من الاتزان إلى الفوضى المُدارة (1 / 2).. قراءة في الدولة والسلطة ومعنى السياسة

لم يكن "الكتاب الأبيض" مجرد وثيقة تقنية للسياسة الخارجية المصرية، بل كان تعبيراً عن منطق سياسي أوسع يتشكّل اليوم في مصر، كما في غيرها من دول الإقليم.

  • ماذا يحدث حين تتحول السياسة إلى إدارة، والاستقرار إلى هدف تقني، والدولة إلى ملف؟
    ماذا يحدث حين تتحول السياسة إلى إدارة، والاستقرار إلى هدف تقني، والدولة إلى ملف؟

ليست هذه قراءةً لحدث، ولا تعليقاً على موقف، ولا محاولة لتقديم وصفة سياسية جاهزة، بل هي قراءة في مسارٍ طويل انتقلت فيه الدولة في عالمنا من كونها إطاراً للسياسة، إلى جهاز للأمن، ثم إلى إدارة للفوضى؛ وكيف تحوّل الاتزان من توازن مصالح إلى توازن خوف، ومن شرط استقرار إلى مقدّمة انفجار.

هي قراءة في تفريغ المعاني من داخل المفاهيم، وفي انزلاق السياسة إلى تقنية، والدولة إلى إدارة، والمجتمع إلى ملف.

وقد جاءت مناسبة هذه القراءة من لحظة سياسية بعينها: صدور ما عُرف بـ"الكتاب الأبيض" عن وزارة الخارجية المصرية، وما قدّمه من مفهوم "الاتزان الاستراتيجي" بوصفه الإطار الناظم للسياسة الخارجية المصرية في مرحلة تتشابك فيها أزمات الداخل بتوترات الإقليم، وتتداخل فيها حسابات الدولة الوطنية مع رهانات النظام الدولي.

ولأن مصر - بحكم موقعها وتاريخها وثقلها - تظل دولة مركز في الإقليم، فإن أي تحوّل في منطق تفكيرها الاستراتيجي لا يبقى شأناً مصرياً خالصاً، بل ينعكس بالضرورة على خرائط المنطقة، وعلى توازناتها، وعلى مسارات أزماتها المفتوحة من فلسطين إلى ليبيا، ومن السودان إلى القرن الإفريقي.

لم يكن "الكتاب الأبيض" مجرد وثيقة تقنية للسياسة الخارجية، بل كان تعبيراً عن منطق سياسي أوسع يتشكّل اليوم في مصر، كما في غيرها من دول الإقليم: منطق إدارة الأزمات بدل حلّها، وضبط الانهيارات بدل منعها، وتفادي الصدام بدل إعادة تعريف المشروع.

هذا المنطق لا يعني بالضرورة خطأه، لكنه يطرح سؤالاً أخطر: ماذا يحدث حين تتحول السياسة إلى إدارة، والاستقرار إلى هدف تقني، والدولة إلى ملف؟

نعيش اليوم في عالم عربي لا يفتقر إلى القوة، بل يفتقر إلى المعنى.

ولا يعاني من غياب السلطة، بل من انفصالها عن المجتمع.

ولا يواجه خطر الفوضى بقدر ما يعيش داخل أنماط جديدة من إدارتها.

من هنا ينطلق سؤال هذه القراءة: كيف نُدار… بدل أن نُحكم؟ وكيف تُستبدل السياسة بالتقنية، والشرعية بالإدارة، والمعنى بالتوازن؟

الدولة: كيان يُحمى أم علاقة تُبنى؟

في الخطاب الرسمي العربي، تُعرَّف الدولة غالباً باعتبارها كياناً مهدداً يجب الدفاع عنه: حدود، مؤسسات، أمن، نظام. ويُنظر إلى المجتمع بوصفه مجالاً للفوضى المحتملة: احتجاج، اختلاف، غضب، انقسام.

بهذا المعنى، تتحول الدولة من علاقة إلى جهاز، ومن معنى جامع إلى بنية ضبط.

جمال حمدان يقلب المعادلة: الدولة ليست جهازاً فوق المجتمع، بل هي تجسيد لجغرافيته وتاريخه ومصالحه المشتركة. الدولة القوية ليست التي تملك أدوات السيطرة، بل التي تنجح في تحويل وجودها إلى معنى مشترك بين مواطنيها. وحين تفشل الدولة في إنتاج هذا المعنى، تصبح قوية في الشكل، هشّة في الجوهر.

وهنا تبدأ حدود "الاتزان" حين ينفصل عن السياسة، ويصبح تقنية إدارة لا فعل اختيار.

الاتزان الاستراتيجي: عقلانية بلا بوصلة

"الاتزان الاستراتيجي" كما يُقدَّم رسمياً هو عقلانية بلا مقام أخلاقي واضح. هو إدارة علاقات لا تحديد مواقع، تجنّب خسائر لا اختيار اتجاه، حساب مصالح لا تعريف مشروع.

هنا تستحضر حنّة أرندت تمييزها الحاسم بين القوة والشرعية: القوة تُفرض، أما الشرعية فتُمنح. القوة قد تُخضع المجتمع، لكنها لا تُقنعه. والاقتناع هو الشرط الحقيقي للاستقرار.

وحين تُختزل الدولة إلى قدرتها على الردع، تفقد قدرتها على الإقناع، وتدخل في حلقة دائمة من الضبط بدل الثقة، ومن السيطرة بدل المشاركة.

من السياسة إلى الأمن: حين يُختصر المجتمع إلى خطر

التحول المركزي في الدولة العربية الحديثة هو انتقالها من كونها إطاراً لإدارة التناقضات الاجتماعية إلى جهاز لإدارتها أمنياً.

الاختلاف يُقرأ بوصفه تهديداً، لا طاقة سياسية.

الاحتجاج يُفهم كخلل، لا كرسالة.

النقد يُرى كفوضى، لا كتصحيح.

بهذا المعنى، لم تُلغَ السياسة فقط، بل أُعيد تعريفها: من فعل عام إلى مخاطرة يجب تقليصها.

هنا يظهر منطق "الاستقرار أولاً" لا بوصفه توصيفاً، بل أيديولوجيا: الاستقرار ضد السياسة، الأمن ضد المشاركة، النظام ضد المجتمع.

السلطة والخوف: لماذا لا تنتج القوة شرعية؟

في منطق ميشيل فوكو، الدولة الحديثة لا تكتفي بفرض القانون، بل تُنتج "إنساناً منضبطاً": مواطناً مراقباً، مُصنّفاً، قابلاً للتنبؤ، ومُنقّى من المفاجآت. في السياق العربي، صار المواطن يُقرأ عبر مؤشرات الخطر لا عبر حقوقه: مذهبه، منطقته، رأيه، لغته، تاريخه الرقمي، حضوره في الشارع. تحوّل الإنسان من فاعل سياسي إلى ملف أمني.

أما نيكوس بولانتزاس، فيذكّرنا بأن الدولة ليست حكماً محايداً، بل تكثيف لعلاقات القوة داخل المجتمع. وحين تختل هذه العلاقات لمصلحة جهاز أو نخبة، تتحول الدولة من إطار عام إلى أداة هيمنة. هنا لا تعود الدولة دولة، بل نظاماً. الدولة تُبنى؛ النظام يُفرض. الدولة تُقنع؛ النظام يُخضع.

غزة: حين تتحول المأساة إلى ملف

خذ غزة مثالاً، لا بوصفها مأساة إنسانية فقط، بل بوصفها نموذجاً مكثفاً لانهيار السياسة عالمياً.

في غزة لا تُدار جريمة… بل يُدار أثرها.

لا يُعالج الظلم… بل يُحتوى غضبه.

لا تُحل القضية… بل يُعاد تنظيم كلفتها.

يُقتل الناس، ثم تُدار تداعيات القتل.

يُدمَّر المجتمع، ثم تُدار نتائج التدمير.

تُرتكب الجريمة، ثم يُدار خطابها.

غزة ليست مكاناً يُقصف فحسب، بل نموذج يُدار: كيف يمكن للنظام الدولي أن يُحوّل الإبادة إلى ملف، والكارثة إلى رقم، والمجزرة إلى بيان، والحق إلى تفصيل تفاوضي!

هنا لا تغيب السياسة فقط… بل تُقتل، ثم يُدار غيابها.

القوة تُدير… لكن الشرعية تُثبّت.

الخوف أداة فعّالة في المدى القصير، لكنه كارثي في المدى الطويل.

الخوف يمنع الانفجار، لكنه لا يمنع التآكل.

الخوف يُسكت الصوت، لكنه لا يُغيّر القناعة.

الخوف يصنع طاعة، لا يصنع انتماء.

ولهذا، كل سلطة تعتمد على الخوف تُراكم داخلها شرط تفككها — ليس بالضرورة عبر انفجار في الشارع، بل عبر انفجار في المعنى: هجرة، انسحاب، تشظٍ، أو انتقال الولاء إلى هويات بديلة.

الشرعية لا تُنتزع، بل تُمنح.

ولا تُفرض، بل تُستحق.

ولا تُصنع في غرف القرار، بل في الفضاء العام.

حين تفهم السلطة ذلك، تتحول من جهاز ضبط إلى إطار ثقة، ومن قوة تُخيف إلى معنى يُطمئن.

حين تُستبدل الفكرة بالجهاز: من المعنى إلى الخرائط.

ليست أزمة الدولة في عالمنا في ضعفها، بل في غموض معناها، ولا في هشاشتها، بل في انفصالها عن المجتمع الذي يفترض أن تعبّر عنه.

الدولة التي لا تُبنى بوصفها علاقة، تتحول إلى جهاز؛ والجهاز الذي لا يستند إلى شرعية، يستند إلى القوة؛ والقوة حين تُترك بلا سياسة، تبدأ في إنتاج نقيضها: الفوضى.

هنا لا نكون أمام خطر انهيار الدولة، بل أمام خطر أخطر: أن تستمر الدولة بوصفها جهازاً بلا معنى، وسلطة بلا عقد، واستقراراً بلا عدالة.

في هذه اللحظة تحديداً، لا يصبح السؤال: كيف نحافظ على الدولة؟

بل: كيف نستعيد السياسة قبل أن تُبتلع نهائياً داخل منطق الإدارة، وكيف نستعيد المعنى قبل أن يُستبدل بالكامل بمنطق الضبط؟

لأن الدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد قدرتها على أن تكون فكرة يعيشها الناس، لا جهازاً يُدارون داخل.

في الحلقة التالية، سننتقل من لغة المفاهيم إلى لغة الخرائط والدم: كيف تتحول الأزمات المُدارة إلى جغرافيا مُفككة؟ وكيف تتحول الفوضى من استثناء إلى نمط حكم، ومن خطر إلى أداة يُعاد بها تشكيل الإقليم والنظام الدولي؟ وماذا يحدث للسياسة حين تُستبدل بالقوة، وللدولة حين تُستبدل بالإدارة، وللمجتمع حين يُستبدل بالضبط؟

يتبع..