من كراكاس إلى نيويورك: اختطاف مادورو كمرآة لتحولات السياسة الخارجية الأميركية
لا يمثل اختطاف الرئيس مادورو مجرد حدث سياسي عابر، بل يعد رمزاً لفهم جديد للسياسة الخارجية الأميركية، إذ تصبح مصالح القوة والاقتصاد القومي المحرك الأساسي للسلوك الدولي الأميركي.
-
من كراكاس إلى نيويورك: اختطاف مادورو كمرآة لتحولات السياسة الخارجية الأميركية
في 3 كانون الثاني/يناير 2026، نفذت القوات الأميركية عملية خاصة في قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، حيث أُختطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونُقلا مباشرة إلى نيويورك ليُحاكما أمام القضاء الفيدرالي. العملية، التي شملت غارات جوية ووحدات خاصة من الجيش الأميركي، لم تكن مجرد حادثة عسكرية، بل لحظة رمزية كاشفة عن التحولات العميقة في السياسة الخارجية الأميركية: من إدارة النظام الدولي عبر المؤسسات والقواعد إلى فرض الإرادة بالقوة المباشرة.
هذا المشهد يفتح الباب أمام تحليل الاستراتيجية الأميركية الجديدة، التي تحولت من إدارة النظام الدولي تحت مظلة العولمة والليبرالية إلى استخدام القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي كأدوات مباشرة للهيمنة الاقتصادية والسياسية، إذ لم يعد فرض الديمقراطية أو احترام المؤسسات الدولية الوسيلة الأساسية، بل أصبحت القوة المباشرة والتهديد العسكري أدوات لضمان المصالح الأميركية على مستوى العالم.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، انطلقت الولايات المتحدة نحو السيطرة على المنظومة الدولية تحت شعار العولمة والليبرالية، معتبرة نفسها المرشد والمحدد للمعايير العالمية. ارتكزت هذه المرحلة على فرض قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والانفتاح الاقتصادي على مستوى العالم، مصحوبة بتدخلات عسكرية وسياسية واسعة من يوغسلافيا إلى العراق وغيرها، في محاولة لتصدير الديمقراطية وفرضها على أنظمة وشعوب لم تختَر هذا المسار.
كان الهدف الاستراتيجي واضحاً: فرض العولمة على الجميع كأداة لترسيخ الهيمنة الأميركية، مع بناء شبكة من المؤسسات والقواعد الدولية التي تضمن استمرار التفوق السياسي والاقتصادي الأميركي.
لكن هذا النموذج الليبرالي لم يعد يخدم الولايات المتحدة كما كان في السابق. التنافس الاقتصادي المتزايد مع الصين والاقتصاديات الناشئة جعل من العولمة الليبرالية عبئاً اقتصادياً وسياسياً، بدلاً من أن تكون أداة تعزيز الهيمنة.
في هذا السياق، جاء شعار "أميركا أولاً"، ثم "إعادة عظمة أميركا مجدداً"، كإعلان عن انقلاب استراتيجي كامل: من فرض العولمة وتصدير الديمقراطية إلى تحويل القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي إلى أدوات مباشرة لإعادة بناء القوة الاقتصادية الأميركية، على حساب الركائز التقليدية للعولمة الليبرالية التي كانت الولايات المتحدة نفسها من بنائها وترسيخها.
بهذا الانتقال، لم تعد السياسة الأميركية العالمية مقيدة بالقيم أو بالقوانين الدولية، بل أصبحت أداة لفرض الهيمنة الاقتصادية المباشرة، حيث القوة العسكرية والتقنية هي الوسيلة لإعادة توزيع النفوذ والمكاسب العالمية لمصلحة الولايات المتحدة.
رغم أن جذور التحول الأميركي سبقت بكثير إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلا أن مع سياساته الخارجية، لم يعد شعار "أميركا عظيمة مجدداً" مجرد بيان سياسي داخلي، بل تحوّل إلى استراتيجية عالمية متكاملة، تعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة القيادة الأميركية للنظام الدولي: من قيادة قائمة على الشرعية والقواعد الدولية، إلى قيادة تعتمد على القوة المباشرة، الردع، والتهديد كأدوات أولية لإدارة الأزمات السياسية. كما أوضحت ذلك بشكل جلي وثيقة الأمن القومي الأميركي 2025، وتصريحات ترامب حول رفضه للنظام القديم، عندما قال: "كنا أغبياء وعاجزين، والآن الوضع تغيّر… الصين ودول أخرى عاملتنا بطريقة سيئة لا يمكن تحملها".
عندما تُدار الإشكاليات السياسية بالقوة، تتحوّل السياسة الدولية من فضاء تفاوضي قائم على المصالح المشتركة والتوازنات الدقيقة، إلى فضاء يهيمن عليه منطق الردع والخوف. في هذا السياق، تتراجع الحلول الدبلوماسية إلى مرتبة ثانوية، بينما تصبح العمليات العسكرية والإجراءات القسرية أدوات أولى لإدارة النزاعات.
النتيجة: عالم أكثر عسكرة، أقل استقراراً، وأضعف قدرة على حل النزاعات سلمياً.
التحوّل الأميركي في إدارة السياسة بالقوة يخلق تحولات هيكلية في موازين القوى العالمية:
* سباق التسلح: الدول تتجه إلى رفع ميزانياتها العسكرية على حساب التنمية والرفاه، ما يضعف الاستثمار في البنية الاجتماعية ويزيد التوترات الأمنية.
* تحالفات خوف: التحالفات القائمة تصبح مؤقتة، مرنة، ومتغيرة وفق المخاطر المباشرة، وليست نابعة من القيم أو الالتزامات القانونية.
* الانزلاق نحو الصدام الحضاري الرمزي: هذا التحول يعيد إلى الأذهان فكرة صامويل هنتغتون حول صراع الحضارات، لكن بصيغة الأمن والقدرة العسكرية، حيث تُستخدم الهويات والسرديات الثقافية لاحقاً لتبرير النزاعات وتعميق الانقسامات.
في هذا السياق، لم تعد المشاريع الاقتصادية العالمية مجالاً للتعاون الدولي والانفتاح، بل تحولت إلى ساحة صراع واحتكار للدول القوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. القوة العسكرية تصبح أداة مباشرة لإقصاء من يخالف الخطة الأميركية وفرض شروط اقتصادية لمصلحة الشركات العملاقة، وخصوصاً في مجالات: الصناعات العسكرية، الطاقة، النقل، التكنولوجيا، والبنية التحتية الاستراتيجية..
وهكذا تتحول الولايات المتحدة إلى قوة استثمارية مسلحة، إذ تعود العظمة الاقتصادية والسياسية إلى ربط القوة العسكرية مباشرة بالمكاسب الاقتصادية، على حساب الدول الأخرى.
اللاعبون العالميون الرئيسيون سيستجيبون لهذا التحول وفق استراتيجيات متفاوتة:
الصين: تعتمد استراتيجية صبر طويل وبناء مؤسسات موازية، تحصن الاقتصاد والسياسة الداخلية، وتحد من تأثير القوة الأميركية، مستفيدة من الفراغ القانوني الدولي لفرض بدائل اقتصادية وسياسية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
روسيا: تسلك نهج مواجهة محسوبة، إذ تشرعن استخدام القوة لحماية مصالحها، وتستفيد من الفراغ القانوني الدولي لتوسيع نفوذها، مع خلق تحالفات مضادة، لكنها تحافظ على استقلالية قراراتها في التنسيق مع الصين عند الضرورة.
أوروبا: وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي، تجد نفسها في موقع إشكالي مرتبك. من جهة، هي شريك تاريخي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تواجه سياسة أميركية لا تقيم وزناً حقيقياً للتحالفات التقليدية، ولا لمفهوم القيادة المشتركة.
تراجع الالتزام الأميركي بحلف الناتو، والنزعة الحمائية الاقتصادية، والنزاع حول التعريفات الجمركية، وحتى الطموحات الجيوسياسية غير التقليدية، كلها مؤشرات على أن واشنطن باتت تتعامل مع أوروبا كشريك ثانوي، لا كركيزة في النظام الدولي. هذا الوضع يدفع أوروبا نحو إعادة التفكير في أمنها الاستراتيجي، لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية قدرتها على الاستقلال الحقيقي.
الدول المتوسطة والصغيرة: تضطر إلى الانخراط في منظومة القوة الأميركية أو البحث عن تحالفات بديلة، ما يزيد عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي، ويجعلها عرضة للإقصاء بالقوة إذا خرجت عن "الخطة الأميركية".
النهج الأميركي الجديد يخلق دورة مغلقة مترابطة:
أولاً، العسكرة والعسكرية تولد سباق تسلح محموماً.
ثانياً، سباق التسلح يرفع موازنات الدفاع على حساب التنمية.
ثالثا، التحالفات تصبح تحالفات خوف مؤقتة.
رابعا، القوة العسكرية تتحول إلى أداة احتكار اقتصادي.
خامساً، الاحتكار يعزز الهيمنة الأميركية، ويكسب الشركات العملاقة الأميركية.
سادساً، الأرباح الاقتصادية تعيد تمويل وتعزيز القوة العسكرية الأميركية.
بهذا الشكل، تسعى الولايات المتحدة الأميركية لإعادة عظمة أميركا مجدداً، ليس من خلال استراتيجية العولمة المغلفة بالشرعية الدولية أو المبادئ القيمية، بل من خلال قوة استثمارية مسلحة تهيمن على النظام الدولي ما بعد العولمة.
إن هذا التحول يعيد تشكيل النظام الدولي، ليس على قاعدة القانون أو الشرعية، بل على قوة القدرة العسكرية والاستثمار الاستراتيجي. وبذلك، تصبح الولايات المتحدة أكبر مستفيد، فيما يتحول العالم تدريجياً إلى فضاء تنافسي محموم، حيث القوة تحدد من يربح ومن يُقصى، ليس في السياسة وحدها، بل في الاقتصاد العالمي أيضاً.
لذلك، لا يمثل اختطاف الرئيس مادورو مجرد حدث سياسي عابر، بل يعد رمزاً لفهم جديد للسياسة الخارجية الأميركية، إذ تصبح مصالح القوة والاقتصاد القومي المحرك الأساسي للسلوك الدولي الأميركي، ويصبح زمن العولمة التقليدية بحكم المنتهي، ويدار العالم الجديد بمنطق القوة، والمصالح المباشرة، وفرض النفوذ الأميركي خارج الأطر التقليدية.