من حيس إلى باب المندب: التحول الاستراتيجي الكبير والسيناريوهات المقبلة
صنعاء نجحت في فرض رؤيتها الاستراتيجية من خلال إسقاط كل الرهانات الإقليمية والدولية، وإعادة الساحل الغربي كمنطقة سيادية يمنية خالصة تضمن أمن البلاد وتشرف على مفاتيح الملاحة الدولية.
-
لماذا عملية "والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً"؟
الشريط الساحلي المحرر امتداداً من مديرية حيس إلى باب المندب ليس مجرد مساحة جغرافية عادية، بقدر ما يمثل عمقاً حيوياً ومحوراً جيوسياسياً بالغ الأهمية في الحسابات المحلية والإقليمية والدولية عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً.
ولأهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، سعت قوى خارجية وفي مقدمها السعودية جاهدةً على مدى سنوات لتحويلها إلى "منطقة عازلة" أو "حزام أمني" وموطئ قدم لتأمين مصالحها من جهة والضغط على الداخل اليمني ومحاصرته من جهة أخرى.
غير أن صنعاء نجحت في فرض رؤيتها الاستراتيجية من خلال إسقاط كل الرهانات الإقليمية والدولية، وإعادة الساحل الغربي كمنطقة سيادية يمنية خالصة تضمن أمن البلاد وتشرف على مفاتيح الملاحة الدولية من دون تهديد لها كما تؤكد صنعاء بمستوياتها العسكرية والسياسية.
لماذا عملية "والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً"؟
من المعروف أن صنعاء قدمت كل مقاربات السلام مع النظام السعودي خلال أربع سنوات مضت من مرحلة "خفض التصعيد"، وقابلها النظام السعودي بالمماطلة والرفض وانقلب عليها مؤخراً وأطلق النار على تلك المرحلة بقصف مطار صنعاء الذي كان القشة التي قصمت ظهر "مرحلة خفض التصعيد".
التصعيد السعودي وانسداد الأفق السياسي دفعا صنعاء إلى إعادة صياغة أولويات المرحلة، مدعومة بالتفاف وتفويض شعبيين غير مسبوقين مثلتهما "جمعة النفير" ومنها تشكلت معادلات الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، وضرب التحشيدات السعودية بشكل استباقي دفاعي ودرءاً للتهديدات؛ ولأن التحشيدات في الساحل الغربي كانت المبادرة إلى ممارسة أعمال عدائية ضد المواطنين، وقصفت عدة مناطق بالمدفعية وصواريخ الكاتيوشا ومارست القرصنة على السفن، بهدف إفشال المعادلات اليمنية المعلنة ومحاولة يمننة المشكلة، فقد قابلتها القوات المسلحة اليمنية بـ "عملية والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً" التي أطلقتها ما بين الـ 3 من أيلول/ سبتمبر – الـ 10 من أيلول/سبتمبر .
هذه العملية العسكرية النوعية شاركت فيها كل تشكيلات القوات المسلحة والاستخبارات وأسندها الشعب والقبائل، واتسمت باستثنائيتها وسرعتها الخاطفة، إذ تمكنت في غضون أسبوع واحد فقط من إسقاط التحشيدات العسكرية التابعة للعدو السعودي التي قُدّرت بنحو 7 فرق عسكرية في 38 لواءً عسكرياً مدجّجاً بكل أنواع الأسلحة والتقنيات، وانتهت المواجهات بطرد كل ما حشدت السعودية من قياداتها وتحشيداتها التي بُنيت على مدى سنوات بعد تكبدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، شملت مئات القتلى والجرحى والأسرى.
الانهيار السريع وغير المتوقع لا يقتصر على تحشيدات الرياض، بل يمثل خطوة متقدمة على مسار التحرر والاستقلال، وبالتالي طياً لحقبة من السيطرة الأجنبية على ست مديريات ساحلية ممتدة بين محافظتي الحديدة وتعز، بمساحة تفوق 5400 كيلومتر مربع، وهي مساحة شاسعة تعادل دولة البحرين بست مرات.
المكاسب الداخلية لتحول الساحل الغربي
إن نتائج عملية "والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً" لا تتوقف عند مسألة إعادة رسم خرائط السيطرة الميدانية على امتداد الساحل الغربي وصولاً إلى بعد باب المندب، بل تعدتها إلى أبعاد إنسانية واجتماعية بالغة الأهمية والتأثير؛ حيث ترافق مع النصر العسكري الاستراتيجي والانتصار الإلهي انتصار إنساني تمثل بكسر أغلال الأسرى الذين قبعوا تحت سياط التعذيب جسدياً ونفسياً لسنوات داخل سجون الطرف الآخر بوجوهها المحلية وإدارتها الخارجية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن هذا التحول الاستراتيجي أنهى سنوات من التضييق والمعاناة والاختطافات والاغتيالات والاعتصامات التي عانى منها سكان الساحل، وفتح الشرايين البرية ونقاط الاتصال المقطوعة لسنوات، وفي مقدمتها الطريق الحيوي الواصل بين محافظتي تعز والحديدة، ما خفّف بشكل مباشر من مشقّات السفر ونقل البضائع عن كواهل المواطنين.
وأمام هذا التحول الجذري، برز تباين حاد في القراءات السياسية والإعلامية. ففي الوقت الذي تناغمت فيه سرديات ودعايات رباعي العدوان الرياض، وواشنطن، ولندن، وتل أبيب بهدف شيطنة صنعاء وتصوير ما أحرزت من تقدم على أنه "أزمة دولية"، و"خطر داهم يهدد أمن الطاقة العالمي والملاحة في البحر الأحمر"، قدّمت صنعاء في المقابل، وفي خطوة ذكية وحكيمة، خطاباً تطمينياً ومسؤولاً للمجتمع الدولي لإسقاط تلك البروباغاندا التي تُطبخ في مصانع الخوف لذلك الرباعي، وبما يقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية، وصنعاء في هذا السياق ومن مختلف المستويات القيادية السياسية والعسكرية تؤكد أن هذا النصر وهذا التحول يندرجان ضمن المعركة السيادية كحق، و لا يشكلان أي تهديد للملاحة الدولية بل هما دفاع مشروع عن السيادة، مع إبقاء استثناء واحد مباشر يرتبط بالملاحة التابعة للنظام السعودي رداً على حصاره المستمر منذ اثني عشر عاماً.
سيناريوهات ما بعد التحول الاستراتيجي
عند تقدير الموقف لما بعد هذا التحول الاستراتيجي، يتضح أن انكسار تحشيدات الرياض وإفشال خططها الهجومية المهددة للشعب والسيادة، بل وإسقاط خطوطها الدفاعة التقليدية وتفكيك 38 لواءً في سبعة أيام، نلحظ تفوقاً تكتيكياً واستخبارياً لافتاً لصنعاء، أفقد السعودية وتحشيداتها القدرة على المناورة والمبادرة والمواجهة والصمود رغم الغطاء الجوي الكثيف الذي وفرته طائرات العدو السعودي.
وفي الأهمية فإن هذا التحول الاستراتيجي والتأمين الشامل يمنحان صنعاء اليوم عمقاً دفاعياً صلباً وإشرافاً مباشراً على مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، ما يعني انتقال "عقدة التحكم" في الملفات الأمنية والاقتصادية الحساسة إلى يدها بالكامل.
ومن بين السيناريوهات المستقبلية لما بعد العملية يبرز التالي:
سيناريو الواقعية السياسية:
المعادلات الجديدة التي فرضتها صنعاء ستجبر الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها الجانب السعودي، على تسريع وتيرة المفاوضات والقبول بصنعاء كقوة لا يمكن تجاوزها، سعياً من الرياض لحماية أمنها التجاري وملاحتها، ما قد يفضي إلى رفع الحصار أو تخفيفه بشكل كبير، وهذا قد يكون الأرجح والأصلح للنظام السعودي بالدرجة الأولى للخروج من المأزق الاستراتيجي القائم.
سيناريو التصعيد المضاد عبر تحالفات بحرية جديدة:
أي مواجهة بحرية مفتوحة في مضيق باب المندب سترفع الكلفة بشكل أكبر على النظام السعودي والدول أو الكيانات المنخرطة معه، وهذا ما يفسر النأي الأميركي بالنفس خشية من تعاظم الكلفة التي تجعل هذا السيناريو شبه مستبعد، رغم زيارة كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية للسعودية ولقائه بـ "ولي العهد السعودي" محمد بن سلمان في جدة، ويُتوقع أن تقدم واشنطن دعماً استخبارياً ولوجستياً من دون تدخل مباشر، ما لم تُصب الرياض ومؤيديها بـ "حالة هستيريا جماعية" هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التحشيدات السعودية غير المتجانسة تفتقر إلى القدرة على إعادة بناء خطوط دفاعية جديدة بعد هذه الخسارة المدوية.
ضمن هذا السيناريو لا تخفي الأوساط الصهيونية قلقها من هذا التحول الكبير، وتبدي رغبتها في "توسيع تحالف أمني مع الرياض"، ومن المستبعد أن تدخل الرياض بشكل علني في هذا الحلف لأنها لن تسقط عسكرياً فقط، بل ستسقط أخلاقياً أكثر مما هي ساقطة، وستُسقط عن وجهها أقنعة "الدين" و"السنة" و"خدمة الحرمين" و"زعامة العالم الإسلامي" ولا يتصور أن تضحي بكل ذلك في سبيل معركة خاسرة بكل المقاييس.
في الختام، لا أحد يستطيع أن ينكر أن صنعاء اليوم باتت تمتلك أوراق قوة عسكرية وشعبية وأوراق ضغط استراتيجية غير مسبوقة تعزز موقفها الميداني من جهة، وتدعم موقفها التفاوضي في أي تسوية مقبلة من جهة أخرى، ولأننا لا نوفي هذا التحول الاستراتيجي الكبير حقه، سيبقى مادة دسمة لمراكز الأبحاث والمحللين لقراءة أسرار هذا الانتصار الإلهي لسنوات مقبلة، والآتي كما تشير المعطيات يحمل تحولات أكبر ستكون حتماً لصالح اليمن.