من "لبنان الاستثناء" إلى ضمّ جنوب الليطاني: التصوّرات الإسرائيلية تجاه لبنان

السياسات الإسرائيلية في جنوب لبنان امتدادٌ لتصوّرات صهيونية قديمة، تقوم على استغلال الانقسامات الداخلية والسيطرة على الجنوب والليطاني.

0:00
  • من
    من "لبنان الاستثناء" إلى ضمّ جنوب الليطاني: التصوّرات الإسرائيلية تجاه لبنان

يقوم الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان بإبادة لكامل المعالم الحضارية في جنوب لبنان، عبر تهديم وتجريف البيوت والمنشآت وهدم القبور واقتلاع الشجر. وتتصاعد التصريحات الإسرائيلية التي تتحدّث عن عدم النيّة بالانسحاب وخطط إنشاء منطقة أمنية واسعة جنوب الليطاني، وإخلاء مناطق كاملة من سكانها، ومنع العودة إلى قرى حدودية لفترات غير محدّدة... ويثير ما يفعله الاحتلال سؤالاً تاريخياً يتجاوز الحدث العسكري المباشر: إلى أيّ مدى تمثّل السياسات الإسرائيلية الحالية امتداداً لتصوّرات قديمة تشكّلت داخل الحركة الصهيونية تجاه لبنان قبل قيام "إسرائيل"؟

لا تقتصر أهمية هذا السؤال على قراءة الحرب الراهنة، بل تتصل بمسار فكري وسياسي يعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين. فمنذ بدايات المشروع الصهيوني، لم يُنظر إلى لبنان باعتباره مجرّد دولة مجاورة لفلسطين، بل باعتباره حالة خاصة داخل المشرق العربي: فضاءً يمكن اختراقه سياسياً، ومجالاً محتملاً لبناء تحالفات مع قوى محلية، ومنطقة ارتبطت في الخيال الاستراتيجي الصهيوني بقضايا المياه والحدود والأقليات. وقد وثّقت هذه الرؤية مجموعة واسعة من الدراسات المعتمدة على الأرشيفات الصهيونية والإسرائيلية، أبرزها أعمال ليئورا أيزنبرغ ورؤوفين إرليخ وكيرستن شولتسه.

لبنان بوصفه "الاستثناء العربي"

تُظهر دراسة ليئورا أيزنبرغ "عدو عدوي: لبنان في مخيّلة الصهيونيين الأوّلين، 1890 ـ 1948" أنّ جزءاً مهماً من التفكير الصهيوني المبكر تعامل مع لبنان باعتباره استثناءً داخل البيئة العربية. فقد افترضت دوائر في الحركة الصهيونية أنّ التعدّدية الطائفية اللبنانية، والخصوصية المارونية، والخلافات حول العروبة والوحدة السورية، قد تفتح المجال أمام تفاهمات لا يمكن تحقيقها في بلدان عربية أخرى.

ومن هذا المنطلق، بُنيت شبكة اتصالات واسعة مع شخصيات سياسية ودينية لبنانية منذ عشرينيات القرن الماضي. وشملت هذه الاتصالات شخصيات سياسية وإعلامية واقتصادية من مجمل الطوائف اللبنانية، لكنّ الوثائق تذكر بشكل خاص علاقات وثيقة وتعاون مع الوكالة اليهودية من قبل البطريرك أنطوان عريضة، والرئيس إميل إدّه، والمطران إغناطيوس مبارك وغيرهم.

حلف الأقليات والرهان على الموارنة

ارتبطت تلك الاتصالات بفكرة أوسع عرفت لاحقاً باسم "حلف الأقليات". لم تكن الفكرة لبنانية حصراً، بل شكّلت أحد مرتكزات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي اللاحق في الشرق الأوسط والتي أطلق عليها يوسي ألفر اسم "عقيدة المحيط". من ضمن هذه العقيدة، كانت الأوساط الاستراتيجية الإسرائيلية ترى أنّ الأقليات الدينية أو الإثنية في المنطقة قد تجد مصلحة مشتركة في التعاون مع "إسرائيل" لمواجهة مشاريع القومية العربية أو الدول المركزية المحيطة بها.

في الحالة اللبنانية، تمحور هذا الرهان بصورة أساسية حول بعض الأوساط المارونية. وتشير الوثائق التي عرضها إرليخ وأيزنبرغ إلى وجود تيارات لبنانية اعتبرت أنّ قيام دولة يهودية في فلسطين قد يشكّل ضمانة إضافية لبقاء الكيان اللبناني ذي الغالبية المسيحية السياسية في ذلك الوقت. كما ظهرت خلال الأربعينيات نقاشات حول "تعاون سياسي طويل المدى" بين "الدولة اليهودية" المرتقبة وبعض النخب اللبنانية المناهضة للوحدة السورية والتيارات العروبية.

الليطاني وجنوب لبنان في المخيال الصهيوني

تشير الدراسات إلى أنّ الليطاني احتلّ مكانة خاصة في التفكير الصهيوني منذ ما قبل قيام "إسرائيل"، حيث اعتبر القادة الصهاينة أنّ الحدود الشمالية لفلسطين الانتدابية لا تعكس ما رأوه "حدوداً طبيعية" لـ "الدولة اليهودية"، وأنّ الليطاني يشكّل أهمية استراتيجية تتعلّق بالمياه والأمن والجغرافيا.

ولم تقتصر النقاشات على التحالف السياسي بين بعض النخب المارونية والحركة الصهيونية، بل شملت أيضاً أفكاراً لإعادة رسم الواقع الديموغرافي في الجنوب: توطين موارنة في مناطق شيعية حدودية، شراء أراضٍ واسعة في جبل عامل، خلق تواصل جغرافي مباشر بين المناطق المسيحية وفلسطين اليهودية، وتقليص الكثافة السكانية الشيعية في المنطقة الواقعة بين الحدود الفلسطينية وجبل لبنان.

وتبرز في هذا السياق، مذكّرات دافيد بن غوريون التي كتب فيها في أيار/مايو 1948 أنّ لبنان يمثّل "نقطة الضعف" في التحالف العربي، وأنه يمكن قيام دولة مسيحية يكون الليطاني حدّها الجنوبي تقوم بعقد معاهدة سلام مع "إسرائيل".

في الخلاصة، تكشف الأدبيات الصهيونية المبكرة والوثائق الإسرائيلية اللاحقة قدراً مهماً من الاستمرارية في النظرة الإسرائيلية إلى لبنان: ساحة قابلة للاختراق السياسي، والرهان على قوى داخلية حليفة، والأهمية الاستثنائية لجنوب لبنان والليطاني، والسعي إلى خلق واقع أمني وجغرافي جديد في المنطقة الحدودية. لكنّ تاريخ التدخّل الإسرائيلي في لبنان أظهر مراراً حدود القدرة على تحويل هذه التصوّرات إلى واقع سياسي مستقر، أو الحفاظ على ترتيبات طويلة الأمد تخدم هذه الرهانات.

وبالرغم من ذلك، فإنّ عدداً من المشاريع المطروحة اليوم، سواء تعلّق الأمر بالتطبيع اللبناني-الإسرائيلي، أو بإقامة منطقة أمنية جنوب الليطاني، أو بإفراغ أجزاء واسعة من الجنوب من سكانها، لا يبدو منفصلاً عن تاريخ طويل من التصوّرات والاستراتيجيات التي رافقت المشروع الصهيوني منذ ما قبل قيام "إسرائيل". غير أنّ الواقع اللبناني المعقّد، والتوازنات الداخلية، وتراجع قوة المارونية السياسية عمّا كانت عليه حين طُرحت تلك المشاريع، يجعل إعادة إنتاج هذه التصوّرات اليوم أكثر تعقيداً مما قد توحي به بعض الرهانات الإسرائيلية.