ماذا يفسّر فائض القوة الأميركي بعد اختطاف نيكولاس مادورو؟

باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تعرّضت أميركا أمام العالم أجمع لزلزال عميق أخلاقياً وعسكرياً وسياسياً، وعلى الزاوية الأخرى من الصورة تمدّدت قوى منافسة في الفراغ الذي تركته.

0:00
  • أميركا اللاتينية تشكّل تاريخياً، المجال الحيوي للنفوذ الأميركي على وجه الخصوص.
    أميركا اللاتينية تشكّل تاريخياً، المجال الحيوي للنفوذ الأميركي على وجه الخصوص.

قيام الولايات المتحدة الأميركية باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك أحدث جدلاً عالمياً واسعاً في وصف حقيقة ما جرى ومدى انتهاك القانون الدولي من قبل إدارة الرئيس ترامب، إذ إنّ مثل هذا التصرّف يعبّر عن فائض قوة أميركي واضح على مستوى الاستعراض العسكري، ويكشف عن تحوّلات عميقة في جوهر النفوذ الأميركي في المنطقة.

لن أتوقّف كثيراً في وصف ما حدث فقد كتب كثيرون، ولكن من المهم الوقوف على دلالات ما حدث، وعندما نكتب أنّ ما جرى هو اختطاف وليس اعتقالاً، فهذا أدقّ توصيف لما حدث، فلا بدّ من تسمية الأمور بمسمّياتها، إذ إنّ ما حدث من اختطاف رئيس دولة ونقله قسراً إلى خارج فنزويلا تمّ خارج أيّ نطاق قانوني دولي، وهذا في العرف القانوني يعدّ اختطافاً سياسياً استعراضياً نفّذ بمنطق فائض القوة وبالإكراه. 

وحين تضطرّ قوة مثل الولايات المتحدة الأميركية لهذا الاستعراض المباشر لإثبات حضورها أو ترسيخ هيبتها بعد أن كانت تمسك بزمام الأمور بلغة الكلمات والدبلوماسية السياسية أمام مرأى ومسمع العالم، فهذا بحاجة إلى تفسير لهذا الفائض، إذ إنه ليس مجرّد وصف حدث عابر وهو بحاجة لفهم مركّب للواقع السياسي والاستراتيجي الذي وصلت إليه أميركا. 

اللجوء إلى القوة العسكرية والسياسية وممارسة أسلوب العربدة والبلطجة لاختطاف رئيس دولة بهذه الطريقة، هو علامة واضحة على بداية مسيرة التآكل البطيء من الداخل، وهذا التآكل يأتي نتيجة تفكّك داخلي وتعبير عن خلخلة في التركيبة البنيوية للأوضاع السياسية في الولايات المتحدة. 

وبالمناسبة ما شاهدناه في فنزويلا ليس استثناءً، حتى "إسرائيل" طبّقت السياسة ذاتها في حربها الأخيرة على غزة عندما استخدمت قوة عسكرية مفرطة أمام شعب أعزل، وبالتالي هنا يلتقي اليمين الإسرائيلي مع اليمين الأميركي في سياسة العربدة والبلطجة، وهذا مؤشّر مهم على بداية الأفول، ومثل هذا المشهد لن يبقى على حاله سنوات طويلة. 

واقع يخفي في باطنه ضعفاً متراكماً، يفسّر على أنّ أميركا التي تصف نفسها بصاحبة القوة العظمى في العالم لم تعد قادرة على إدارة مصالحها وعلاقاتها عبر آليات السياسة والدبلوماسية الناعمة والتهديد الخفيّ على نحو ما هو معروف عن السياسة الأميركية، بل كشف الستار عنها وأضحت مضطرة لممارسة العربدة والبلطجة السياسية والعسكرية لمنع أيّ منافس أو خصم لها من التفوّق عليها. 

وهذا بحدّ ذاته دليل ضعف لا قوة، يكشف عن مأزق عميق تعيشه الإدارة الأميركية وهذا يظهر بشكل كبير في سلوك أميركا خلال العقدين الأخيرين، ابتداءً من غزو العراق مروراً بالتدخّلات المباشرة في شؤون أميركا اللاتينية، وصولاً إلى القيام بعمليات عسكرية أقلّ ما توصف أنها عمليات عربدة وبلطجة واستعراض للقوة، كان آخرها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كرئيس شرعي منتخب وإهانته بهذه الطريقة الفجة. 

 في قراءة دلالة ما حدث، لطالما بنت الولايات المتحدة الأميركية نفوذها في المنطقة على مبدأ القوة والهيمنة الناعمة ومعها التهديد الخفيّ، باستخدام أدوات واستراتيجيات إضافة إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة يمكن التلويح بها عند الطلب، لا أداة استخدام مباشر ودائم، غير أنّ هذا النموذج دخل بعد اختطاف نيكولاس مادورو مرحلة جديدة عنوانها التآكل والتآكل فقط. 

وهذه الصورة بدت ثابتة وتترسّخ في السلوك والأداء الأميركي الذي غرق في حروب عديدة ومكلفة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، أدّت إلى تراجع صورة الولايات المتحدة الأخلاقية، كما أدّت إلى صعود قوى منافسة لها دفعتها للانتقال من إدارة النفوذ بالسياسة الناعمة التي انتهجتها إلى استعراض القوة المفرطة المكشوفة. 

وحين تتراجع قدرة الولايات المتحدة الأميركية التي لطالما كانت مهيمنة على تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، تلجأ إلى استبدال الأخلاق السياسية بلغة العربدة والبلطجة لتعويض العجز والفشل البنيوي في الإقناع والتأثير على حشد الإجماع الدولي لصالح سياساتها ومصالحها في المنطقة. 

وبالتالي يصبح منهج البلطجة ليس دليلاً على كسب الثقة والقيادة، بل على بداية التيه وفقدان البوصلة وأدوات التأثير التي تضمن السيطرة بالسياسة الناعمة التي عرفت بها الولايات المتحدة منذ عقود.

تاريخياً، نحن أمام لحظة انكشاف تاريخي للوجه الحقيقي لأميركا التي لم تعد تعمل من وراء الستار، ولنا فيما جرى سابقاً في العراق وقفات ووقفات، في كشف تاريخ الهيمنة الأميركية، هذا ليس معناه نجاح استراتيجية القوة، فالقوة ربما تكون حقّقت أهدافها تكتيكياً لكنها انهزمت استراتيجياً. 

باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تعرّضت أميركا أمام العالم أجمع لزلزال عميق أخلاقياً وعسكرياً وسياسياً، وعلى الزاوية الأخرى من الصورة تمدّدت قوى منافسة في الفراغ الذي تركته، وبالتالي تفشل واشنطن بعد هذا الحدث في قدرتها على التحكّم الكامل في النظام الدولي وفق رؤيتها الشاملة، وهنا يتمثّل جوهر الضعف، لحظة أن تمتلك كدولة كبيرة أدوات الفعل العسكري اللامحدود لكن تفقد القدرة على تشكيل الحاضر والمستقبل الذي تريده من وراء ذاك الفعل. 

فنزويلا، المعادلة فيها تختلف، إذ إنّ أميركا اللاتينية تشكّل تاريخياً، المجال الحيوي للنفوذ الأميركي على وجه الخصوص، ومع كلّ ذلك في تفسير ما حدث، هو أنه بكلّ بساطة، أنّ الإدارة الأميركية لم تعد قادرة على إدارة هذه الساحة المهمة بالنسبة لها عبر السياسة الصامتة أو الضغوط الاقتصادية وحدها كما في الماضي، لذلك تدخّلت بسياسة العربدة العسكرية الاستعراضية، مع تعمّدها إبراز سياسة الإذلال في كلّ الصور التي سرّبتها للرئيس الفنزويلي مادورو، مع توظيف خطاب يغطّي هذا الاستعراض العسكري. 

لكنّ مثل هذا الاستعراض لا يعكس ثقة مطمئنة بل خشية كبيرة من صعود قوى بديلة من جهة، أو تحسّباً لظهور حال من التمرّد الجيوسياسي في دول أخرى، وبمجرّد استخدام قوة مفرطة في دولة كفنزويلا هو بحدّ ذاته رسالة ضعف استراتيجي، ولكن رسالة مفادها أنّ النفوذ لم يعد مقبولاً. 

صحيح أنّ أميركا كدولة قوية مادياً وعسكرياً لكنها دولة اهتزت صورتها استراتيجياً، لهذا بدت مؤخّراً تندفع في مسارات تعكس هذا القلق بدلاً من إدارة طويلة وممتدة إلى استراتيجية القوة كفرض الحلول، وتجسيد اللغة المفرطة لا يمكن قراءتها على أنها رسالة هيبة وإنما تعبير واضح عن فشل الهيمنة الأميركية الناعمة في المنطقة.  

باتت الولايات المتحدة الأميركية اليوم تواجه معضلة ليست بالسهلة، فلم تعد تلك الإمبراطورية التي ترهب العالم، بل باتت إمبراطورية بلا قناع عارية مكشوفة في ميزان الأخلاق والسياسة تراجعت معها مفاهيم كبيرة، إذ إنّ ما جرى من اختطاف للرئيس مادورو يعطي نتيجة أنه لم تعد هناك قيمة للديمقراطية وحقوق الإنسان ولا النظام الدولي.  

أميركا في عهد الرئيس ترامب باتت قوة تحتمي بالعربدة والبلطجة لسبب هي تعلمه أمام منافسيها في المنطقة، أميركا ترامب باتت تخاف المستقبل أكثر من أيّ وقت مضى، واحتلال العراق سابقاً واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو اليوم لا يمكن اختزالهما بمنطق القوة والضعف، بل تشكّل حالة تحوّل في تاريخ الولايات المتحدة، فلم تعد منذ ذلك الحدث في ذروة الهيمنة الناعمة، وبدأت فعلياً مرحلة التآكل الداخلي، وأصبحت تقف في منطقة قلقة تجعلها تميل أكثر للغة الاستعراض بالقوة القصوى. 

التاريخ علّمنا ويقول إنّ الإمبراطوريات حين تخاف الحاضر وتخشى المستقبل تتصرّف بوحشية مفرطة، وهذا ما يحدث في العقل الأميركي وتعاملاته في عهد ترامب الذي بات يجد صعوبة في إقناع العالم أنه المرجعية العليا الوحيدة لحاضره ومستقبله.