مشروع المستوطنين في الضفة الغربية: احتكاكٌ يقود إلى الحسم
أحداث بلدة تل وما أعقبها من تصعيد عسكري وتوسّع استيطاني تكشف أن عنف المستوطنين ليس فعلاً فردياً، بل أداة رسمية ضمن مشروع إحلالي يسعى إلى ضم الضفة وتهجير الفلسطينيين، في مقابل تمسكهم بأرضهم ورفضهم الانصياع.
-
مشروع المستوطنين في الضفة الغربية: احتكاكٌ يقود إلى الحسم
لم تكن أحداث بلدة تل الفلسطينية، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وليدة مصادفة أو حدثاً عابراً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من "الفعل المؤدلج المقصود"، الذي تتبناه جماعات المشروع الاستيطاني وممثلوها في الحكومة الإسرائيلية الحالية.
من حيث المبدأ، لم يأتِ المشروع الصهيوني، الذي رفع شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، إلى فلسطين التاريخية ليتعايش مع الفلسطيني أو يشاركه الأرض، بل ليطرده ويحل محله.
ولم تكن مشكلة هذا "المشروع" أنه اكتشف فجأة، خلافاً لشعاره المزعوم، أن لهذه الأرض أهلاً تعج بهم وتعمر، فقد كان يعلم أنهم موجودون أصلاً، لكنه تعمد التعامي عن وجودهم، لأن الاعتراف بوجودهم، ببساطة، يلغي حجة إقامته وشرعية وجوده.
"أرض أكثر وعرب أقل"
لأن شعار "أرض أكثر وعرب أقل" يرفع رأسه اليوم عالياً، بسبب الظروف المواتية والفرصة الذهبية التي تلوح أمامه، يفتح اليمين الصهيوني شهيته على مزيد من الضغط، الذي يعتقد أنه سيقود الفلسطينيين إلى الانكسار.
ويأتي ذلك في معاندة إسرائيلية لمنطق التاريخ ودروسه، بما فيها درسه الأخير في بلدة تل، وتحذيرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي تقول، ليل نهار، إن ضغط المستوطنين المتطرفين وانفلاتهم من دون عقال، واحتكاكهم اليومي بالفلسطينيين واستفزازهم، سيفضي في نهاية المطاف إلى الانفجار.
ولأن "إسرائيل" هي "إسرائيل" التي يعميها غرور القوة والغطرسة، فإنها تضع رأسها في الرمال. ولأن قادتها من الطينة نفسها التي لا تتبدل، حتى إن لبس بعضهم ثوب "الحمل الوديع"، فإن ردود الفعل الإسرائيلية بعد أحداث تل كشفت مجدداً اتساع الإجماع على استخدام القوة ضد الفلسطينيين.
لكن الموقف المنسوب إلى زعيم حزب "الديمقراطيين" يائير غولان لا يتوافق مع تصريحاته المعلنة؛ إذ حمّل المستوطنين المتطرفين والحكومة مسؤولية التصعيد، ما دفع وزير الأمن يسرائيل كاتس إلى مهاجمته واتهامه بتشويه صورة المستوطنين.
ومع ذلك، يُتوقع أن تصم حكومة نتنياهو سمعها وبصرها، وأن تمضي في تسعير حربها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مدفوعة بجملة من العوامل والمحفزات.
الأيديولوجيا التوراتية والحاجة الانتخابية
الحقيقة أن هذا التعامي لا يحركه فقط غرور القوة الغاشمة، وغياب المساءلة والمحاسبة، وغياب الإسناد العربي، وتواطؤ الغرب، بل تغذيه أيضاً نوازع أيديولوجية توراتية ترى في فلسطين، "كل فلسطين"، أرضاً توراتية موعودة، يجب طرد "الأغيار" منها واستبدال المستوطنين "الأخيار" بهم.
وحين تُضاف إلى هذا المزيج، وإلى عقل مسكون بعقدة القداسة والاستعلاء، حاجات سياسية وانتخابية داخلية، فما أقصر الطريق إلى خطف قلوب الناخبين وعقولهم في مجتمع تحركه نزعة اليمين، "وفي ذلك فليتنافس المتصهينون".
فمن داعٍ إلى "الانتقام" من الفلسطينيين، إلى محرض على "محو القرى الفلسطينية وقتل المخربين فيها"، إلى مطالب بعملية عسكرية واسعة تحول القرى الفلسطينية إلى "ركام"، كما فُعل بخان يونس ورفح، تبقى الذريعة الجاهزة، كالعادة: "محاربة الإرهاب وتحقيق الأمن".
وحين تستجيب "الدولة"، بمسؤوليها ووزرائها وإعلامها، عبر تضخيم التهديد الآتي من القرى الفلسطينية، وتعمد إلى شيطنة الفلسطيني و"أنسنة" المستوطن "المتنزه الضحية"، فهذه إشارات لا لبس فيها إلى أنها تسعى إلى خلق الشرعية والمبرر لاستخدام القوة المفرطة والغاشمة ضد الفلسطينيين.
البؤر الاستيطانية بوصفها أداة للحسم
النتيجة الحتمية هي أن تتحرك "أدوات الحسم" لخلق واقع خانق وطارد للفلسطينيين، لا يجدون منه ملاذاً سوى ترك منازلهم وأراضيهم مكرهين. فما "لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة"، التي يغذيها ويؤجج نارها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، إلى جانب معظم القادة السياسيين في "إسرائيل".
وخلال الأيام القليلة التي أعقبت أحداث تل، أقام مستوطنون أربع بؤر استيطانية جديدة قرب موقع المواجهات، فيما أعلن نتنياهو تسريع إنشاء بؤر جديدة وتسوية أوضاع بؤر قائمة، في خطوة انتقامية تهدف إلى توسيع الاستيطان والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
كما دعا سموتريتش إلى إقامة مستوطنة عند بؤرة "سيلا"، قرب موقع الأحداث، وإلى نقل المنطقة من التصنيف "ب" إلى التصنيف "ج"، بما يسمح للاحتلال بفرض سيطرته الكاملة عليها.
أما المعلومات عن ارتفاع عدد البؤر التي أُنشئت بعد الحادثة إلى ثمانٍ، اثنتان منها في المنطقة "ب" والبقية في المنطقة المصنفة "ج"، ومعظمها على أراض فلسطينية خاصة، فتحتاج إلى مصدر مباشر لتثبيتها.
وهكذا، مع كل شبر من الأرض الفلسطينية يفقده أصحابه، يملؤه دعاة ملكيته و"يعبرنونه"، ويفرضون فيه واقعاً يصعب تغييره أو تجاوز آثاره المدمرة في حياة الفلسطينيين اليومية.
من عصابات ما قبل النكبة إلى إرهاب المستوطنين
إن كان أقران هؤلاء ومعلموهم الأوائل، من عصابات "الإتسل" و"البلماح" و"الهاغاناه" و"شتيرن"، قد حاربوا الفلسطينيين في الماضي من أجل ما سموه "حق الشعب اليهودي في إقامة دولة ذات سيادة في أرض إسرائيل"، فإنهم اليوم، وقد أُقيمت هذه "الدولة"، يمارسون إرهابهم لثلاثة أسباب رئيسية.
أولها الانتقام لمقتل إسرائيليين، كما يحدث اليوم بعد أحداث بلدة تل. وثانيها إحباط أي عملية سياسية تشمل الانسحاب الإسرائيلي من أراض فلسطينية أو إقامة دولة فلسطينية. أما ثالثها، وهو الأهم، فهو التعجيل في "الحسم" والضم، بما يضمن تحويل كامل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية إلى أراض يهودية تابعة لـ"دولة إسرائيل"، من خلال طرد سكانها الفلسطينيين وتهجيرهم وإحلال المستوطنين مكانهم.
وخلافاً لأيام ما قبل "الدولة"، فإن المستوطنين المتطرفين اليوم لديهم ممثلون في أعلى مستويات الحكومة، يشاركونهم رؤيتهم، ويحمون ظهورهم، بل ويشجعون إرهابهم.
الفلسطيني عقبة المشروع الإحلالي
لكن لدى "إسرائيل" وقادة مشروعها الاستيطاني مشكلة واحدة مع هذه "الأجندة الإحلالية"، هي أن أهل الأرض وأصحابها الشرعيين، في الضفة كما في غزة، يرفضون الانصياع والتهجير.
فقد تعلموا، بالطريقة الصعبة، في إثر نكبة عام 1948، أن من يغادر أرضه يفقدها، ولا يعود قادراً على العودة إليها.
لذلك، يفقد المستعمر المدجج بكل أدوات القهر والطرد صوابه حين يرى الفلسطيني الأعزل، إلا من إيمانه وإرادته، يناطح بكفه المجردة مخرز جيش الاحتلال والمستوطنين، ويتشبث بأرضه بأظافره وأسنانه، ويقاتل دفاعاً عنها حتى الرمق الأخير.
عناصر "الحسم" وحماية المستوطنين
تبدو عناصر "الحسم" كلها حاضرة وفي متناول يد الصهيونية القومية الدينية؛ بدءاً من القوة المفرطة والغاشمة التي تمارس ضد الفلسطينيين العزل، والمال الوفير الذي يُغدق على منظمات الاستيطان ونشطائها، والتغطية السياسية والقانونية التي يحظون بها من الحكومة الإسرائيلية والدولة بمختلف مفاصلها.
ويضاف إلى ذلك الضعف العربي والغياب اللامتناهي، رسمياً وشعبياً، إذ لا سند ولا نصير، ولا حتى من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، وصولاً إلى النفاق الغربي وتواطؤ المؤسسات الدولية، فلا محاسبة ولا مساءلة ولا رادع لـ"إسرائيل" ومستوطنيها.
ورغم هذه "النعم الوفيرة" المتاحة للمشروع الصهيوني وداعميه، يأبى الفلسطينيون في تلال الضفة الغربية وبلداتها وقراها الانصياع لمنطق الطرد والإحلال الصهيوني.
فكما أن الأرض تعرف أهلها المتجذرين فيها وتلفظ الغرباء، فإنهم يعرفونها ويحبونها، ويبادلونها الوفاء بالوفاء والثبات بالثبات.