "إسرائيل" وفق خطة ترامب، لا الآن ولا بعد أشهر طويلة، خاصة قضية الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من جزء من الأراضي الفلسطينية التي تحتلها في القطاع.
بالنسبة للإسرائيليين فإنّ إضافة شرط "إصلاح المناهج الدراسية لأطفال غزة بهدف تعليم التسامح وإنهاء تعليم كراهية "إسرائيل"، لا يقلّ أهمية عن نزع سلاح حماس، ليس لأنه "يتعلّق بأجيال غزة القادمة" وفق الحجّة الإسرائيلية الواهية، بل لأنه يخدم سردية التملّص وخلق الذرائع لاستدامة الهروب إلى الأمام من التزامات "إسرائيل"، وفق خطة ترامب.
والأهمّ، أنه يتقاطع مع حجم التضخيم والتهويل الذي نُسج في الوعي الجمعي الإسرائيلي حول "تهديد سلاح القطاع"، بحيث يجب أن تكون الصورة التي ينتهي عندها "النزع" (شكلاً ومضموناً وإخراجاً) موازية في دلالتها وتأثيرها لحجم السردية التي بُنيت في المجتمع الإسرائيلي حول ضرورة نزع السلاح، كهدفٍ ثانٍ من أهداف الحرب التي يجب إنجازها (حتى آخر رصاصة) لتحقيق "النصر المطلق".
لذلك، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا مجال "للتذاكي"، فهناك "موقف واضح لا هوادة فيه؛ أولاً نزع السلاح، ومن ثم فقط تُطرح خطط إعادة تأهيل وإعمار غزة والنهوض بها بما يُحدِثُ تغييراً تاريخياً للأجيال القادمة".
عملياً، تُصرّ "إسرائيل" بأنها لن تنسحب من المناطق التي تحتلها ولن تسمح ببدء العمل الفعلي في قضايا الإعمار إلا بعد نزع السلاح بالكامل، وتبني موقفها هذا على التشكيك في إمكان أن تلتزم حماس بنزع سلاحها طوعاً، أو أنّ في مقدور القوة الدولية المزمع تشكيلها القيام بذلك.
ومع ذلك لا تمانع، أي "إسرائيل"، على أقلّه إلى الآن، منح الجهد الأميركي فرصة، ربما لن تمنح الإسرائيليين "كلّ السلاح وكلّ الأنفاق" لكنها، بالتأكيد، ستمنحهم في نهاية المطاف "الوقت والشرعيّة" اللذين تحتاجهما "إسرائيل" لاستمرار السيطرة على المساحة الأوسع من أرض القطاع وتعطيل الإعمار، وربما إطلاق جولات قتال جديدة بذريعة ملاحقة السلاح وتفكيك حماس.
لهذه الاعتبارات، يبدو أنّ "إسرائيل" تتبنّى خطاب "الإيجابية المشروطة"، أي تُقدّم نفسها كطرف ملتزم بخطة ترامب للحفاظ على شرعية موقفها وسلوكها، خاصة خروقاتها المتكرّرة، فيما تُلقي عبء إثبات "حُسن النية" على الفلسطينيين وتنقل الضغط السياسي الدولي إلى الجانب الفلسطيني.
هذا يعني كذلك، أنه يجب ربط كلّ خطوة في التقدّم من جانب "إسرائيل" بأداء مُثبت على أرض الواقع من قبل الفلسطينيين، مع التركيز على مطلب نزع السلاح وتوابعه، والأهمّ، مع الحفاظ على حرية العمل الأمني والعسكري الكاملة لـ "جيش" الاحتلال الإسرائيلي في كلّ المناطق التي تسيطر عليها حماس، على غرار نموذج حرية العمل في مناطق (ألف) في الضفة الغربية.
من وجهة نظر "إسرائيل"، المرحلة الثانية، بعد أن فُتِحَ معبر رفح وفق الشروط الإسرائيلية، تعني أولاً وقبل كلّ شيء، نزع سلاح حماس، لذا فهي لا تنوي حالياً الانسحاب من الخط الأصفر، الذي يمثّل أداة ضغط وابتزاز مهمة، فضلاً عن كونه، في حال عودة القتال، نقطة انطلاق أفضل لاستعادة الأراضي المتبقّية تحت سيطرة حماس.
هذه الفجوة الكبيرة بين التفسير الإسرائيلي للمرحلة الثانية من خطة ترامب وتوقّعات حماس الحالية، وبدرجة أقلّ الوسطاء العرب والمسلمين، تنذر بصراع طويل بين الروايات والمواقف، وقد تقود إلى جمود الوضع الراهن، بما يضمن استمرار سيطرة "إسرائيل" على أكثر من نصف أراضي القطاع لفترة طويلة.
وفي كلّ الأحول، هب أنّ "إسرائيل" رضيت، على مضض، بفرضيّة قبول حماس نزعاً تدريجياً لسلاحها، فإنها لن تتخلّى عن استخدام السيطرة على الأرض وإعادة الإعمار كأداة استراتيجية، وستستمر في ربط وتيرة الانسحاب وإعادة الإعمار من المناطق الخضراء بأداء الكيانات الحكومية البديلة (لجنة التكنوقراطية، والسلطات المحلية، والشرطة الفلسطينية)، كـ "نموذج تجريبي" قبل البدء في إعادة بناء البنية التحتية العامّة في القطاع.
ورغم أنّ هذا الخيار يركّز على إحداث تغيير إيجابي في المناطق منزوعة السلاح فقط، إلا أنه ينطوي على نقاط ضعف بالنسبة لـ "إسرائيل"، منها ما تسمّيه "خطر ترسيخ وتعزيز حماس وجودها في غرب قطاع غزة"، وهي المسألة التي تحذّر منها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من الآن.
فقد كشفت وثيقة تحذيرية سلّمها "الجيش" الإسرائيلي لرئيس الوزراء نتنياهو، أنه "فيما يجري البحث في نزع السلاح وإعمار القطاع، تتخذ حماس خطوات متزايدة لترسيخ سيطرتها داخل الخط الأصفر، وتدمج أنصارها في الوزارات الحكومية، ساعيةً للحفاظ على قبضتها على غزة من القاعدة إلى القمة". وطالما استمر الوضع الراهن، حيث لا يوجد تقدّم عملي في تطبيق الإطار السياسي من جهة، ولا عودة للعمليات العسكرية الإسرائيلية المكثّفة من جهة أخرى، فإنّ خشية "إسرائيل" هي "أن تستغلّ حماس الوضع لإعادة تأهيل قدراتها العسكرية واستعادة السيطرة على القطاع وسكانه".
على أية حال، الرسالة الأساسية التي تتبنّاها حكومة نتنياهو حالياً، هي أنه لن يكون هناك انسحاب أو إعادة إعمار في المناطق التي تسيطر عليها حماس والتي "لا تخلو من الأسلحة والبنية التحتية للإرهاب". لذلك يبقى خيار "العودة إلى القتال"، كخطة احتياطية في حال انهيار الخيارات السياسية مطروحاً، مع ضمان "آلية خروج" تستند إلى الشرعية الأميركية وفق خطة ترامب الأصلية.
لذلك يتعهّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في كلّ مرة يتحدّث فيها عن قطاع غزة، أنّ حماس "ستجد نفسها قريباً أمام خيارين: إما نزع سلاحها بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة".
في غضون ذلك، تكتفي الإدارة الأميركية بالترحيب ببدء المرحلة الثانية والوعد بنزع سلاح حماس، من دون الإفصاح صراحةً عن الآليات والحيثيات المرتبطة بهذه القضية، ومن المشكوك فيه أنها ترغب في الخوض في هذه التفصيلات في هذه المرحلة، بل من المرجّح أنها ستنتظر، بصبر، نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة.
ويبدو، كذلك، أنّ الإدارة الأميركية تدرك أنّ حكومة نتنياهو لا تنوي التخلّي بسهولة عن نصف أراضي القطاع، أو البدء في إعادة إعماره، على الأقلّ ليس في ظلّ الوضع الراهن، حيث يتجنّب نتنياهو القرارات الاستراتيجية الصعبة في سياق عام انتخابي تبدو فيه السياسة والمزاج العامّ الإسرائيلي في قبضة الأمن، لذا فمن المرجّح أنّ نزع سلاح حماس، ومعه كلّ قضايا القطاع، ستبقى عالقةً، رهن الشعار الإسرائيلي التعجيزي "حتى آخر رصاصة وآخر مُتطرّف"!