محطّات الطاقة في "إسرائيل".. عندما يتحوّل الإنجاز إلى تهديد!
بغض النظر عمّا إذا كان هذا التهديد الفجّ والسافر الذي تم تأجيله لمدة مرتين سيتحوّل إلى أمر واقع أم لا، فإن مجرد التلويح به يجعل العالم يقف على قدم واحدة، إذ إن تداعيات مثل هذا العمل في حال حدوثه ستكون كارثية.
-
في معظم دول العالم تُشكّل محطات توليد الطاقة العمود الفقري للحياة العصرية.
أعاد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف محطات توليد الطاقة في الجمهورية الإسلامية في إيران، وما تبعه من تهديد إيراني بالرد على أي استهداف بالمثل، التذكير بأهمية هذه المحطّات وتأثيرها على تطوّر الدول ونموّها، إلى جانب ما تقدّمه من خدمات لا غنى عنها لمواطني البلدان المختلفة، والتي أصبحت تعتمد في معظم شؤونها على ما يصدر عن هذه المحطات من كهرباء.
وبغض النظر عمّا إذا كان هذا التهديد الفجّ والسافر الذي تم تأجيله لمدة مرتين سيتحوّل إلى أمر واقع أم لا، فإن مجرد التلويح به يجعل العالم يقف على قدم واحدة، إذ إن تداعيات مثل هذا العمل في حال حدوثه ستكون كارثية وغير مسبوقة.
في معظم دول العالم تُشكّل محطات توليد الطاقة العمود الفقري للحياة العصرية، فهي إلى جانب إسهامها في إنتاج الكهرباء اللازمة لإدارة المنازل والمصانع والمشافي والمؤسسات المختلفة، فإنها تعمل على تحسين مستوى المعيشة من خلال خلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتقليل الاعتماد على استيراد الطاقة من الخارج، وتعزيز التنمية الاقتصادية والنمو الصناعي.
تنقسم محطات توليد الطاقة في العالم إلى ثلاثة أنواع، أولها هي المحطات الحرارية، والتي تعمل بالوقود الأحفوري من فحم وغاز ونفط، وثانيها المحطات المتجدّدة، والتي تعتمد على المصادر الطبيعية مثل الطاقة الشمسية والرياح، والطاقة الكهرومائية، أما ثالثها فهو المحطات النووية، التي تستخدم الانشطار النووي لتوليد كميات كبيرة من الطاقة.
في الكيان الصهيوني تعتمد محطات توليد الطاقة بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي بنسبة تتجاوز 60%، فيما يأتي الفحم في المرتبة الثانية من ناحية تشغيل المحطات الإسرائيلية، والتي يُنظر إليها بأنها عامل أساسي من عوامل نهضة "الدولة" العبرية، وأنها ساعدت خلال السنوات الماضية في تحوّل "إسرائيل" إلى واحدة من أهم الدول الصناعية على مستوى المنطقة وربما العالم.
تعتمد "إسرائيل" في الحصول على الطاقة على مجموعة من محطّات التوليد، التي تؤمّن لها طاقة دائمة بفضل ما تنتجه من كميّات كبيرة من الكهرباء، بالإضافة إلى مساهمتها التي لا غنى عنها في زيادة عجلة الإنتاج في "الدولة" العبرية، لا سيّما في ما يتعلّق بالصناعات التكنولوجية. سنشير في ما يلي إلى أكبر وأهم خمس محطات لإنتاج الطاقة في الكيان الصهيوني، وهي محطّات تحظى بأهمية استراتيجية، ومن دونها تتحوّل "إسرائيل" إلى ما يشبه "البيت الخرب".
1/ محطة كهرباء "أوروت رابين":
وعُرفت بهذا الاسم بعد اغتيال إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، وهي محطة توليد كهرباء بخارية تعمل بالفحم، وتقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مدينة الخضيرة داخل أراضي فلسطين المحتلة، وهي مبنية على الشاطئ لأنها تستخدم مياه البحر للتبريد، وبُني بجانبها حوض خاص لتفريغ الفحم اللازم لتشغيلها من سفن الشحن.
بدأ تشييد المحطة في عام 1973، وبدأت عملها في عام 1981، وتبلغ القدرة التوليدية الإجمالية للمحطة 2590 ميغاوات، وتُعد من أكبر محطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة، إذ تشارك بنسبة 23٪ من قدرة شركة الكهرباء الإسرائيلية، وهناك إمكانية لتشغيل المحطة بالوقود أو باستخدام النفط الخام، وتحتوي على 4 مداخن بارتفاع 250-300 متر.
2/ محطة كهرباء "روتنبرج":
تقع المحطة على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة عسقلان المحتلة، وتديرها شركة الكهرباء الإسرائيلية، وهي ثاني أكبر محطة في "إسرائيل" من حيث إنتاج الطاقة، وتعد العمود الفقري للطاقة في الجنوب والوسط، وهي أحدث محطة بخارية من بين المحطّات الخمس الكبرى الأخرى، وتشكل الطاقة الإنتاجية للمحطة نحو ربع الطاقة الإنتاجية لشركة الكهرباء.
بُنيت هذه المحطة على الشاطئ لأنها تعمل بتقنية البخار وتستخدم مياه البحر للتبريد كما هي الحال في محطة " أوروت رابين "، كما تتغذى بالفحم الذي يُفرغ من سفن الشحن في رصيف خاص بالقرب منها، وتضم أربع وحدات لتوليد الطاقة.
3/ محطة كهرباء "أشكول":
تقع محطة كهرباء أشكول على ساحل البحر الأبيض المتوسط في شمال مدينة أسدود، سُميت المحطة باسم ليفي أشكول، رئيس وزراء "إسرائيل" السابق، ودخلت الخدمة اعتبارًا من عام 2013، تبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة نحو 1600 ميجاوات، وتشكل نحو 7.3 في المائة من الطاقة الإنتاجية لشركة الكهرباء، وتضم عدة وحدات لتوليد الكهرباء والبخار.
4/ محطة كهرباء "ردينغ":
تقع في شمال مدينة "تل أبيب" في حي رمات هشارون، بجوار مصب نهر اليركون، سُميت باسم ماركيز ريدينغ، الذي كان رئيس مجلس إدارة شركة الكهرباء في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
قبل إنشاء المحطة كانت مدينة "تل أبيب" تتغذى بالكهرباء من خلال محطة "نهاريم" في غور الأردن، ومحطة حيفا بسعة إجمالية نحو 47 ميغاواط ، وكان يتم إيصال الكهرباء من خلال خط جهد عال بين المحطتين والمدينة ، ولكن بعد تطور "تل أبيب" السريع في ثلاثينيات القرن الماضي ، كانت هناك حاجة إلى إنشاء محطة في قلب "تل أبيب"، بسبب الطلب المتزايد على الكهرباء من جهة، وارتفاع التكلفة الناتج عن نقل التيار من محطات الطاقة البعيدة من جهة أخرى، ما استلزم بناء محطة كهرباء قريبة قدر الإمكان من "تل أبيب"، وهي تنتج حالياً أكثر من5% من إجمالي الطاقة في "إسرائيل".
5/ محطة كهرباء حيفا:
تابعة لشركة حيفا للكهرباء، وهي أول محطة بخارية في "إسرائيل"، وتعمل بالغاز، ويُنظر إليها بأنها محطة استراتيجية إذ توفّر نحو 10% من الكهرباء اللازمة للعديد من المناطق الصناعية في حيفا وباقي مناطق شمال فلسطين المحتلة.
إلى جانب المحطّات الخمس المُشار إليها أعلاه، هناك عدة محطات أخرى ولكنها أصغر من حيث الحجم والإنتاج أيضاً مثل " جيزر وهاجيت وميشور روتم ورمات هوفاف وتزافيت ومحطة داليا".
ختاماً، يمكننا القول إن ما كان يُنظر إليه في الكيان العبري كأحد أهم إنجازات "الدولة" منذ نشأتها وحتى الآن ، يمكن أن يتحوّل بين عشيّة وضحاها إلى تهديد حقيقي وحاسم في حال اندلعت معركة الطاقة بين قوى الشر وإيران، فتجربة الأيام الماضية تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن لدى الجانب الإيراني كل الإمكانيات التقنية، والمعلومات الاستخبارية، والقدرة العملانية اللازمة لاستهداف تلك المحطات وتدميرها، أو بالحد الأدنى إخراجها من الخدمة، وهذا الأمر في حال حدوثه سيدخل "إسرائيل" في أزمة لم يسبق لها مثيل، فالجبهة الداخلية والمستوطنون الصهاينة لم يعتادوا على هذا النوع من الأزمات، فانقطاع الكهرباء سيعطل الكثير من مناحي الحياة، كالمصانع والمؤسسات والمحال التجارية والاتصالات والبنوك وغيرها الكثير، ومهما كانت الموارد الأخرى التي يمكن أن تمد الدولة بالكهرباء، فإنها لن تكون في أي حال من الأحوال بقدرة محطات الطاقة، ولن تساهم في حل الأزمة إلا بالقدر اليسير.
نحن أمام أيام حاسمة ومصيرية قد تؤثر على كل المنطقة وليس فقط على طرفي الحرب، إذ يمكن أن تمتد تداعيات استهداف موارد الطاقة بشكل خاص إلى معظم دول الإقليم، وفي المقدمة منهم دول الخليج العربي، والتي تشعر بقلق عميق من إمكانية اشتعال حرب الطاقة، التي ستفاقم من أزماتها بعد ما ألحقته أزمة تصدير النفط والغاز من خسائر فادحة باقتصادها وعوائدها المالية.