مصر وأفريقيا.. هل يعيد الدفاع عن النيل صياغة الدور؟

يفتح الدفاع عن النيل فرصة لإعادة صياغة الدور المصري، متى تحول التحرك الذي استدعاه الخطر إلى سياسة تبقى بعد انحساره.

0:00
  • الرباعية وحدود التقارب الذي يفرضه الخطر.
    الرباعية وحدود التقارب الذي يفرضه الخطر.

تُدفع كلفة تراجع الدور المصري في أفريقيا من رصيد الأمن القومي ذاته: من القدرة على حماية المصالح المائية، والتأثير في توازنات الجوار، والدفاع عن استقلال القرار. فالجغرافيا التي تربط مصر بمنابع النيل والبحر الأحمر لم تتغيّر؛ الذي تغيّر هو وزنها في حسابات السياسة. وكلما ضعفت مساهمة القاهرة في تشكيل محيطها، اتسعت قدرة الآخرين على فرض وقائع تصبح مصر مطالبة بالتكيّف معها. هكذا يتحوّل انحسار الدور إلى قيد على القرار.

من هنا تستمد لقاءات العلمين مطلع تشرين الأول/أكتوبر أهميتها. فقد احتضنت المدينة منتدى الأعمال الأفريقي والاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي، إلى جانب عدة لقاءات، أبرزها القمة الرباعية لمصر والسودان وإريتريا والصومال. ومع تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعدها، التمسّك بحماية الحقوق المائية، يتقدّم السؤال: هل تتكامل هذه المسارات في مشروع يعيد بناء مكانة مصر، ويمنح شركاءها مصلحة في استمراره؟ فالحضور يكتسب وزنه حين يتحوّل إلى قدرة على التأثير.

من مشروع التحرّر إلى اختلال الأولويات

قامت قوة عبد الناصر الأفريقية على إدراك الصلة بين استقلال مصر واستقلال محيطها. كان دعم حركات التحرّر يوسّع قاعدة الدول القادرة على مقاومة الهيمنة، ويمنح القاهرة شركاء في الدفاع عن استقلال القرار. وفي هذا التلاقي بين المبدأ والمصلحة تكوّن رصيد مصر السياسي، وجاء تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، بمشاركة مصر وقادة القارة، ليمنح التضامن إطاراً مؤسسياً. لقد اكتسب الدور المصري قوته من مشروع وجدت فيه شعوب أخرى تعبيراً عن تطلعاتها. 

بدأ الخلل، في تقديري، حين أخذت القاهرة تفصل مكانتها عن المشروع الذي منحها معناها. ومع التحوّل نحو واشنطن والتسوية مع الكيان الصهيوني، ازداد التعويل على العلاقة بالقوة الدولية الكبرى، وتراجع وزن بناء قوة إقليمية مشتركة. غير أنّ الاقتراب من مركز القوة العالمي لا يعوّض ضعف الروابط بالجوار؛ فواشنطن ترتّب أولوياتها وفق مصالحها، بينما تظل مصر مسؤولة عن حماية مصالحها حيث تقع منابع مياهها وطرق تجارتها.

ويكشف مصير محمد فايق، أحد أبرز مهندسي العلاقات الأفريقية، جانباً من هذا التحوّل. فقد مثّل اعتقاله عام 1971 وإبعاده عن العمل خسارة لخبرة وشبكة علاقات تراكمتا في مرحلة التحرّر. واستمرار بطرس غالي لاحقاً في الخارجية يوضح أنّ المشكلة تجاوزت وجود الكفاءات إلى موقع الرؤية الأفريقية في القرار. ثم تراجع الحضور الرئاسي في القمم الأفريقية بعد محاولة اغتيال مبارك عام 1995، فكشف ضعف قدرة المؤسسات على ضمان الاستمرار حين تتبدل أولويات الحاكم.

ولم يمنح الرصيد التاريخي مصر حصانة داخل المؤسسات الأفريقية. فقد عُلّقت مشاركتها في أنشطة الاتحاد الأفريقي عام 2013، استناداً إلى قواعده بشأن التغيير غير الدستوري للحكم، ثم رُفع التعليق عام 2014، وتولت رئاسته عام 2019. فالذاكرة التأسيسية والمنصب الدوري لا يكفيان لإثبات نفوذ مستقر؛ يتجدد وزن الدولة بقدرتها على بناء توافقات في قارة تتحرك وفق قواعدها ومصالح دولها. 

كيف يتحوّل التعاون إلى نفوذ

لقد تغيّرت أفريقيا نفسها. فدولها تبحث عن تمويل التنمية وتنويع الشراكات وتوسيع قدرتها على الاختيار. ومن الخطأ مطالبتها بولاء دائم لرصيد تاريخي، مهما عظم. يحتاج تضامن الأمس إلى مصالح تجد فيها الأجيال الجديدة سبباً لاستمراره؛ وإلا اتسعت المسافة بين ذاكرة الدعم القديم وحاجات الحاضر، وأصبح توسيع نفوذ شركاء جدد أيسر.

هنا تتضح خطورة الحضور الصهيوني، الذي يجد في الزراعة والمياه والتكنولوجيا والأمن مداخل إلى مؤسسات مؤثرة في القرار. وقد أعلن نتنياهو، عقب جولته الأفريقية عام 2016، أنّ توسيع العلاقات يستهدف تغيير الأغلبية المصوّتة ضد "إسرائيل" في المحافل الدولية. وهو هدف يبيّن كيف يمكن تحويل التعاون القطاعي إلى مكاسب سياسية تمسّ القضية الفلسطينية والمصالح العربية. 

ويعمل هذا النفوذ بالتراكم: تحصل مؤسسة على تقنية أو تدريب، وتنشأ مصالح تدافع عن استمرار العلاقة، ثم تدخل كلفة خسارتها في حسابات السياسة الخارجية. وقد يبقى التضامن مع فلسطين حاضراً في الخطاب، فيما تضيق ترجمته العملية. ومع ذلك، تؤكّد المواقف الأفريقية المؤيدة للحقوق الفلسطينية، ومنها إدانة مفوضية الاتحاد للضم والاستيطان والتهجير في حزيران/يونيو 2026، أنّ اتجاهات القارة لم تُحسم. وتزداد هذه المواقف صلابة حين تسندها علاقات بين الأحزاب والنقابات والجامعات.

إثيوبيا ومعادلة القوة حول النيل

في إثيوبيا تتضاعف حساسية هذه العلاقات بحكم موقع منابع النيل. فقد شملت تفاهمات آبي أحمد ونتنياهو عام 2019 المياه والري والزراعة، وبحث التعاون في الأمن السيبراني. وأكدت زيارة إسحاق هرتسوغ في شباط/فبراير 2026 استمرار علاقة تصفها البيانات "الإسرائيلية" بأنها استراتيجية، وتشمل الأمن. وتمسّ هذه المجالات قدرة الدولة على تنفيذ خياراتها وحمايتها؛ ومن ثم فإنّ آثارها المحتملة تتجاوز حدود التبادل التجاري.

يمكن، لذلك، تقدير أنّ هذه الشراكات تمنح القيادة الإثيوبية مصادر إضافية للقدرة والثقة، قد تسهم في رفع سقف تشدّدها. لكنّ الوقائع المعلنة لا تثبت أنّ دعماً إسرائيلياً محدداً حسم قراراً إثيوبياً بعينه بشأن النيل. والأثر المحتمل هو خفض الكلفة المتوقّعة للتعنّت، إلى جانب الدوافع الداخلية والتحالفات الأخرى؛ فامتلاك بدائل للدعم قد يقلل الشعور بالحاجة إلى تسوية تراعي مخاوف الجيران.

ويتصل جوهر المأزق بمن يملك وضع قواعد إدارة النهر. فحين تتسع سلطة طرف في تقرير الملء والتشغيل خارج اتفاق ملزم، يزداد قلق دول المصبّ من تحوّل اعتمادها على المياه إلى مصدر ضغط سياسي. ويصبح الاتفاق ضرورة لحماية المصالح المائية وحرية القرار معاً. لذلك تحتاج مصر إلى شركاء يرون منفعة مباشرة في قواعد تصون أمن المصب وتتيح تنمية المنبع، فتجعل التعاون أكثر جدوى من فرض الأمر الواقع.

الرباعية وحدود التقارب الذي يفرضه الخطر

تكتسب القمة الرباعية في العلمين معناها من جمع قضايا النيل والبحر الأحمر ووحدة السودان والصومال في إطار سياسي واحد. فقد أكد إعلانها رفض الإجراءات الأحادية الضارة بدولتي المصب، ودعم وحدة الدول ومؤسساتها، ومسؤولية الدول المشاطئة عن حوكمة البحر الأحمر. ويمكن قراءة ذلك بوصفه محاولة لبناء موقف إقليمي يرفع الكلفة السياسية لتجاوز مصالح هذه الدول، انطلاقاً من ترابط مصادر الخطر.

وتأتي كلمة السيسي في 5 أكتوبر 2026، بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر، لتؤكد التمسك بالحقوق المائية والدفاع عنها «بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي»، مع الدعوة إلى التعاون والتنمية المشتركة مع دول الحوض. وفي الخطاب نفسه، أكد استعداد القوات المسلحة لحماية الأمن القومي. ويمكن قراءة اقتران هذه المعاني بوصفه رسالة ردع، مع بقاء التأكيد العسكري عاماً، ومن دون إعلان إجراء محدّد. 

وتتوقّف فاعلية الرسالة على ما تغيّره في حسابات الأطراف المعنية. فإعلان الإرادة يحتاج إلى خيارات عملية تسنده، وتكتسب الدبلوماسية وزناً أكبر حين تتكئ على شركاء ومصالح متبادلة. بهذا المعنى، تتكامل القدرة على الحماية مع بناء الدور: رفع كلفة الإضرار بمصر، وتوسيع مكاسب التعاون معها. ويصبح الحضور الأفريقي نفسه أحد مصادر الردع حين تتضرر مصالح شركاء آخرين من زعزعة الأمن المصري.

غير أنّ تقارب المخاوف لا يضمن استمرار التنسيق. لكل طرف أولوياته وأزماته، وقد تتغيّر علاقته بأديس أبابا أو بالقوى الخارجية. وإذا ظل التقارب معلّقاً على خصومة مشتركة، أمكن لتسوية منفردة أن تضعفه. ولهذا تحتاج القاهرة إلى مصالح بين الشركاء تجعل التعاون مفيداً حتى إذا انخفض التوتر مع إثيوبيا، وإلى متابعة تحوّل التعهّدات إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

كما أنّ اختزال التحرّك في تطويق إثيوبيا قد يمنح آبي أحمد فرصة لتصوير الخلاف باعتباره استهدافاً لبلاده وحقها في التنمية. وتتطلّب فاعلية الضغط المصري وضوح غايته: تغيير السلوك الأحادي والوصول إلى قواعد ملزمة للتعاون، مع إبقاء التسوية ممكنة. فالضغط الذي يفتح طريقاً لاتفاق يحسّن شروط التفاوض، بينما قد يدفع انسداد الأفق إلى مزيد من التشدّد والاعتماد على الداعمين الخارجيين.

وتزيد المصالح العربية المتشابكة في القرن الأفريقي المشهد تعقيداً. فقد تتقاطع استثمارات أو أشكال دعم أمني مع مصالح صهيونية، من دون تطابق كامل بين أصحابها. ويتيح إدراك هذا التفاوت فرصاً للتأثير، شريطة أن تقيس القاهرة علاقاتها بما تفعله سياسات شركائها في أمن مصر والسودان. فمتانة العلاقة العربية تُختبر أيضاً بقدرتها على منع الإضرار بالمصالح الحيوية، وباستعداد أطرافها لمعالجة التعارض حين يقع.

عودة تقاس بما يبقى

تمنحنا رؤية جمال حمدان لتداخل أبعاد مصر الأفريقية والآسيوية والنيلية والمتوسطية أساساً لفهم معنى العودة. فإهمال دائرة يضعف القدرة على الحركة في الدوائر الأخرى، ويصعّب توسيع هامش القرار في المشرق مع استمرار القلق على المياه والجوار الجنوبي. بهذا المعنى، يدخل الاستثمار في أفريقيا في صميم بناء القوة المصرية الشاملة، ويستحق موقعاً ثابتاً في ترتيب الموارد والأولويات. 

ويبدأ ذلك بمصالح يومية يلمسها الشركاء: تعليم وصحة وتجارة ونقل وتعاون مائي، وحضور دبلوماسي وثقافي مستمر. ويتطلب تحويل هذه الأنشطة إلى نفوذ ربطها باحتياجات كل دولة ومتابعة نتائجها. فالربح الذي تحققه شركة مصرية لا يتحول تلقائياً إلى ثقة سياسية بمصر؛ تتكوّن الثقة حين يلمس المجتمع فرص عمل ومعرفة وخدمات، ويجد في استمرار الشراكة حماية لمصلحة تخصه.

وتحتاج هذه السياسة إلى موازنات مستقرة، ومسؤولية واضحة عن التنفيذ، وخبرات تفهم المجتمعات الأفريقية وتخاطبها باحترام. ويقتضي نجاحها تقوية القدرة المصرية على الإنتاج والتعليم وتقديم الخدمة؛ فالدور الخارجي يستمد قابليته للاستمرار من إمكانات الداخل. وتوزيع الحضور بين المؤسسات والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين يجعله أكثر قدرة على تجاوز تبدّل الأشخاص والظروف.

يفتح الدفاع عن النيل فرصة لإعادة صياغة الدور المصري، متى تحوّل التحرّك الذي استدعاه الخطر إلى سياسة تبقى بعد انحساره. وهذا هو امتحان لقاءات العلمين ورسالة الحماية التي حملتها تصريحات السيسي: بناء مصالح تجعل أمن مصر واستقرار جوارها مسؤولية مشتركة. والوفاء لتجربة عبد الناصر يقتضي استعادة الصلة بين قوة مصر وحرية محيطها. فعندما يصبح التعاون مع القاهرة مصلحة يدافع عنها شركاؤها، تكتسب حماية النيل سنداً أفريقياً، وتتسع قدرة مصر على صوغ شروط أمنها واستقلال قرارها.