مفاجأة للأميركيين: الكوبيون يتأقلمون مع الظروف القاهرة.. ولن يستسلموا لترامب
كوبا تواجه حصاراً أميركياً مشدداً، ولا سيما في قطاع النفط، لكنها تواصل التكيف مع الأزمة عبر ترشيد الموارد، وتوسيع استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز الاعتماد على الذات والتضامن الاجتماعي.
-
مفاجأة للأميركيين: الكوبيون يتأقلمون مع الظروف القاهرة.. ولن يستسلموا لترامب
في تقرير تم إعداده لصحيفة "نيويورك تايمز"، تفاجأ الصحافيون الأميركيون الثلاثة بأن كوبا لا تتجه إلى الانهيار، وشعبها ليس في طور التمرد على حكومته نتيجة الحصار النفطي الشامل الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الجزيرة، والذي أتى عقب اختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وفرضه وصايته على الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مانعاً إياها من تصدير النفط إلى كوبا، وفقاً للاتفاقات الموقعة بين البلدين.
وكان ترامب يتوقع أن يؤدي حصاره المطبق على كوبا إلى انهيار الحكومة وخضوع الكوبيين للوصاية الأميركية على غرار ما فعله الفنزويليون، إلا أن هافانا اختارت تحدي العقوبات الأميركية والتكيف مع الحصار الجائر عبر اللجوء إلى وسائل مبتكرة للتعويض عن غياب مصادر الطاقة النفطية.
ترامب والضغوط المستجدة والاستجابة الكوبية
منذ إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية وعودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، شددت الولايات المتحدة حصارها الجائر على كوبا، المفروض عليها منذ عام 1962. وكان الجديد في هذا الأمر فرض حصار نفطي شامل على كوبا قضى بمنع فنزويلا من تصدير النفط إلى الجزيرة، علماً أن كوبا كانت تعتمد على كاراكاس منذ عام 1999 في سد نصف حاجاتها النفطية. لكن، بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، توقفت شحنات النفط الفنزويلية بإيعاز أميركي، بل إن الأمر وصل بواشنطن إلى محاولة التعرض للسفن الروسية التي كانت تحاول نقل النفط إلى الجزيرة. والجدير بالذكر أن العقوبات الحالية لا تقتصر على قطاع النفط، بل تشمل أيضاً شركات النقل العالمية وشركات التأمين والمؤسسات المالية التي تسهل عمليات شراء الوقود، ما يرفع أيضاً تكاليف الاستيراد، ليس فقط للنفط بل أيضاً للبضائع الاستهلاكية الأخرى. وقد أدى ذلك إلى نقص حاد في الوقود في عموم البلاد، تسبب في تكرار انقطاع الكهرباء في الجزيرة نتيجة عدم توفر الفيول اللازم لتشغيل محطات الكهرباء المتقادمة والمتهالكة.
لكن الشعب الكوبي، الذي اعتاد مواجهة الحصار الأميركي، والذي مر بعدة فترات من الضغوط الأميركية الهائلة، ليس أقلها مرحلة "الفترة الخاصة" خلال تسعينيات القرن الماضي، حين وصلت الجزيرة إلى حافة المجاعة نتيجة انهيار كتلة الدول الاشتراكية التي كانت داخلة في عملية تكامل اقتصادي في ما بينها، جعلت كوبا جزءاً من المنظومة الاشتراكية لتؤمن حاجة الدول الاشتراكية من السكر، في مقابل تأمين مجمل حاجاتها الأخرى من هذه الدول. إلا أن انهيار الاتحاد السوفياتي وتعزيز الحصار الأميركي على كوبا دفعا القيادة والشعب الكوبيين إلى ابتكار وسائل لتجاوز الأزمة الاقتصادية الحادة آنذاك، ما شكل معجزة بكل المعايير.
بناءً على هذه التجربة، وعلى المواجهة التي خاضها الكوبيون على مدار العقود السبعة الماضية، تحولت عملية ابتكار وسائل الصمود إلى ثقافة لدى هذا الشعب. وقد أنتجت التجارب وسائل مقاومة لا تقتصر فقط على مؤسسات الدولة، بل امتدت لتشمل مختلف بنى المجتمع الكوبي، الذي طور منظومة تضامن اجتماعية متكاملة تقوم على التضامن الشعبي، وإعادة توزيع الموارد، والتكيف مع الظروف الاستثنائية. وقد تكونت لدى الشعب الكوبي ثقافة تقوم على الاقتصاد في استهلاك الطاقة، والاعتماد على الموارد المحلية، والبحث عن حلول مبتكرة لتجاوز الأزمات الناتجة عن الحصار الأميركي.
طريقة مواجهة الأزمة الراهنة
بناءً على ما تقدم، ورداً على الحصار الأميركي الشديد، أعادت الحكومة سيطرتها المطلقة على قطاع الوقود لتنظيمه وفقاً لأولويات محددة تعطي الأولوية للمستشفيات وشبكات المياه والمخابز والجامعات والمدارس، في وقت جرى تقنين استهلاك الكهرباء في القطاعات الأخرى. وفي الوقت نفسه، سعى الكوبيون إلى تطوير حقول إنتاج الطاقة الشمسية بالاستعانة بمواد مستوردة من الصين، إذ تفيد التقارير بأن 24 في المئة من الطاقة في كوبا باتت تُولد عبر هذه الحقول. وبالتوازي مع ذلك، بدأ الكوبيون بالاستغناء عن السيارات والدراجات التي تعمل بالبنزين، والاستعاضة عنها بدراجات ووسائل نقل تعمل بالكهرباء، مستوردة أيضاً من الصين.
وبالتوازي مع ذلك، تقوم كوبا بتطوير وترشيد استخدام الحقول النفطية القليلة التي تمتلكها بغية تخفيف اعتمادها على الاستيراد، كما تحاول فك الحصار عبر شراكات تمكنت من إقامتها مع روسيا والصين، عدا عن علاقاتها التاريخية بالجزائر وعدد آخر من الدول الأميركية اللاتينية والآسيوية. والجدير بالذكر أن روسيا توفر بعض الحاجات النفطية لكوبا، إضافة إلى المساعدات التقنية التي تقدمها، فيما تقوم الصين بتزويد الجزيرة بوسائل توليد الطاقة الكهربائية عبر الطاقة المتجددة، الشمسية وطاقة الرياح.
والجدير بالذكر أن إدارة الدولة للاقتصاد وتأمينها الاستشفاء والتعليم المجانيين، عدا عن سيطرتها على السوق، يسهم بدرجة كبيرة في امتصاص آثار الحصار الأميركي المفروض على هافانا، علماً أن النظام الاشتراكي في كوبا تمكن من إقامة بنية تنظيمية شعبية متماسكة تسهم في دعم الفئات الأكثر تضرراً من الحصار، وإعادة توزيع الموارد بطريقة أكثر عدالة.
عوامل إضافية تسهم في الصمود
إضافة إلى العوامل آنفة الذكر التي تسهم في صمود كوبا، توجد عوامل أخرى تتمثل بالهجرة الواسعة من البلاد، خصوصاً بعد أزمة كورونا في عام 2020، والتي أدت إلى زيادة الأموال التي يحوّلها الكوبيون المهاجرون إلى أهلهم في الجزيرة. وإن كانت هناك عوامل سلبية لهذه الهجرة، تتمثل بأن معظم المهاجرين هم من فئة الشباب، إلا أن ذلك يسهم في حل أزمة أخرى عبر إيجاد هؤلاء الشباب فرص عمل خارج البلاد.
بناءً على ذلك، فإن الأزمة النفطية الحالية في كوبا تشكل تحدياً حقيقياً، إلا أنه يبدو أن الكوبيين، وبشهادة الأميركيين، يتكيفون مع الظروف، ما يجعل رهان دونالد ترامب على انهيار الجزيرة رهاناً خائباً. فكوبا تواجه هذا الحصار برصيد تاريخي كبير من الصمود والتكيف، تستند فيه إلى الاعتماد على الذات وعلى التضامن الاجتماعي وترشيد استخدام الموارد. وهذا يجعل الشعب الكوبي يمتلك قدرات استثنائية على التكيف مع الظروف الاستثنائية والصمود في مواجهة الأزمات وفي مواجهة الحصار الأميركي، وهو ما أثبتته التجارب على مدى العقود الستة الماضية.